الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

الشعر المعترض على عروض النظم، من خلال مجلة (( الفكر ))

Share

لأن مجلة (( الفكر )) للاستاذ محمد مزالى ليست فقط علامة مضيئة بارزة فى التاريخ العام لانجازات الاستقلال ، وانما هى أيضا محطة العشق الاولى لاختلاجة الحرف والكلمة بين جوانح العشرات من ملكات الابداع لجيل الستينات ، ولانها الارتعاشة الاولى فى المخاطر وفى اليد لدى العشرات من شباب الادب لجيل السبعينات ولجيل الثمانينات ، فان الموضوع الذى لم يوضع بعد بشكل موضوعى حاسم فى دائرة الضوء - والذى أسمح لنفسى برفعه (( إكليل غار )) الى الاستاذ محمد مزالى بمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيس مجلته - هو موضوع ( الشعر المعترض على عروض النظم من خلال (( الفكر )) ) وذلك فقط لان هذه القضية تتعلق بقصيدة النثر التى اتفق شخصيا مع الذين يعتبرونها (( قصيدة المستقبل )) ، وانما بالخصوص للكشف عن جانب مستقبلى من منهج مجلة (( الفكر )) فى التأسيس الثقافى وفى احترام الرأي المغاير .. وفى الرهان مع طلائع الادب والفكر على الخطاب الابداعى البديل ..

و ((الشعر المعترض على عروض النظم )) الذى كتبه فى تونس بعض أبناء جيل الاستقلال واحتضنته مجلة الاستاذ محمد مزالى على هامش احتضانها للادب التجريبى ولحركة الطليعة الادبية التونسية .. ليس شيئا آخر.. سوى أنه محاولة فى التأسيس الثقافى لخطاب ابداعى بديل خارج القالبية والجمود ، وخارج المفروغ منه ، والمتفق عليه ، من مقاييس الشعر والنثر ...

واذا كان الاحترام لقوانين لعبة عروض النظم فى (( ألفية ابن مالك )) لم يكف لتحويلها من نثر منظوم الى شعر برغم حفاظها على (( الوزن )) و (( القافية )) وعلى (( الصدر )) و (( العجز )) فهذا يعني - فى جملة الاشياء

التى يمكن أن يعنيها - أن الشعر شئ وعروض النظم شئ آخر ، وأن الترادف بينهما لا يجوز ..

..ليس معنى هذا أن كل قصيدة موزونة مقفاة نثر منظوم بالضرورة ولكن  معناه .. أنها ليست شعرا بالضرورة لمجرد احترامها لقوانين لعبة عروض النظم .. وانما هى قابلة لان تكون شعرا بعروض النظم أو بدونه ، كما هى قابلة لان تكون نثرا .. بعروض النظم أو بدونه أيضا ..

وما قيل فى عدم كفاية عروض النظم على صعيد القصيدة العمودية .. لتحويل الشعر الى نثر .. يمكن أن يقال عن (( الشعر الحر )) أيضا .. وذلك لتوهم أصحابه أن ممارستهم (( لسياسة التقشف )) فى التعامل مع عروض النظم .. ضرب من التحرر الكامل فى حين أن هذه الحرية - كما لاحظ ذلك (( عبد العزيز قاسم )) (1) (( لها حدودها وقيودها )) ما دام (( الشعر الحر يكاد لا يستعمل الا البحور التى يعتمد بناؤها تفاعيل الرمل والرجز والكامل والمتدارك والهزج وعوائق الشعر العربى تكمن فى تركيب البيت بقدر ما تكمن فى التفعيلة ذاتها . اذ الاوتاد والاسباب التى تتركب منها التفعيلة تجعل منها قالبا يضيق عن كثير من الكلمات فيلجأ الشاعر الى استعمال المترادفات والى تغيير الصيغ ، فاذا المخاطب يصبح غائبا ، والغائب مخاطبا .. والى غير ذلك من الالتواءات والتحيل )) .

واذا كان النثر المحشور فى وحدة البيت أو فى وحدة التفعيلة الخليلية كثيرا ما تحول إلى كلام (( مصور فى صورة الشعر وليس بشعر )) كما يقول حازم القرطاجنى فى (( منهاج البلغاء )) فهذا معناه أن المحدود الفاصل بين الخطاب النثرى والخطاب الشعرى .. لا تكمن فى (( عروض النظم )) الذى لا يمثل صفة السنية مميزة لبنية النص الشعرى .. وانما فى شئ اخر .. هو على وجه التحديد .. اللغة ..

