الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الشعر على الشعر في (( أغاني الحياة ))، لأبي القاسم الشابي

Share

11 - مفهوم الشعر :

إن الغاية من هذا الفصل لا تتمثل فى ابراز مفهوم الشابى للشعر عموما ، بل نهدف منه الى استخلاص صورة الشعر كما عبر عنه الشابى صراحة فى نصوصه الشعرية عن الشعر فى ديوان (( اغاني الحياة )) .

لذلك ارتاينا ان نورد هذا المفهوم من خلال حقول دلالية ثنائية الاطراف محاولين استشفاف الامتدادات المفهومية لكل حقل دلال ومقتطنين فى هذه المرحلة على الديوان

أ) العاطفة - الفكر

ما هو مجال الشعر فيما يرى الشابى ؟ وما هى حدود ذلك المجال ؟

اننا نلاحظ ان الشاعر قد حدد رقعة الشعر بالقلب ، وس حتى موصولا بالعواطف بعلاقة اتحادية فحسب بل أصبح القلب منطويا على الشعر محتويا عليه ، بل ان الشعر أضحى جزءا لا يتجزأ من القلب هو الجزء الناطق :

انت يا شعر فلذة من فؤدى         تتغنى .. (9)

وهذا الانحياز الى العواطف هو الذى يفسر ثنائية العاطفة - الفكر . والتقابل بينهما كائن فى مستوى الذات - الموضوع . فذات الشاعر تتحقق فى

المشاعر فى حين تكون الافكار سجلا مختلفا لصيقا بمدلولات العقل والمنطق . وحين يتحدث الشاعر عن حياته فى الغاب يصل ما بين الشعر والافكار بصلة عطف تفيد التركيم والتعدد لا التطابق :

شعرى وافكارى وكل مشاعرى                  منشورة للنور والانسام (10)

لذلك يصبح الشعر مرادف الشعور . وفى هذا السياق يستعمل الشابى صفة (( شعرية )) بمعنى (( حساسة )) أو (( عاطفية )) ويجعل بذلك القلب ضديدا للعقل ويبرز التقابل بين الشعر والفكر :

اه كم يسعد الجمال ويشقى        من قلوب شعرية وعقول (11)

ومن خلال هذا الفصل الجوهرى يصبح الشعراء جنسا فردا مختلفا عن بقية المخلوقات من حيث ان دنياهم قائمة ضمن دائرة المشاعر مكتفية بها :

واسير فى دنيا المشاعر حالما         غردا وتلك سعادة الشعراء (12)

يؤسس الشابى المقولة الجوهرية فى ديوانه وهى ان الشعر انما هو القناة التى تتحرك ضمنها المشاعر وعن طريقه يتاتى لفئة من الناس - هم الشعراء - التعبير عن تلك العواطف . وحين يريد الشاعر ان يفصل مضمون العواطف فانه يجمع المتناقضين : الفرح والحزن جاعلا الشعر صدى لحالات الشاعر النفسية المختلفة هادفا من خلال ذلك الى اكساب الشعر صبغة الشمول فى الميدان الذى حدده له وهو المشاعر :

انت يا شعر ان فرحت اغاريدى        وان غنت الكآبة عودى (13)

بل يمكن - بهذه الصورة - للشعر ان يكون صنو المشاعر . وبذلك يستطيع الشاعر ان يجد فيه تحقيقا لذاته لانه ينطوى على العواطف نفسها التى تحتمل فى باطن الشاعر :

فيك ما فى مشاعرى من وجوم            لا يغنى ومن سرور عهيد (14)

ومن هذا التوازى المهم ينتقل الشاعر الى ضرب من التطابق بين الشعر والعواطف . فكلاهما يلتقى فى قلب الشاعر . ولكن العواطف - مفرحة كانت او مشجية - لا تتحقق الا بالشعر وفى الشعر .

ههنا تمشى الامانى والهوى             والاسى فى موكب فخم النشيد (15)

فالشعر ليس تعبيرا يفرضه الشاعر من الخارج على مشاعره وليس رداء العواطف وانما هو شكل الوجود الذى تحتاجه العواطف لتتحقق . غير ان هذا التعميم فى مستوى العواطف يتخذ احيانا مدخلا للتخصيص اذ ان الشعر - وهو ملفوظ العواطف المختلفة - يتمحض للكآبة والاحزان :

يا شعر انت فم الشعور وصرخة الروح الكئيب

يا شعر انت صدى نحيب القلب والصب الغريب (16) .

