" ولا ارى للشعر قواعد ، بل هو فوق القواعد ، حر لا يتقيد بالسلاسل والاغلال . وهو اشبه بالاحياء فى اتباعه سنة النشوء والارتقاء ، يتجدد واحر به ان يتجدد بحسب الزمان " الزهاوى
يتفق النقاد جميعا اليوم على ان الشعر شىء والنظم شىء آخر . فرب نظم محكم السبك رائق اللفظ صحيح المعنى ولكن لا اثر للشعر فيه ، واذن فالشعر عنصر مستقل عن الوزن (1) غير ملازم له حتما .
هذه حقيقة واضحة اصبحت من البديهيات . ولكن الغريب ان نرى الكثير من نقادنا يسلمون بهذا ويعتقدونه اعتقادا - وقد يذهبون بعد من ذلك فيقولون مثلا " هذا نثر كأنه الشعر و " فى هذا المقال مسحة من الشعر " - ثم هم يرون الشعر شيئا لا يستقيم بغير الوزن - في المعنى الاصطلاحى الضيق للكلمة .
فالشعر كل الشعر عندهم ما انسجم واتفق مع بحور الخليل بن احمد رضى الله عنه وكانما الوزن فى نظرهم بمثابة البدن الذى لا بد للروح من ان تحل فيه - هو دون غيره - كى يتجلى ويتحقق وجودها .
وهكذا يقعون فى تناقض صارخ . يقرأون الشعر الاوروبى الحديث فيستجيدونه ويطربون له ايما طرب ويرونه الشعر حق الشعر ثم اذا التفتوا الى الادب العربي انعكست المفاهيم وتحجرت الاذواق وباتوا اشد الناس محافظة على القديم وهذه مغالاة في تعظيم شأن " العروض " ونظرة الى الشعر خاطئة جائرة . . . اشبه بالعبء نجره وراءنا ونرزح تحته منذ قرون ولم يعد لحمله من داع ولا مبرر اصلا .
فبأى حق وبأى منطق نقصر " الحقيقة الشعرية " على انماط واوضاع محددة من الكلام ابتدعها العرب منذ ما ينيف على الخمسة عشر قرنا ونحن لا نحيا حياتهم ولا نستوى واياهم ذوقا وثقافة وتفكيرا ! ؟ هل لنا ان ننكر التغير الجذرى العميق الذى حصل فى عقولنا واذواقنا بل وفي نظرتنا الى الحياة وموقفنا من الوجود اثر احد عشر قرنا جد فيها من العلم والفلسفة والفنون ما يحار الانسان فى حصره وتحديده ، وتلاقت فيها الحضارات شرقيها وغربيها وتآلفت ، واتسعت فيها آفاق الفكر الانساني أيما اتساع ، حتى لقد اصبح الاوروبى يجد من الروعة امام معابد الاقصر مثل
ما يجده فى كاتدرائية شارتر ، ومن المتعة الفنية امام تماثيل الهند نظير ما يحسه عند تحف ميشال آنج !
وهل فى وسع الشعر - ان اريد له الحياة - ان ينعتق من سنة التطور ويتنكر لدنيا تبدلت اوضاع الحياة فيها كل هذا التبدل الذى نشهده ، ولا تزال تتغير من يوم الى يوم دأبها السرعة الحثيثة والتجدد المستمر ! ؟
أليست هذه الاوزان التى ابتدعها العرب فى جاهليتهم صورا لحركات نفوسهم وسكناتها ، نسخة من النغم الداخلى المتلجلج فى صدورهم ازاء مظاهر حياتهم البسيطة الساذجة - حياة الفطرة والبداوة عبر البيادى الموحشات الخاليات ؟ !
ام ندعى لها قيمة مطلقة ونخلع عليها صفة الخلود كما لو كانت شيئا منقطعا عن العصر والبيئة تتجاوزهما الى ابعد حدود التجاوز ! ؟ وهل تيار الفكر ونبض الشعور وفضاء الخيال كل ذلك بقى واحدا لا يختلف على الرغم من تغير النفوس وتبدل الازمان ؟ !
فاذا سلمنا بما بين " حضارة الجمل " و " حضارة الآلة " من فرق شاسع وبما بيننا وبين العرب القدامى من تفاوت عظيم ، فلم لا نتحسس حقيقة ذواتنا فنخلص لها الاخلاص كله ، ولم نجبر افكارنا واحاسيسنا واخيلتنا على الحلول فى قوالب الغير وموازينهم ؟ ! قوالب وموازين جاهزة لا تنبع من صميم تجربتنا الشعرية ولا هى وليدة انفعالنا الفنى !