وعلى هذا الاساس من الطرح الجديد .. لبنية الخطاب الشعرى المغاير ارتكزت تجربة الشعر المعترض على عروض النظم .. لا فقط على صعيد جيلنا الادبى الطليعى فى الستينات انطلاقا من مجلة (( الفكر )) وانما أيضا على صعيد مجلة ( شعر ) قبلنا .. وأيضا على صعيد غيرنا من الرواد .. فى

سوريا وفى الادب المهجرى .. وحتى قبل ذلك .. انطلاقا من أمين الريحانى فى بداية هذا القرن ..

كيف نشأ هذا الخطاب الابداعى المغاير لمعمارية القصيدة العربية بشكلها العمودى وبشكلها (( الحر )) وما هى الاسس النظرية التى يقوم عليها .. لتبرير شرعية اعتراضه على عروض النظم ؟

الدكتورة سلمي خضراء الجيوسى (2) تقول : (( حاول بعض الادباء أن يدخلوا الشعر المنثور على الادب العربى منذ بداية هذا القرن . كان أولهم أمين الريحانى الذى بدا يكتبه منذ أول القرن حتى اننا نرى جرجى زيدان ستعمل هذا المصطلح لاول مرة سنة 1905 في وصفه لمحاولات (( الريحانى )) فى هذا المضمار . وقد أطلق مارون عبود ( فى عام 1926 ) لقب (( أبى الشعر المنثور)) على الريحانى . تأثر الريحانى كما ذكر هو نفسه فى مقدمته لمجموعة شعره المنثور (( بوالت ويتمان )) . غير أن الناقد لا يستطيع ان يلمح أثرا ظاهرا مباشرا لتجرية الريحانى على من جاء بعده من الادباء . أما الذى ترك ميسمه الاكيد على شعراء النظم والنثر فى جيله والجيل الذي تلاه فقد كان جبران . لقد كان جبران يملك موهبة شعرية فذة وكان الابداع يتدفق منه فى تعايبر رومانطيقية تدفعها قوة عاطفية كبيرة )) .

نستنتج من كلام الدكتورة الجيوسى أن حركة الاعتراض على عروض النظم ليست سابقة تاريخيا .. لحركة الشعر الحر فقط وانما هى أيضا .. متزامنه مع بداية القرن العشرين .. وما لا يمكن أن نجارى فيه الناقدة الفاضله هو تفسيرها لميسم جبران على شعراء النظم والنثر .. (( برومانطيقيته )) ، وذلك لان الميسم الاكيد .. يعود الى شئ آخر .. هو اللغة (( الجبرانية )) المغايرة التى جعلت منه بحق - وأكثر بكثير من أمين الريحانى - الأب الحقيقى لا فقط .. للشعر الرافض للوزن .. وانما أيضا للحداثة العربية أو . للحداثة فى الادب العربى المعاصر ..

ألم يقل (( جبران )) (3)  : (( خلقت لغة جديدة داخل اللغة القديمة . لم ابتدع مفردات جديدة بالطبع بل تعابير جديدة واستعمالات جديدة لعناصر اللغة )) ؟

مامعنى هذا ؟

معناه أن جبران بخلقه للغة جديدة داخل لغة قديمة ، أى بابتكاره لنسق جديد فى الاداء الفني ، وباكتشافه لعلاقات ثرية وموحية بين الكلمات والجمل والمفردات والفقرات قد فتح آفاقا بكرا أمام شعراء العربية ، ومهد الطريق - بأكثر مما كان يتوقع - للمفاهيم الحديثة للشعر القائم - كما يقول محمد على اليوسفي (4) - على (( نوع من التشكيل اللغوى )) وعلى طريقة فى البناء ، وعلى أسلوب من أساليب (( تأسيس كينونة الاشياء عن طريق الكلام )) أو بتعبير آخر .. (( أن اللغة مكونة كما بينت الابحاث اللغوية الحديثة من ( دال ) هو الصوت و ( مدلول ) أى الفكرة أو المفهوم ، ومن ( دلالة ) هى عملية الاحالة التى تحدث ذهنيا بين ( الدال ) و ( المدلول ) . والبناء الشعرى ، أى عملية الخلق الفني لا تتم فى نطاق ( الدوال ) فحسب ، بل تنشأ أساسا من علاقات تحصل بين() المداليل ) وتتسم بكونها تلغى العادة المتبعة فى تركيب الكلام ولا تتماشى مع التقليد فتكسر المنطق وتؤسس ، تبعا لذلك ، آفاقا متنوعة من التصورات والرؤى تنسف طمانينة التراكيب اللغوية أى نسق الكلمات وقواعد تركيب الكلام المتجاوز أخيرا دائرة المعقول )) .