هنا تنصهر العواطف والمشاعر فى النواح ويصير الشعر مرادفا للبكاء :

اشدو برنات النياحة والاسى            مشبوبة بعواطفى وشعورى

[..] انا طائر متفرد مترنم               لكن بصوت كآبتى وزفيرى (17)

وليس من الغريب ان يقع الربط هنا بين الكآبة والتفرد اذ ان ذات الشاعر يتحقق فى تفرده العاطفى وفى تعامله مع الكون بطريقة متميزة ، وليس هذا من شان العقل .

لذلك ينفتح المضيق الذى اقحم فيه الشعر على تعميم جديد يجعل الاحزان مجال الشعر الوحيد :

والاناشد ؟ انها شهقات            تتشظى من كل قلب عميد (18)

ولا يقتصر هذا التعريف الكئيب على الشعر بل يتجاوزه الى الكائنات الاخرى من حيوان ونبات . ومن هنا تتأسس النظرة القاتمة التى جلل الشابى بها الشعر :

فيك يا بلبل ما فى الشعر من وحى القلوب

[..] فيك ما فى الزهرة من شعر الدموع

فيك ما فى الدمعة المنحدرة

من معانى (19)

وهذا التعميم الافقى فى مستوى الكائنات يدعمه تعميم عمودى فى مستوى الزمن بحيث تصبح الكآبة المنبع الوحيد للغناء عبر العصور :

ليس فى النهر طائر يتغنى             فى ضفاف الحياة غير كئيب (20)

من هنا لا نفاجا بهذه الصورة المرعبة التى تصبح فيها الحياة انشودة فيتوحد الشعر والكون ولكن هذا الشعر الذى يتدفق من مسام الاشياء يحمل لون الحزن فيمسى الشعر صلاة لآلهة الشقاء :

صاح ان الحياة انشودة الحزن فرتل على الحياة نحيبى (21) .

هكذا يتضح لنا من خلال هذه الثنائية الاولى : العاطفة - الفكر  الشابى كرس العلاقة الاصولية بين الشعر والشعور لترسيخ مصطلح متميز فى ممارسة الشعر وفى تمثله هو العاطفة وبالتحديد عاطفة الحزن والكآبة . ويتظافر هذا المصطلح القدر الذاتى للشعر . اذ ان الاحساس السوداوى بالكون ينبع من ذات المبدع ويطمح الى دحض الشعر الوسيلة - سواء كان مدحا او تعليما -

ولست الانشودة الشهقة سوى تعبير عن امحاء الحواجز بين الحياة والكتابة وبالتالى فهى دعوة ضمنية للقارئ حتى يعتمد الاحساس عند تناوله للنص وذلك ليتم التكامل بين احساس المعاناة الابداعية واحساس التعامل النقدى . ويبرز هذا المصطلح باعتباره نقيضا لما حكم التراث الشعرى العربى منذ قرون من ابتذال للشعر جعل منه اداة للتكسب او التقرب او السخرية .

2)  الخيال - الواقع :

ان الانزلاق فى ثنايا العاطفة وهو - كما راينا - تغليب للذات على الموضوع برسم للشعر مجالا اوسع من العالم المادى فلا يجعل له حدودا غير حدود الخيال ولقد تناول الشابى قضية الخيال الشعرى فى دراسة على حدة (22) وتولى محمد فريد غازى بلورة مفهوم الخيال عند الشابى (23) .

فما هى صلة الشعر بالخيال والحلم والمطلق فى ديوان (( أغاني الحياة )) ؟ ان الشابى يختنق فى الوجود وهذا يذكرنا بقول ج . ج . روسو : (( إننى اختنق فى الكون )) (24) :

واود ان احيا بفكرة شاعر           فارى الوجود يضيق عن احلامى (25)

وهذا البيت بالغ الدلالة فى كونه يجعل فكرة الشاعر مرادفة للحلم . ومن هنا فانه يتجه الى الشعر لينقذه من الشقاء الذى يبعثه فى نفسه عالم الناس الشعر هنا يصبح مهربا ووسيلة للانعتاق من اسر الواقع والخروج الى مجال الوحى السماوى :

يا ربة الشعر غنينى فقد ضجرت            نفسى من الناس ابناء الشياطين

[..] يا ربة الشعر انى بائس تعس          عدمت ما ارتجى فى العالم الدون

وفى يديك مزامير يخالجها                    وحي السماء فهاتيها وغنينى (26)

وبهذه الصورة يسبغ الشابى على العملية الابداعية غشاء سديميا يبتر ما بينها وبين الواقع ويصلها بالمطلق . فيصير الشعر عالما فوقيا مقطوعة اواصره مع عالم الدهماء :

من جاش بالوحى المقدس قلبه       لم يحتفل بحجارة الفلتاء (27)

لان الشعر موسيقى قادمة من عالم الاحلام :

يا شعر [ .. ][ .. ] يا ناى احلامى الحبيبة (28)

هذا الملفوظ فى اطار محدد يتحول صدى للوجود الكلى يستلهمه الشاعر من الفضاء :

فسرت الى حيث تاوى اغانى الربيع وتذوي امانى الخريف

وحيث الفضا شاعر حالم يناجى السهول بوحى طريف (29) .