فلا الفاظنا الفاظهم ولا معانيهم معانينا ولا ايقاع نفوسهم كايقاعنا ! أليست المعانى - فى الحقيقة - هى المثال والنموذج ، هى " القوالب " ننحت اساليبنا على اقدارها ونختار الفاظنا على هدى منها !
لقد اصبحنا اليوم بفضل تقدم علم النفس الحديث وما جد من مذاهب فلسفية عمقت معنى الوجود احرص واقدر على الغوص على اعماق نفوسنا وتصيد ما يضطرب فى زواياها المظلمة من شوارد الفكر واوابد الخيال والشعور ان ما نطلبه من الشعر هو ان يشعرنا بحركة الحياة وخفقها فى انفسنا ، وفي ارجاء العالم من حوالينا .
فهل من شعر كلاسيكى يستطيع ان يصور بل ان ينطق بموسيقى النفس ويصف بل يشف عن شتى اهتزازاتها وتموجاتها وانطلاقاتها ؟ اى شعر تقليدى يصور لنا بايقاعه وجرسه ونغمه وتقطعه وترجيعه . ولهاثه وصمته اخفى حركات النفس وادقها وخاصة تلك الحالات التى تجفو عن الفكر وتند عن الروية ؟
اى شعر قديم يتأتى له ان يعارض الموسيقى ابلغها واخصبها دلالة واسمحها ايحاء حتى كان الكلام يزدوج بحركة النفس ويلتحم بها فى حال جزرها ومدها . . . فى سجوها وعربدتها ، فى لينها وشراستها ؟ شئ من هذا قبس منه نجده فى هذه القطعة : " الراقصة الاسبانية تقول بأصابعها كل شئ . .
والرقص الاسبانى هو الرقص الوحيد الذى يستحيل فيه الاصبع الى فم . . النداء الساخن . . والمواعيد العطشى . . والرضى . . والغضب . . والتمنى . . والحنين . . كل هذا يقال . . بشهقة اصبع . . بنقرة اصبع . . أنا فى محلى وسمفونية الاصابع . . هناك . . تحصدني . . تشيلني . . تحطنى . . على تنورة اندلسية . . سرقت زهر الاندلس كله . . ولم تسال . . وسرقت نهار عيونى ولم تسأل . . . . . " فهذا شعر وان جاء بدون " وزن " ولا قافية . شعر لان اصالته فيه وعاطفته فيه وموسيقاه فيه . شعر لانه يصدر عن فم شاعر " (2)
او كهذه الفقرة تصف لنا فتاة ترقص " وجعلت الفتاة تدور او تقف . . وتقوم او تهبط . . فتقع فى هيئة الساجد ، فاذا هى قائمة او ترتفع فاذا هى ساجدة . " (3) هذه الجملة من النثر البسيط الممتنع تتحدى الشعر الكلاسيكى ان يأتى بمثلها وتعجزه اعجازا .
اترى هذا الشعر يستطيع ان يصف الحركة الحية فى تقطعها واطرادها بمثل هذه الدقة ! قيام الحركة وتلاشيها ثم انبعاثها على الاثر وجيشانها ثم موتها فجأة حتى كان لم تكن ! اتراه يستطيع ان يشعرنا بايقاع الرقص خطه وصورته حتى كان العين تراه وتلمسه وكأن الجسم يحسه ويهتز له ويجاوبه !
فاذا لم يفعل - ولن يفعل - فأنى لنا ان نبرز ما فى هذا الرقص وما فى كل رقص بديع من تحد ومغالبة وقهر للحركة ذاتها ولنواميس الطبيعة من ثقل وكثافة ورصانة وجمود ! روعة المأساة فى الرقص . وتجاوز هذه المأساة . هنا لا تجدى الصورة والتشبيه ولا المجاز والاستعارة . . . بل ان يترنم اللفظ ويرقص على وقع الحياة وبوحى منها ويتحد بها اتحادا حتى لا نشاز ولا نبو ولا انفصام .
فمثل هذا فليطلب شعراؤنا فى قصائدهم والا فلا . فان تأتى لهم ذلك - ولن يتأتى - فى الاوزان القديمة فحبذا والا فليخلقوا له وزنه المناسب وموسيقاه المنشودة .