على هذا الاساس يمكننا نحن أن نفسر الميسم الاكيد الذى كان لجبران على شعراء النظم والنثر .. وفشل أمين الريحانى فى أن يكون له نفس ذلك الميسم .

ولسنا أيضا مع القائلين بأن للشاعر (( والت ويتمان )) ناقة أو جملا .. فى بروز الشعر المعترض على عروض النظم ، وذلك بالرغم من اعتراف أمين الريحانى نفسه بتأثره (( بوالت ويتمان )) . ولعل الأصح ، ليس فقط فى تفسير بروز الشعر المعترض على عروض النظم .. وانما أيضا .. فى تفسير النفس اللغوى المهجرى الذى أنشأ لغة جبران ، هو - كما يقول الياس خورى (6) - أن (( كل شئ )) بدأ (( يهتز منذ أن جاء الغرب الانبريالى غازيا .

فلقد ترافق التدمير الذى أصاب بنية الانتاج المحلية ، مع الجيوش القادمة وهدف تقطيع المنطقة أفقيا ، بعد أن قطعها الرأسمال الزاحف عموديا . أما على مستوى الثقافة والفكر فقد قاد رد الفعل الى أطر تشبه الهذيان ، وكانت محاولة الصد التراجيدية التى عبر عنها فكر الافغانى ، هى مزيج من الذهول ومحاولة التركيب فى سياق الانهيار . أما على الصعيد الادبى فهذه هى المرة الاولى التى يأتى فيها النموذج صاعقا من الخارج ، لم يتعرض الادب العربى فى تاريخه لهزة بمثل هذا العنف . لا يمكن مقارنة الظرف الجديد بمرحلة نمو الترجمات الفارسية والهندية ولا بانكسار العمود الشعرى وبروز المحدث مع  أبى تمام وأبى فراس ، الذى يجدي ، هو أنه على المستوى الادبى ، يفقد النموذج القديم ، ودفعة واحدة ، كل نموذجيته وسحره )) .

وفى سياق هذا الفقدان للنموذج القديم لسحره ولقداسه .. ترجرجت اللغة الكلاسيكية .. بصعوبة .. و (( الاعصار الذى تعرض له كل شئ فى الشرق لم يستطع أن يخترق تخوم اللغة . بل أخضعها لانحناءات متعدده )) . . وفى انحنائها - كما يلاحظ دائما الياس خورى . (( استطاعت أن تتجدد ليس فقط فى الشعر ، بل وانطلاقا من الشعر فى جميع مجالات الكتابة )) .. وهذا لم يحدث وفق خط تصاعدى مطرد .. تدريجيا.. وانما فى سياق مد وجزر فالشابى والبشروش وخريف فى تونس الثلاثينات.. لم يقوموا بأكثر من محاولات محتشمة فى النثر الفني وفى الشعر المنثور ..

تقول الدكتورة سلمي خضراء الجيوسى (8) : (( لقد أطلق جبران تيارا من الغنائية الشعرية والخيال الشعرى الراقى عبر النثر ، محررا اللغة الشعرية التى استفادت من تجربته النثرية الى أقصى حد .. غير أنه بالرغم من أهمية العطاء الذى أعطاه جبران ، الا أن الشعر المنثور فى النصف الاول من هذا القرن لم يكن مقدرا له أن يلعب دورا مهما بعد وفاة جبران . فقد دخل الشعر الموزون نفسه فى مرحلة تجريب مهمة وكان ينزع نحو الوصول الى المعاصرة  فى أسرع وقت ممكن ، فما أن انتهى الربع الاول من القرن حتى كان واضحا أن ثورة الشكل فى الشعر العربى ، فى هذه الفترة ، لن تكون بهجر المنظوم كليا بل بتغييره . غير أن التجارب فى الشعر المنثور استمرت ولكنها لم تلعب دورا جادا فى الحقل الادبى ولم تقلق بال حماة العرف الشعرى المأثور

