الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الشعر فى العهد الفاطمي، ( 362-297 ه )

Share

الشعر لا يتاثر بالسياسة فى صناعته قوة وضعفا ، وفى اطاره جمالا وقبحا ، وفي طريقته وضوحا وخفاء ، وانما قد يتأثر بها فى اهدافه واغراضه لان الصناعة الشعرية تتصل مباشرة بالمجتمع ودرجة ثقافته وحضارته .

والشاعر ليس بمعزل عن السياسة لانه مهما بالغ فى الانطوائية واعتزال المجتمع وما تضطرب فيه من احداث فهو ككل انسان - مدنى بطبعه ، محتاج الى مجتمعه الذى يستمد منه صوره الشعرية ولو حاول التظاهر باعتزال الناس وقصر شعره على الحديث عن نفسه فالصور التى يجلوها لنا من مرآة نفسه انما هى فى الواقع صور المجتمع انعكست فى تلك المرآة فرايناها مصغرة ولو كبرناها لظهرت خطوط الحياة العامة واضحة فيها ولالفينا نفس الشاعر مرآة تعكس لنا صور المجتمع الذي يعيش فيه .

نريد من هذا ان نقول ان قوة الشعر وبلاغته التى ظهرت فى العهد الفاطمى القصير بتونس لا صلة لها بالمذهب السياسى او الدينى للدولة بل ترجع بذرتها الاصلية الى عهد سابق اذ أن تلك البذرة قد حظيت بكثير من التعهد والعناية في عصر الولاة - وعلى الاخص - عهد الامراء المهالبة ثم زادت تلك العناية وتوفرت اسبابها فى عهد الاغالبة وبدأت تعطى ثمرتها بتطور المجتمع الحضارى ، وتمتعه بنصيب من الثقافة والرفاهية الاقتصادية والتبحر العمرانى فلم يكد يطل العهد الفاطمى على افريقية التونسية حتى ازهرت شجرة الشعر واثمرت ومن المعروف ان ثمرتها بلغت اشدها فى العهد الصنهاجى الموالى للعصر الفاطمى .

ولم تمنع قسوة الفاطميين وضغطهم على الحرية العقائدية للمجتمع الافريقى وحملهم الناس قسرا على عقيدتهم الشيعية من ان يقوى ساعد الشعر وينمو نموه الطبيعى المطرد فى ظل دولتهم لا فقط الشعر المنافح عنهم والمناضل عن عقيدتهم بل حتى الشعر المناوىء لهم والمكافح ضدهم .

ولم يستطع الفاطميون - رغم ما بذلوا وما تجبروا وعتوا - ان يفرضوا عقيدتهم على المدن المتحضرة - وفيها مذهبا السنة القويان - الحنفى والمالكى - التى جاهرتهم بآلعداء احيانا حتى اذا فرضوا عليها السكوت انطوت على بغضهم ولبثت تترصد لهم الفرصة وتتربص بهم الدوائر وبقى شعراؤها يغتنمون كل فرصة سانحة لهجائهم والسخرية من عقائدهم والمجاهرة بتكفيرهم احيانا .

وفى مقدمة هذه المدن الكبرى القيروان عاصمة البلاد مما اضطر عبيد الله المهدى اول الخلفاء الفاطميين - وقد اشتم رائحة عداء سكان العاصمة - الى ان يرتاد لنفسه ولخلفائه من بعده موضعا يصلح لانشاء عاصمة جديدة فاحدث المهدية وانتقل اليها بدواون دولته بعد سنوات قليلة من حلوله بالقيروان كما اضطر هو وخلفاؤه من بعده الى اصطناع الشعراء ، وهم صحافة ذلك العصر - لينشروا بواسطتهم فضائل دولتهم ومحاسن عقائدهم ولينافحوا دونهم ضد الالسنة الواغلة والدعايات التى تريد النيل من مذهبهم ومن نسبهم " فالفوا عصبة من الشعراء المجيدين (حولهم) وفى مقدمتهم محمد ابن هانئ وعلى ابن الايادى والمروزى وغيرهم . . كما ان المتمسكين باصول السنة نبغ من بينهم ادباء كانوا يدحضون اقوال الشيعة ، ويقاومون حركتهم المذهبية ، ونشا عن هذا التنافس مزاحمة فى الادب وتكاثر عدد الشعراء وراجت بذلك سوق الافكار واحتكت القرائح وتولد الاختراع فى المعانى والمسابقة الى الاجادة فى القول كل يسعى لنشر نفوذه وتدعيم آراء حزبه " (1)

وقد بلغ العداء للفاطميين الى درجة المقاومة بالسلاح والى أن علماء السنة بالقيروان افتوا بجواز قتال الفاطميين تحت راية خارجى فوضوى هو ابو يزيد مخلد بن كيداد ومات بعضهم معه فى المعارك التى جدت بينه وبين الفاطميين .

وانقسام رؤوس البلاد فى هذه الفتنة المذهبية ادى الى انقسام الشعراء نفسه فكان قسم يناضل ضد الفاطميين ويهجوهم وقسم آخر يكافح بلسانه مع الفاطميين وينتصر لهم والى جانبهما وقسم ثالث اكتفى بالجلوس على الربوة هربا من الصراع الذى يتطلب نفسا قوية وارادة حديدية .