اذا كانت النفس الانسانية لا تبقى ولا تكاد تستقر على حال واحدة اكثر من لحظات معدودة وانما هى انسياب مطرد وتردد بين الدعة والجموح افليس من السخف ان نلبس القصيدة وزنا واحدا وايقاعا واحدا لا يكاد يختلف في مدى عشرين او خمسين بيتا ، كما لو طلبت من عاصفة هوجاء ان تذل وتلين وتصطف امواجها آمنة مطمئنة فترقص باشارة من عصا قائد جوقة موسيقية أليس هذا تجميدا لسيل الحياة وخنقا لانفاسها ! ؟ أليس هذا تنكرا وخيانة لحقيقة النفس وادبارا عن ينابيع الفن الثرة وموارد الجمال الحق !
ثم هل من شعر قديم يستطيع ان يصف الآلة . . تمر كتلة هائلة عاصفة من فولاذ تحديا وطعنا وسبة للانسان ؟ او فخرا وتزكية وتمجيدا للانسان ! اى قصيد موحد النغم والقافية يتسنى له ان يصور لنا المناظر المتلاحقة المتدافعة التى نلمحها من نافذة قطار يخب خببا !
وهل يمكن الشعر الكلاسيكى ان يطمح الى وصف حركات الطائرات فى السماء وما يعرض للمسافر بالطائرة من غريب المشاهدات والاحساسات , وكيف انه يقذف به من بشرية الى اخرى ومن مدنية الى نقيضها فى ساعات معدودات حتى يدهش العقل ويضل ضلالا !! ام ان عالم الآلات والمصانع والجهد والكدح حمى مصون ، منطقة حرام لا يجوزها الشعر !
أليس كل ما لمحنا اليه من معان وصور اذا اضفنا اليه رغبتنا الملحة فى افادة العامة ومخاطبة الشعب بما يفهم ، أليس كل ذلك يتطلب منا لغة كالسهم النافذ تنغرز دون لحاء الوجود ، اداة مرنة تقوى على معانقة الواقع المتمنع النزق الشرود في شتى احواله ومتناقض اوضاعه ، لغة تهتك الحجب وتختصر المسافة بين النفس واللفظ ، لغة تكون بريئة من جرثومة الحذلقة والارستقراطية ومن كل تمويه وزخرف كاذب ورياء .
" عند ما يولد فى الشرق القمر . .
فالسطوح البيض تغفو
تحت أطنان الزهر . .
يترك الناس الحوانيت ويمضون زمر
لملاقاة القمر . .
يحملون الخبز . . والحاكى . . الى رأس الجبال
ومعدات الخدر . .
ويبيعون . . ويشرون . . خيال
وصور . .
ويموتون . . اذا عاش القمر . . "
او كقوله :
" اكتب للصغار . .
للعرب الصغار حيث يوجدون
" لهم على اختلاف اللون . . والاعمار . . والعيون .
أكتب للذين سوف يولدون . .
لهم أنا أكتب . . للصغار . .
لأعين يركض فى احداقها النهار . .
أكتب باختصار
قصة ارهابية مجندة . .
يدعونها راشيل . . . " ( 4
ان ما ننشده اليوم ونبتغيه من شعر كلام يجمع بين روعة الموسيقى وقوتها ورقتها وبين دقة النثر وصدقه ومرونته . . .
لا النثر فى برودته ورتابته ولا ذلك الشعر الذى يلخص التجربة الحية , وكأنه ظل باهت لها ، ينظم الشعور تنظيما مصطنعا فيخصى الحياة ويفقدها عرامتها وحريتها وتمردها وغموضها وما فى هذا الغموض من جاذبية واغراء . .
غرابة الشعر . . امتيازه واتزانه وما فى النثر من أنس وبساطة وطلاقة ، " المستحيل يرغم على الامكان " ان " يحكى " الشعر الواقع محاكاة الفن ويمثله تمثيلا بل ان يشف عنه شفوفا .
تصغى الى الشعر القديم فتراه ، مهما سما فى المعنى ، كالانشودة الموحدة النغمة فى مثل تفاهة وفقر " الطقطوقة " وتلتفت الى الشعر الجديد الجيد - وهو نادر وليس ذاك بضائره - فاذا انت فى لذة من النغم متجددة لايفسد عليك " التوقع " متعتك ، وانما انت فى عالم الصدفة والاتفاق والروعة والاتساق .