قبل الخمسينات . أما العداء السافر لهذا النوع من الأدب ، فلم يبدأ الا بعد صدور مجموعات متطرفة فى محاولاتها أمثال ( سريال ) وهى مجموعة من القصائد السريالية المثورة أصدرها (( أورخان ميسر))" و (( علي ناصر )) فى حلب سنة 1946 مع مقدمة (( لميسر )) من الممكن اعتبارها (( مانيفستو )) الشعر السريالى فى العربية . وقد حملت مقدمتها تحديا لشعراء الوزن عندما أعلنت أن الشعر الموزون عاجز عن نقل الافكار والتعابير الحديثة )) .

ولكن وبعد عام واحد من (( المانيفستو )) الذى أشارت الى صدوره الدكتورة سلمى أعلنت العراق ، انطلاقا من نازك الملائكة والسياب والبياتى . حرب معركة (( الشعر الحر )) ، ثم ، وبواسطة مجلة (( الآداب )) البيروتية ، ذات الانتشار العربى الواسع والتوجه القومى الوحدوي ( فى حياة الزعيم جمال عبد الناصر ) ، لم تستطع تجربة الشعر المعترض على عروض النظم .. مجاراة قصيدة التفعيلة التى انظم اليها نزار قبانى وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى والعشرات غيرهم من كتاب (( الآداب ))  فى المشرق والمغرب .. من الخارطة العربية ..

وحتى مجلة (( شعر )) التى صدرت سنة 1957 وتواصلت الى 1964 ثم عادت الى الصدور فى 1967 وتواصلت الى 1969 . . فان طرحها الجديد لقضية الشعر المعترض على عروض النظم وتركيزها على الاسس الجمالية والتقنية لقصيدة النثر .. بواسطة مبدعين موهوبين من طراز أدونيس ويوسف الخال وأنسى الحاج ومحمد الماغوط وغيرهم .. لم يصمدا ( أى ذلك الطرح وهذا التركيز ) أمام حديث الثورة والالتزام اللذين رفعت لواءهما من الخليج الى المحيط مجلة الدكتور سهيل ادريس الذى عرف كيف يضمن جمهورا واسعا بمواكبته للاحداث القومية وبتعبير كتاب (( الآداب )) وشعرائها بقوة عن المشاعر العربية العامة .

ولأن يوسف الخال صاحب مجلة ( شعر ) لم يكن - كما بينت ذلك الدكتورة سلمى - (( رجل أعمال )) فى ترويج مجلته بواسطة ركوب رأس الموجة فى الصراع السياسى ، وفي استغلال الظرف المتاح على نحو ما فعلته (( الآداب )) التى وظفت ثورة (( الشعر الحر )) وحركة القصة والرواية فى المد الناصرى ، واستقطبت القارئ العربى فى كل مكان ، فان يوسف الخال

ومجلته .. لم يحدثا حول الشعر المعترض على عروض النظم الدوي النقدي الذى كان متوقعا ..

أما .. بروز نفس الخطاب الشعرى البديل فى مجلة(( الفكر )) (لكن بشكل مغاير ) ضمن حركة الطلبة الادبية التونسية فى أواسط الستينات فقد كان بمثابة الحريق فى هشيم النقد التقليدى بشكليه : السلفى المدافع عن التراث بشكل غريزى بدائى .. أو الانطباعى المحافظ الذى يتهجم على الشكل الادبى المغاير لا لشئ سوى لانه مخالف للفكر السائد .. وللمثال المعتاد ..

