الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الشعر على الشعر في ((أغاني الحياة ))

Share

المقدمة اننا ننطلق فى هذا العمل من فرضية ان الشعر - والاتصال عموما ايا كانت الطريقة المتوخاة لآداء الرسالة - ممارسة قائمة على جملة من المصطلحات  (codes)         تواضعت عليها فئة من الناس يقل عددها او يكثر باختلاف  الازمنة والامكنة . ولا يمكن ان يتم الابلاغ الا متى كان القارئ او المتلقي قادرا على فك الرموز التى يطرحها الكاتب او الباث . وحين لا يرتكز الترميز على منظومة متداولة تصير عملية الابلاغ مهددة فى جوهرها .

ولاشك ان دور المصطلح مرتبط بطبيعة الخطاب اذ ان اللغة تخضع لتشكيل متميز فى الشعر ولذلك فان للمصطلح قيمة أكبر فى تمثل الخطاب الشعرى . ومن ذلك تولدت ضرورة اخراج تلك المصطلحات من كمونها حين يكون ابلاغ المضمون غير متاكد .

والتراث الشعرى العربى لا يخلو من ابيات عن الشعر الا انه لا يرقى الى مستوى تخصيص قصائد كاملة وانما هي اشارات مبثوثة . وما يهمنا فى ظاهرة الشعر على الشعر فى ادبنا القديم هو انها تحيل - فى الغالب - على سجل عام يقوم على تناغم بين قيم الفرد البث وقيم المجموعة المتلقية فلا تناقض ولا اشكال .

ومنذ العصر الجاهلى اشار عنترة الى رسوخ التقاليد الشعرية العربية التى جعلت الشعر يتحرك في مجال ضيق : (( هل غادر الشعراء من متردم ؟ )) وبعدما يناهز اربعة قرون كان المتنبى يعبر - فى معرض الفخر - عن هيمنة شعره الذى قام على جملة من المصطلحات التى تاسست وصارت تستطيع اختراق الزمن : 796                           60

وما الدهر الا من رواة قصائدى              اذا قلت شعرا اصبح الدهر منشدا

وتجاوز كل الاستثناءات لتعم كل الناس :

انا الذى نظر الاعمى الى ادبى       واسمعت كلماتى من به صمم

ولا نكاد نجد طرحا لبعض ثوابت الشعر العربى قبل ابى نواس الذي سخر من وقوف بعض معاصرية على الاطلال :

عاج الشقى على رسم يسائله           وعجت اسال عن خمارة البلد

ودعا الى التنكب عن الغزل :

لا تبك ليلى ولا تطرب الى هند         واشرب على الورد من حمراء كالورد

ويمكن ان نفهم ذلك بربطه بالخمريات وهى مضمون تجديدى كرس له أبو نواس جزءا هاما من شعره جاعلا منها غرضا مستقلا بعد ان كانت مندرجة فى الاغراض الاخرى . و (( هذا يعنى ان أبا نواس لا يرث بل يؤسس ولا يكمل بل يبدأ ) ( 1 ) .

وقد ظل التصور العام للشعر مسايرا لنظام الاغراض - من مدح وهجاء ورثاء وفخر وغزل .. - الى عصر النهضة . فلم يكن هناك مبرر لاعادة طرح مفهوم الشعر شعرا لان التواصل كان قائما بين الشاعر من جهة والقارئ او السامع من جهة اخرى .

من هنا تنبجس شرعية الحديث عن الشعر على الشعر فى ديوان (( اغانى الحياة )) (2) . فنحن فى هذا الديوان نقف امام طغيان الاشارات الى الشعر شعرا سواء كان ذلك فى نصوص مخصوصة او فى شكل ابيات محدودة العدد وردت ضمن نصوص فى غير موضوع الشعر . ولعل ما يدعو الى الاستغراب كثافة هذه النصوص التى تتجاوز نسبتها مجموع قصائد الديوان الثلث . وهذه النسبة تحدو بنا الى العدول عن التفسيرات السطحية اذ من الواضح ان هذه القضية كانت جوهرية بالنسبة الى الشابى . واضافة الى ذلك فان الفترة

الوجيزة التى كتبت فيها قصائد هذا الديوان (3) تزيد الامر تعقيدا لانها تشير الى ان قضية الشعر كانت هاجسا يلح على الشاعر .

ومنذ البداية يمكن ان نشير الى اننا لا ننوى استخراج مفهوم الشعر عند الشابى من خلال كل كتاباته ولا من خلال كل قصائد ديوانه بل سنعكف على القصائد التى ورد فيها الحديث عن الشعر بالاسم او بالكناية اذ اننا نميل الى الاعتقاد ان النصوص التى اغفل فيها الشابى ذكر الشعر تحيل على مضامين تاسست عبر ما كتبه الشابى او بعض معاصرية او انها تعتمد مصطلحات متداولة فى الموروث الشعرى يمكن للقارئ ان يفكها وبالتالى تصبح الرسالة مفهومة . ولذلك فكلما اغرق الرمز فى الغموض حاول الشاعر توضيحه وابراز مستنداته ومن هنا فاننا حين نعمد الى استخراج هذه الزموز نكون ابعد عن التاويل واقرب الى اهتمامات الشاعر .

ولابد من الاشارة - فى هذا المقام - الى ما يحيط بهذا الموضوع من عقبات منهجية لعل اولاها صعوبة تصنيف الشعر على الشعر فى (( اغانى الحياة )) اذ الى جانب القصائد التى خصصها الشابى للحديث عن الشعر نجد شذرات منبثة فى نصوص اخرى كثيرة من الديوان وفى بعض الاحيان لا نجد ذكرا للفظة (( شعر )) الا اننا نلمس فى السياق ما يؤكد ان موضوع الحديث انما هو الشعر .

فاذا تجاوزنا هذه العقبة وجب علينا ان نحاول ايجاد نسق نستطيع من خلاله تحقيق غايتين :

- الالم بكل ما له صلة بمفهوم الشعر كما ذكره الشابى فى الديوان .

- ترتيب عناصر هذا المفهوم فى اطار منظومة متكاملة .

ومتى تم لنا ذلك حاولنا الاجابة عن سؤال رئيسى هو : لماذا كتب الشابى الشعر على الشعر ؟ وسيدعونا ذلك الى وضع هذه النصوص فى اطارها التاريخى لتحسس وجود التقارب بينها وبين الرومنطيقية الاوربية التى تسربت الى الادب العربى قبيل دخول الشابى مرحلة الكتابة وبين النتاج الشعرى العربى فى المهجر والمشرق والمغرب .

اشترك في نشرتنا البريدية