تقول الآنسة نازك الملائكة من قصيدة " لنكن اصدقاء "
لنكن اصدقاء
الأكف التى عرفت كيف تجبى الدماء
وتحز رقاب الخليين والابرياء
ستحس اختلاج الشعور
كلما لامست اصبعا او يدا
والعيون التى طالما حدقت ، فى غرور
ترمق الموكب الاسودا ،
موكب الرازحين العبيد . .
فى بعيد الديار
ووراء البحار ،
فى الصحارى ، وفى القطب ، فى المدن الآمنة
فى القرى الساكنة ،
اصدقاء بشر
اصدقاء ينادون اين المفر ؟
ويصيحون ، فى نبرة ذابلة
ويموتون فى وحدة قاتلة ،
اصدقاء جياع ، حفاة ، عراة
لفظتهم شفاه الحياة ,
انهم اشقياء
فلنكن اصدقاء !
وتقول الآنسة نازك فى " اغنية حب للكلمات "
" فيم نخشى الكلمات
وهى أحيانا أكف من ورود
باردات العطر مرت عذبة فوق خدود
وهى احيانا كؤوس من رحيق منعش
رشفتها ذات صيف شفة فى عطش . . . . . . "
ولنصغ الى الشاعر " السياب " فى حفار القبور ( يقول على لسانه ) " هو ذا المساء يدنو ، واشباح النجوم تكاد تبدو ، والطريق خال - فلا نعش يلوح على مداه ولا عويل الا النعيب وتنهد الريح الطويل ! وعلام تنعب هذه الغربان ، والكون الرحيب باق يدور . . . يعج بالاحياء : مرضى ، جائعين
بيض الشعور كأعظم الاموات - لكن خالدين
لا يهلكون ؟ علام تنعب ؟ ان عزرائيل مات !
وغدا اموت غدا اموت ! " وهز حفار القبور
يمناه فى وجه السماء ، وصاح : " رب ! اما تثور
فتبيد نسل العار ، تحرق بالرجوع المهلكات ,
احفاد عاد ، باعة الدم والخطايا والدموع ؟
يا رب ما دام الفناء
هو غاية الاحياء ، فامر يهلكوا هذا المساء !
سأموت من ظما وجوع . . "
نحن احوج ما نكون اليوم الى تجديد نظرتنا الى الشعر وتوسيع دائرة مفهومنا له فلا نتعلق الا بالجوهر دون العرض ، لا نتطلب من الشعر الا ان يكون كلاما ممتازا جميل المعنى واسع آفاق الخيال مترنم اللفظ منسجم الايقاع ولا علينا الا ينقاد لوزن معين ويخضع لقاعدة مضبوطة .
قد يقول بعضهم : " انها الفوضى ندفع الشعر اليها دفعا ! كيف نميز الجيد من الردىء اذا لم يكن هناك مقياس دقيق واضح ملموس ! " فأقول : لم يكن امر الشعر القديم بأيسر ولا أبسط من امر الجديد ، ولم تكن صحة العروض ولا جمال اللفظ مقياسا كافيا لجودة الشعر ، وقد احتيج وسيحتاج دائما الى الذوق (5) الفنى السليم المرهف الممتاز فهو الحكم دون منازع فهذا الآمدى (6) يقول : " حكى اسحاق الموصلي قال : قال لى المعتصم اخبرني عن معرفة النغم وبينها لى ، فقلت : ان من الاشياء اشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤديها الصفة . قال : وسألنى محمد الامين عن شعرين متقاربين وقال : اختر احدهما . فأخترت . فقال : من اين فضلت هذا على هذا وهما متقاربان ؟ فقلت : لو تفاوتا لامكننى التبيين ولكنهما تقاربا ففاضلت بينهما بشئ تشهد به الطبيعة ولا يعبر عنه اللسان . "
حقا ! ان امر هؤلاء النقاد لعجيب . يتشددون فى مفهوم الشعر وتعريفه اكثر من ارباب هذا الشعر . ومن شان المتعصب الزميت ان يكون ( كما يقول الافرنج ) : " ملوكيا اكثر من الملك " . والا فكيف نؤول موقف العرب من القرآن واهتزازهم لروعته رغم سوء نيتهم وعداوتهم للدين الجديد .