وبالرغم من أن مجلة (( الفكر )) ليست مثل مجلة (( شعر )) من حيث تخصصها فى شكل أدبى دون آخر ، وانما هى مجلة تعتمد منهجا ديمقراطيا شموليا مفتوحا لكل الآراء والرؤى ولكل التيارات والمدارس ، فانها بتعاطفها مع حركة الشعر الرافض للوزن الخليلى ومع الطليعة الادبية فى القصة والنقد ، قد أقامت الدليل لا فقط على مصداقية منهجها الديمقراطى والشمولى المؤمن باحترام الخطاب الادبى المغاير وبتعددية المدارس ، وانما أقامت الدليل أيضا على جدية رهان صاحبها الاستاذ المفكر محمد مزالى ورئيس تحريرها الاستاذ البشير بن سلامه مع جيل الاستقلال على المستقبل وعلى التأسيس الابداعى لأدب طامح الى أن يكون بطرافته التونسية رافدا من روافد الادب العربى الحديث ..

ومما لا شك فيه ولا نقاش - على الاقل بالنسبة الى النقاد المؤمنين بالحداثة وبالتحديث - هو أن الشعر التونسى ، منذ الاستقلال الى نهاية سنوات السبعين ، لم يعرف حركة بالقوة ، وبالاندفاع ، مثل هذه التى ظهرت باحتشام منذ 1963 حتى أصبحت اليوم .. واقعا ملموسا يؤثر فى دراسة الشعر التونسى ، بمعرفته أو بجهله ، وهذه الشرعية التاريخية التى اكتسبتها هذه الحركة بعد صراعات حبلى بالرد المختلفة من مناصر متحمس فى الدفاع ومن رافض لها ، متبرم منها ، مهاجم لها فى كل فرصه سانحة أو غير سانحة ..

ومرد ذلك أن هذه الحركة تجاوزت حركة الشعر الحر لتطرح قوانين جديدة نتعدى البنية الايقاعية ولتشمل متتاليات النص ، وقوانين البلاغة القديمة .. أى أن هذه الحركة قد اختارت المغامرة طريقا للابداع ، والحرية - حرية الخلق _ منطلقا لكل ممارسة شعرية ، واكتشاف المجهول ركيزة أساسية من ركائز مشروع التأسيس ..

من هنا فان هذه الحركة تضعنا أمام الاستنتاجات التالية :

- 1 - إن مختلف التجارب التى أفرزتها هذه الحركة قد رافقها عمل نقدي وتنظيرى قام به الممارسون لهذه التجارب أنفسهم وبالتالى فانها كانت تصدر من خلفية ايديلوجية وفلسفة جمالية تريد ارسائها . والمطلوب لانصاف هذه الحركة هو دراسات جامعية لمعرفة مدى التطابق بين هذه المنطلقات وجسم النص الشعرى الجديد ..

- 2 - إن هذه التجارب - بحكم كونها - اتتت فى تناقض مع نموذج ( أو نماذج سابقة ) ، جاءت معارضة لها ، ومحاولة لهدم أنماطها وقيمها .. فالمطلوب هو دراسات تتعلق بمعرفة مدى خلق هذه التجارب للغة شعرية خصوصية ومتميزة ذات قيم وأنماط واضحة .

- 3 - إن هذه التجارب وإن التقت فى رفضها للبنية الايقاعية السائدة .. فقد جاءت تحت عناوين مختلفة : الشعر المنثور ، (( فى غير العمودى والحر )) ، القصيدة المضادة ، الخ ... والمطلوب هو دراسات تلقى الضوء على نقاط الالتقاء ونقاط الاختلاف بين هذه التسميات المختلفة لحركة شعرية .

ولئن كان القاسم المشترك بين كل هذه الاشكال من الشعر المعترض على عروض النظم يتمثل فى رفضها للوزن الخليلى فان هذا لا يعنى - كما يقول أنسي الحاح - أن الشعر المنثور والنثر الفني هما قصيدة النثر . فهما والنثر الشعرى الموقع - على وجه الحصر - عنصر أولي فى ما يسمى بقصيدة النثر الغنائية . ففي هذه لا غنى عن النثر الموقع .. الا أن قصيدة النثر .. ليست غنائية فحسب ، بل هناك قصيدة نثر تشبه الحكاية ، وقصائد نثر (( عاديه )) بلا ايقاع كالذى نسمعه فى (( نشيد الانشاد )) ( وهو نثر شعرى ) أو فى قصائد شاعر كسان جون بيرس وهذه تستعيض عن التوقيع بالكيان الواحد المغلق ، الرؤيا التى تحمل ، أو عمق التجربة الفذة أى بالاشعاع الذى يرسل من جوانب الدائرة أو المربع الذى تستوى القصيدة ضمنه ، لا من كل جمله على حدة وكل عبارة على حدة او من التقاء الكلمات الحلوة الساطعة ببعضها الآخر فقط (01) .