وينسج فيه على منوال الملائكة :

يا شعر يا وحى الوجود الحى يا لغة الملائك (30)

ان الشعر والفن يولدان معا فى فضاء الخيال حيث تتحقق نشوة الشاعر الروحية :

مثل رؤيا تلوح للشاعر الفنان فى نشوة الخيال الجليل (31) .

بهذه الطريقة تنفتح ابواب الخيال امام الشعر وينقلب الشاعر كائنا متميزا يستطيع النفاذ الى جوهر الكائنات والاحاطة بدلالاتها . ومن ثم فهو يملك القدرة على التعبير عنها فى شعره :

اصغى لموسيقى الحياة ووحيها         واذيب روح الكون فى انشائى (32)

فنحن اذن ازاء قطيعة مادية مع المجتمع يعوضها الشاعر بالتحام روحى مع المطلق تتفاعل فيه الاحلام والمثل وتتحقق السعادة . وهذا الانفصال عن عالم الاحياء يتخذ منطلقه من الشاعر نفسه لانه كائن (( غريب )) مختلف عن أهل زمانه :

فى فؤادى الغريب تخلق اكوان من السحر ذات حسن فريد

[..] وربيع كانه حلم الشاعر فى سكرة الشباب السعيد

[..]وحياة شعرية هى عندى صورة من حياة اهل الخلود (33)

ولكن للشعر مفعولا عكسيا فهو صدى لعالم الروح وفى الآن نفسه فهو يتحول إلى خمرة ويرتد الى الآلهة ليسكرها ويبعث الحياة فى الصخر :

واناشيد تسكر الملا الأعلى               وتشجى جوانح الجلمود (34)

ومن هنا يغدو الشعر طريقا للسمو وجسرا للطهارة . وبه يخيل الى الشاعر انه تخلص من انسيته عبر النشوة الروحية :

اراك فتخفق اعصاب قلبى               وتهتز مثل اهتزاز الوتر

[..]فتخطو اناشيد قلبى سكرى         تغرد تحت ظلال القمر

وتملؤنى نشوة لا تحد                      كانى اصبحت فوق البشر (35)

وبذلك يصوغ الشاعر نصيحته الى الاحياء ممن يريدون السلام والسلامة بان يقطعوا كل ما يربطهم بدنيا الناس لان الشعر هنا يصبح بديلا عن المحدود ومعانقة للمطلق الابدى :

وان اردت قضاء العيش فى دعة             شعرية لا يغشى صفوها ندم

فاترك الى الناس دنياهم وضجتهم           وما بنوا لنظام العيش او رسموا (36)

هذا هو المصطلح الآخر الذى تدور حوله نصوص الشابى الشعرية على الشعر : الخيال . فالشاعر يقدم على انه كائن مختلف وبالتالى فان مصادر الهامه

جديدة فريدة وبذلك ينسحب الشعر من دائرة الواقع الى دائرة الممكن بحيث يقع تجاوز الاغراض المتداولة الى حيث لا تقوم حدود . انه الانعتاق . هذا المصطلح بالغ الاهمية لانه ذو مظهرين يبدوان متناقضين :

- تكريس القطيعة بين ذات المبدع والناس .

- دعوة القراء ضمنيا الى اعتماد مصطلح الشاعر فى فهم الشعر .

ومن المؤكد ان الشابى قد وجد نفسه مدفوعا الى ذلك لانه كان يدعو الى تأسيس مفهوم جديد للشعر يغاير المفاهيم السائدة . وقد حاول ان يحقق ذلك بتوسيع دائرة الشعر وجعله متحركا فى اطار المطلق حيث تفجر طاقات الخيال البشرى وتتعانق المتناقضات عناقا ابديا فى قلب الشاعر :

ههنا الفجر الذي لا ينتهى            ههنا الليل الذي ليس يبيد (37)

ونلاحظ ان الشابى قد سلك - لترسيخ هذا المصطلح - الطريق نفسه الذى سلكه لتاسيس المصطلح السابق : العاطفة اذ انه عمد فى كلتا الحالتين الى تضييق مجال الشعر لاغلاقه دون المالوف والمتعارف ثم ارتقى الى التعميم حتى يحدث الانطباع بان الوجود كله مزرود فى نسيج القصيدة .