أليس انهم قد احسوا احساسا قويا جريئا بما فى القرآن من " شاعرية " ممتازة ! والا لماذا لم ينعتوا محمدا بالخطيب الى جانب قولهم انه شاعر وساحر وكاهن ومجنون ! أليس لان فى القرآن من قوة البيان والموسيقى ما يضاهي ويفوق اروع فن عندهم وهو الشعر . نعم ان فى نسبة محمد للشعر غرضا دعائيا القصد منه الازراء بالقرآن واعتباره كلاما بشريا ، لا وحيا ولا تنزيلا ،
ولكنهم - بالرغم منهم ومن حيث لا يدرون - قد كشفوا عن مدى اعجابهم بالقرآن اذ شبهوه باجمل ما اوتوا من فن ، لانه لو لم يكن هناك اى شبه بين القرآن والشعر لما عمدوا الى نعت النبى بالشاعر . وكيف نفهم قوله تعالى : وما علمناه الشعر وما ينبغي له ؟ " أليس النفى هنا متعلقا بذاك النمط المعين من الكلام الموزون الذى اعتادت العرب ان تسميه شعرا ، دون ان يشمل روح الشعر وخصائصه الجوهرية ؟ أليس فى سورة يوسف جو شعري شيق طافح بالحب يكتنف النبى الفتى وامرأة العزيز ، بل اجواء شعرية تتمثل فيها اجمل معانى الابوة الحانية والاخوة الصادقة العطوف !
وفى سورة مريم ! ألسنا نجد " قصيدا " من ارفع الشعر ، قصيد الامومة آلاسية المعذبة تشارك بلحمها ودمها فى بناء الكون ورقى الانسان ! وادعية الانبياء ! ومآسى الانبياء ! فهذا شعر الحياة لا يدخل تحت حصر ولا يرضى بقيد وانما يسرى ويشيع فى ارجاء الكون حرية صرفة ومحض اختيار . انه يحق لنا ان نتساءل : لماذا لم ننظر ، حتى اليوم ، الى القرآن على انه خطوة هائلة فى طريق التحرر الفنى ، تحرر العبارة من رق الوزن الموحد والقافية الملتزمة المكرورة ! لماذا لم نعترف بهذا حق الاعتراف ولم نعمل على ابراز هذه الخصلة حق قدرها .
ومن المؤسف حقا اننا لم نجد ان القرآن قد اثر فى اساليب الكتابة الفنية الرفيعة التأثير العميق المرجو ، اعنى الاقتداء فى ميدان التعبير الشعرى بأسلوب القرآن وحرية القرآن ، وتحرير العبارة من القيود المجحفة بالمعنى مع مراعاة حق اللفظ وما يقتضيه من جمال ونغم وايقاع .
اننا لا نكاد نجد فى نثرنا العربى ما يعتد به فى هذا الباب وما يمكن ان ينافس الشعر التقليدى او يدانيه اللهم بعض الشذور والفصول القليلة لنفر من البلغاء والكتاب . منهم على بن ابى طالب وعبدالله بن المقفع ( فقرات من باب برزويه فى كليلة ودمنة ) وابو حيان التوحيدى ( الاشارات الالهية ) وابو الفرج الاصبهانى ( الاغانى ) ومحمود المسعدى ( مولد النسيان - السد )
على ان من القدامى - وهذا ينبغى ان نسجله بكل اعجاب - من قد تفطنوا الى اتساع فضاء الشعر وتنوع انماطه وان الشعر ليس مقصورا على النظم ( كما ضبطه الخليل ) . فلقد سئل ابو العتاهية (7) " هل تعرف العروض ؟ " فقال : انا اكبر من العروض ويردف ابو الفرج قائلا : " وله اوزان لا تدخل فى العروض " . وقال ابو العتاهية : اكثر الناس يتكلمون بالشعر وهم لا يعلمون ، ولو احسنوا تأليفه كانوا شعراء كلهم " (8)
وهذا ابو حيان التوحيدى يقول فى " الامتاع والمؤانسة " : وينتثر النظر كما ينتظم النثر " وقال فى الكتاب نفسه : " قال ابن هندو الكاتب : إذا نظر فى النظم والنثر على استيعاب احوالهما وشرائطهما ، والاطلاع على هواديهما وتواليهما كان ان المنظوم فيه نثر من وجه ، والمنثور فيه نظم من وجه ، ولولا انهما يستهمان هذا النعت لما ائتلفا ولا اختلفا " وجاء ايضا في نفس الكتاب : " قال ابو سليمان : المعانى المعقولة بسيطة فى بحبوحة النفس ، لا يحوم عليها شئ قبل الفكر ، فاذا لقيها الفكر بالذهن الوثيق والفهم الدقيق القى ذلك الى العبارة ، والعبارة حينئذ تتركب بين وزن هو النظم للشعر ، وبين وزن هو سياقة الحديث ، وكل ذلك راجع الى نسبة صحيحة او فاسدة ، وصورة حسناء او قبيحة ، وتأليف مقبول او ممجوج . . . . "
هذا ولا ننسى ان ننوه بجهود شعراء الاندلس الذين خالفوا اوزان الخليل فى موشحاتهم فنظموا فى اوزان جديدة وتفننوا فى القوافى ونوعوها فكانوا بحق روادا وقدوة للحركة التحريرية فى الشعر .