ولئن كانت قصيدة النثر كما يقول (( أدونيس )) (11) :

(( شاملة متمركزة كثيفة ذات إطار . هى عالم مغلق وكتلة مشبعة بلا نهاية .. من الايماءات قادرة أن تهز كيانها من أعماقه )) فان شعر (( فى غير العمودى والحر )) - حسب الاستاذ البشير بن سلامه (12) - يتميز عن حركة مجلة (( شعر )) وعن الشعر المنثور بما يلى :

♦  أولا : ايمان أصحابه بأن اللغة العربية قادرة على أن تحتمل أكثر من لغة واحدة شعرية أى أن عبقرية العربية لا تكمن فى أوزانها بل فى نحوها فقط .

♦ ثانيا : ايمان رواده بأن (( موسيقى الافكار )) لا تكفى وأن الشعر يقتضى نظاما وهذا النظام كامن فيما يشحن به الشاعر الجملة الشعرية من موسيقى وألحان نابعة من أرضية موسيقية هيكلية موجودة فى لغته اليومية وفى كنه شعبه . وهذا النظام من واجبه أن يظهر واضحا فى الجملة الشعرية .

♦ ثالثا : الانطلاق بالشعر العربى من متاهات اللفظ والقوالب الى صلب القضايا الخالدة )) .

أما (( القصيدة المضادة )) التى ساهمت بها شخصيا فى صلب حركة الطليعة الادبية التونسية وانطلاقا من مجلة (( الفكر )) فهى بدورها تختلف عن النثر الفني وعن قصيدة النثر وكذلك عن الشعر المنثور وعن شعر (( فى غير العمودى والحر )) بكونها تفجيرا لقوالب الشعر ولقوالب النثر معا ، ومحاولة لتجاوز مفهوم الادب من أجل تأسيس مفهوم (( الكتابة )) ( بالمعنى البارتى للكلمة ) ..

مع كل هذه التجارب الجريئة فى سنوات الستين وفى بداية السبعينات لعبت (( الفكر )) دورا أساسيا فى احتضان التطلع الجديد بل إن رئيس تحرير مجلة (( الفكر )) بدافع ايمانه وايمان الاستاذ محمد مزالى بضرورة تجذير الادب التونسي فى بيئته ، قد تحمس لتجربة (( فى غير العمودى والحر )) ونظر لها مع أصحابها .. ولكن بعض هؤلاء اختلفوا مع مجلة (( الفكر )) بانزلاقهم فى الاستعاضة عن اللغة الفصحى باللهجة التونسية العامية وبالترادف مع

بعض الدعوات المشبوهة على نحو دعوة (( سعيد عقل )) فى لبنان ، الامر الذى أصبح متناقضا مع ايمان (( الفكر )) باللغة القومية ومع ايمان رئيس تحريرها بــــ (( التطعيم الايقاعى للفصحى )) دون التخلى عنها أو استبدالها بلهجة من لهجاتها ..

ومما لا شك فيه هو أن تجربة الشعر الرافض للوزن داخل (( الفكر )) وخارجها ليست فقط شعر (( فى غير العمودى والحر )) الذى أشرنا الى تنكره  لمنطلقاته ، وانما هو تيار كامل من التجريب والاضافة .. خاض معركة اثبات الوجود وكسب المعركة وممهد الطريق للمختار اللغمانى ولسوف عبيد ولمحمد أحمد القاسمى ولعزوز الجمنى وللعشرات من ملكات الابداع التى أصبح أحباء الشعر فى الثمانينات يتتبعون انتاجهم بكل اهتمام .

وهكذا يتضح أن مجلة الاستاذ محمد مزالى لم تراهن فقط على تأسيس الادب التونسى بكل تياراته ومدارسه وبكل آرائه ورؤاه وانما راهنت أيضا - وبكثير من الحماس - على الكتابة المستقبلية باحتضانها للادب التجريبى ولانتاج الطليعة الادبية التونسية صاحبة الشعر المعترض على عروض النظم .. الذى حاولنا رسم بعض ملامحه بشئ من الايجاز والسرعة ..

اشترك في نشرتنا البريدية