3) الطبيعة - المدينة :

تتشكل هوية ((الشعر على الشعر)) فى إطار جدلية طرفاها : الانغلاق والانفتاح .

فالشعر ينغلق دون المحدود وينفتح على المطلق الشعورى . وهو يتنكب عن السبل المطروقة ليتفسح فى رحاب الخيال . ومن الرفض تنبجس رسالة الشعر الجديدة وتتألف ملامح الشاعر النبئ .

ان الشعر بهذا المعنى يصبح نمطا للكينونة لا مجرد مقول على منوال الآخرين بل هو حتمية لم يخلق الشاعر الا لها . انه قدر لا مناص منه :

يا شعر انت ملاكى              وطارفى وتلادى

انا اليك مراد                    وانت نعم مرادى (38)

وهو لا يكتسب هذه المكانة بالنسبة الى الشاعر الا لانه يرافق مثله الاعلى ويسنده فى حالات تداعيه امام هجمات الحزن . ومن هنا يتحول مساحة تتحقق فيها ذات الشاعر :

يا ناى احلامى الحبيبة يا رفيق صبابتى

لولاك مت بلوعتى     وبشقوتى وكابتى

فيك انطوت نفسى وفيك نفخت كل مشاعرى (39)

ويتضخم مجال الشعر ليضم كل ما تحمله حياة الشاعر من دلالات ومعان انه يصبح فى الآن نفسه مثالا وترياقا ويضحى نسخة من كيان الشاعر ومتكأ يستعين به على مواصلة العيش فى زمن تهدر فيه الاحلام :

انت يا شعر صورة عن حياتى        انت يا شعر صورة من وجودى

[..] انت يا شعر كاس خمر  عجيب اتلهى به خلال اللحود

[..] انا لولاك لم اطق عنت النهر ولا فرقة الصباح السعيد (40) .

وتتدعم صورة الشعر الضرورة فى حالات انعدام التواصل بين الشاعر وبين شعبه . على انه من المهم هنا ان نلاحظ ان التواصل المفقود انما هو فى مستوى الفن والشعر . وليس هذا - فيما يبدو - الا تعبيرا عن طغيان الدواعى المادية وتلاشى القيم المعنوية التى يقوم الشعر حارسا لها . من هنا نجد ان القطيعة بين الباث والمتلقى انما تتجسد فى غياب المصطلح الواحد الذى يكون فى لحظة الابداع ويفك فى لحظة الاتصال :

اين يا شعب روحك الشاعر الفنان       اين الخيال والالهام ؟ (41)

وغياب التفاهم هذا هو الذى يعزز احساس الشاعر بالغربة عن الناس . فيشهد صميم الحياة على ماساته المزدوجة : الماساة الوجودية وماساة التفرد :

يا صميم الحياة كم انا فى الدنيا غريب اشقى بغربة نفسى

بين قوم لا يفهمون اناشيد فؤادى ولا معانى بؤسى (42)

هنا تلتئم عناصر الانغلاق وتتولد الضرورة الى ايجاد منفذ يتحقق عبره انفتاح الشعر . ولا يمكن لذلك ان يتم الا بتوفير مخاطب بديل يستطيع ان يسند الشاعر فى غربته الروحية . ان هذا الطرف سيكون حتما على درجة من الاتساع يمكن ان تعوض الشاعر عن الناس الذين انقطعت صلته بهم او كادت :

فاذا الكون قطعة من نشيد         علوى منغم موزون (43)

ان الكون هنا ينبغى ان يفهم باعتباره ضد المدينة والبديل عن المادة . ويؤكد ذلك احتضانه للشعر مما يمهد لالتحام الشاعر به خاصة بالنظر الى الطبيعة (( العلوية )) التى تسم النشيد . وهنا تتغير المعادلة . ان الصرخة الماسوية التى يطلقها الشاعر بسبب غربته الروحية تنطفئ لان العزلة تصبح شرطا لابد من توفره للالتحام بعناصر الطبيعة . بل تنقلب المحنة املا يسعى الشاعر لتحقيقه لبلوغ مرتبة السعادة :

ليت لى ان اعيش فى هذه الدنيا سعيدا بوحدتى وانفرادى

اصرف العمر فى الجبال وفى الغابات بين الصنوبر المياد

[..] واغنى مع البلابل فى الغاب واصغى لحديث الآزال والآباد

[..] عيشة للجمال والفن ابغيها بعيدا عن امتى وبلادى

وبعيدا عن المدينة والناس بعيدا عن لغو تلك النوادى (44) .