ولا ننسى ايضا ان ابا العلاء المعرى قد مارس شيئا من هذا النظم المتحرر فى الفصول والغايات . . مقتفيا فى ذلك او معارضا اسلوب القرآن . واذن فلماذا لا تتسع دائرة اوزان الشعر وتنفسح وتتفرع وتشتبك وتتداخل متزاوجة ومتآفة متناسقة الى ما لا يدخل تحت حصر ولا يخضع لاى قيد الا رهافة الحس وسلامة الذوق !
لماذا يجبر كل الشعراء على الترنم فى قوالب واحدة مقننة ! لماذا لا يكون لكل شاعر اسلوبه فى النغم وموسيقاه الخاصة به !
لسنا نرمى الى اطراح الشعر الكلاسيكى والقول بعدم صلاحيته بتاتا . انما نرى ان لكل وظيفة ففي النفس العصرية حاجة بل حاجات لا يرضيها الا هذا الصنف المتحرر المنطلق المنسرح من الشعر ، وانها لتتوق اليه وتهفو كلما تحدثت في بساطة وغير كلفة او جمحت واندفعت ثائرة معربدة فكأنها حينئذ نافورة ، شلال ، صوب هاطل من الخواطر والاحاسيس .
اما الشعر الكلاسيكى فهو يناسب الحالات المطردة على وتيرة واحدة الخالية من الالتواء والتعقيد الاقرب الى القرار والانتظام
لسنا نرمى الى نبذ الشعر التقليدى اصلا والاستعاضة عنه بالجديد وانما نفسح لهما المجال جميعا ليسترسلا فى " تعايش سلمى مثمر نزيه " نحن نعلم ان فى الشعر الجديد - حره ومرسله - غثا كثيرا بل ان اغلبه فج ضعيف . وهل من عجب فى ذلك . وهل برئ الشعر القديم من هذا العيب ! الفن صفوة تكتنفها رغوة كثيرة ! والنبوغ لا يوجد على قارعة الطريق . نحن نعلم كل هذا ولكننا نعلم ايضا ان الثورة واجبة وان السبيل واضح والتحرر ممكن .
فيا ليت نقادنا وشعراؤنا يتخذون لهم شعارا قول احد شيوخ الادب الفتيان اعنى طه حسين . قال :
" لا ارى بهذا التجديد فى اوزان الشعر وقوافيه بأسا ، ولا على الشباب المجددين ان ينحرفوا عن عمود الشعر فليس عمود الشعر وحيا قد نزل من السماء . . وقديما خالف ابو تمام عن عمود الشعر وضاق به المحافظون اشد الضيق . والشعر تعبير عن العاطفة وما يثور فى النفوس من دقائق الشعور وما يؤثر فيها من صور الجمال وحقائق الحياة على اختلافها . وهو من اجل ذلك يتأثر بالعصر وبالبيئة وظروف الحياة التى تختلف على مر الزمان . ولست ارفض الشعر لانه انحرف عن العمود القديم او خالف عن الاوزان التى احصاها الخليل . وانما ارفضه حين يقصر فى امرين اولهما الصدق والقوة وجمال الصور وطرافتها . وثانيهما ان يكون عربيا لا يدركه فساد اللغة ولا الاسفاف في اللفظ . وقديما قال ارسطو : " يجب قبل كل شىء ان نتكلم اليونانية " فلنقل نحن يجب قبل كل شىء ان نتكلم العربية (9)