ان الغاب يصبح نقيض المدينة لانه دنيا الشعر الذى هو بدوره نقيض اللغو وبذلك تتشكل ملامح هذا المصطلح الجديد الذى يدعو الشاعر الى تبنيه وهو مواصلة لذلك البعد الروحانى الذى يهفو اليه . فالغاب - وهو فى الاصل مادى - يجسد قطيعة الشاعر مع الناس لانه بدء لمفهوم جديد للشعر :

هكذا قال ثم سار الى الغاب          ليحيا حياة شعر وقدس (45)

ان الطبيعة تغنى فى كل مظاهرها بما فى ذلك عناصر الثورة والغضب فيها :

رتل الرعد نشيدا           رددته الكائنات (46)

من هنا نجد ان هذا المصطلح يجمع فى طياته المصطلحين السابقين : العاطفة التى تكرس السمة الذاتية والخيال الذى يحطم الحواجز الصدئة التى تقوم فى وجه حرية الابداع . وبذلك يتسع حقل الغاب الدلالى من مجرد مساحة مكانية الى (( دنيا )) متكاملة فى حيز المطلق :

فى الغاب دنيا للخيال وللرؤى         والشعر والتفكير والاحلام (47)

هذا المفهوم الذاتى للطبيعة هو الذى يخول للشابى استعمال لفظة ((الغاب)) متبوعة بضمير النسبة الى المتكلم : (( غابى )) بحيث يكون امتدادا لذاته ، فيه تنكسر القيود وتنمو الحرية . وهى - بالنسبة الى الشاعر - حرية مزدوجة : فهو يتحرر من دواعى المادة اذ يصبح مجرد فكر ، ويتحرر من دواعى المنطق فيرخي العنان لأخيلته وأحلامه :

قد سرت فى غابى كفكر هائم             فى نشوة الاحلام والالهام

شعرى وافكارى وكل مشاعرى            منشورة للنور والانسام (48)

لذلك يصبح الغاب معبدا مقدسا لا ظل فيه للتعاسة . ويكون الشعر فى علاقة تقابلية مع الاحزان اذ هو نفى لها . وفى علاقة اتحادية مع الاحلام بمدلولها الروحانى لانها رمز للانعتاق الصرف :

المعبد الحى المقدس ههنا               يا كاهن الاحزان والألام

فاخلع مسوح الحزن تحت ظلاله       والبس رداء الشعر والاحلام (49)

ان الطبيعة - هذا المصطلح الثالث الذي يتاسس حوله مفهوم الشعر عند الشابى - تتخذ اعمق دلالاتها حين تتحول معبدا ويصبح الشعر صلاة وطهارة من كل الارجاس التى تتلبس الانسان فى لوثة الاجتماع . وبها تكتمل عناصر

هذا الثالوث المقدس . اننا نلاحظ ان هذا المصطلح الجديد يضع الشعر امام خيار واضح السمات : ان يظل سجين الجدران منحصرا فى دائرة اللغو او ان ينسرح فى نسخ الاشجار ويهيم فى دفق النور وهباءات النسيم .

وهذا المصطلح الذى يهب القارئ مفتاحا جديدا يلج به عالم الشاعر يقوم مقام المرجل الذى ينصهر فيه المصطلحان السابقان : العاطفة والخيال. حيث انه يصل بالذاتية الى اوجها ويطلق الخيال من قمقمه الذى فرضه عليه دعاة التحجر . وقد راينا ان الشابى لم يكتف فى قصائده بالاستناد الى هذه المصطلحات ضمنيا بل عمد الى التصريح بها بشكل واضح . ولا شك ان ذلك انما كان مندرجا فى اطار معركة القديم والحديث . لقد كانت هذه المصطلحات سلاحه الوحيد لتقويض مفهوم للشعر عتيق متهرىء ممارسة تنتمى الى عصور الانحطاط الحضارى ، ولتعزيز مفهوم جديد سنحاول فى المرحلة الثالثة من هذا العمل ان نتحسس مصادره فى الحركات الادبية التى عاصرها الشابى او التى كانت لقيت فى عصره دعاة متحمسين حاولوا ان يرسخوا قدمها فى كتاباتهم الشعرية .

( يتبع )

محمد القاضى

اشترك في نشرتنا البريدية