فنبغ من القسم الاول امثال ابى القاسم الفزارى المتوفى 345 ه الذى وقف الى جانب مواطنيه سكان القيروان يناضل الفاطميين ويهجوهم ولم

يتورع عن مدح ابى يزيد الخارجى حين احتل القيروان وهجو الفاطميين وافتخر ببلده الذى قاوم الشيعة ودولتهم .

فهل للقيرواوان وساكنيها      عديل حين يفتخر الفخور

بلاد حشوها علم وحلم        وإسلام ومعروف وخير

عراق الشام بغداد وهذى      عراق الغرب بينهما كثير

ولست اقيس بغدادا اليها      وكيف تقاس بالسنة الشهور

ويبكى على قتلى معركة المهدية بين ابى يزيد والفاطميين ويرثى شيخه ابا العباس الممسى الذى قتل هناك فى صفوف ابى يزيد .

بنفسي صريع حامت الخيل حوله    بمعترك الابطال أى صريع

ولست له أبكي ولكن لمعشر        أصيبوا به من فرد وجميع

وللعلم والإسلام والدين والتقى      وطول احتمال واصطناع صنيع

ولكن هذا الشاعر الفحل يضطر فى آخر الامر ، حين افتك الفاطميون القيروان من ابي يزيد سنة 336 ه الى المصانعة والنفاق فيتقدم الى المنصور الفاطمي بمدحه رائعة محاولا ان يمسح بها آثار اقواله السابقة .

ونبغ من القسم الثانى كثيرون فى مقدمتهم محمد بن هاني المتوفى 363 ه وهو تونسى صميم ينتسب والده الى الامراء المهالبة ونشأ فى قرية من قرى المهدية ثم ارتحل الى الاندلس وهناك ولد له الشاعر الذى حن الى موطن آبائه فرجع اليه واتصل بالمعز لدين الله الفاطمي ويظهر انه كان رقيق الدين مهلهل العقيدة فلم يجد اى حرج فى المجاهرة بعقيدة التشيع والمبالغة فيها والتصريح بمذهب الحلول ويقف امام المعز ليقول :

ما شئت لا ما شاءت الاقدار       فاحكم فانت الواحد القهار

 

ويصبح لسان الدولة والصحيفة الرسمية التى تنطق باسمها ونبغ هذا الشاعر خاصة فى وصف المعارك والاساطيل الحربية بما لا طمع لاى شاعر فى ذلك العصر فى مجاراته .

وعلى بن الايادى من ابناء تونس العاصمة المتوفى 365 ه الذى جارى ابن هانىء فى وصف المعارك والاساطيل والقصور فى قصائد رائعة مشهورة .

ومن القسم الثالث الانطوائى ابو العباس ابن الرايس المتوفى 344 ه وهو من ابناء سوسة انتقل الى القيروان واشتهر برسالته الاخوانية ومراثيه فى ابنائه الذين فجع بهم جميعا فى حياته .

ويظهر ان بعض الشائعات حامت حول سلوكه ازاء المذهب الحاكم فقال متنصلا من ذلك :

بلغ الوشاة علي حيث أرادوا       والله يسألهم وما قد كادوا

والله يعلم أنني ما قلت ما          قال الوشاة تأفكا واعتادوا

فهب الوشاة أتوا بأمر بين          اين الكرام ، أبدلوا ؟ أم عادوا ؟

عفو الملوك عن الذنوب مدائح      مدحوا بها في نفسهم وأجادوا

وليست للجوائز السنية وحدها التى كان يتلقاها الشعراء من الامراء الفاطميين التاثير الفعال فى ازدهار سوق الشعر فى ذلك العصر بل ان معرفة الامراء انفسهم باساليب الشعر وقواعد نقده وقدرتهم على مجاراة الشعراء فى نظمه قد اعان الشعراء على نظم الجيد منه واقتناص المعانى الشاردة وابتكار الجديد .

فعبيد الله المهدى راس الدولة الفاطمية كان شاعرا مجيدا وان لم يحتفظ لنا التاريخ الا بقليل من نظمه من ذلك قوله متحمسا :

من كان مغتبطا بلين حشية     فحشيتي وأريكتي سرجي

من كان يعجبه ويبهجه         نقر الدفوف ورنة الصنج

فأنا الذي لا شيء يعجبني       الا اقتحامي لجة الوهج

ومن شعر ابنه القائم بامر الله يخاطب اعداءه العباسيين خلفاء بغداد :

ألا إن حد السيف أشفى لذى الوصب

                                 وأحرى بنيل الحق يوما اذا طلب

ألم ترني بعت الرفاهة بالسرى

                               وقمت بامر الله حقا كما وجب

ومنها :

وناديت اهل الغرب دعوة واثق

                               برب كريم من تولاه لم يخب

فجاءوا سراعا نحو أصيد ماجد

                              يبادونه بالطوع من جملة العرب

وسرت بخيل الله تلقاء أرضكم

                            وقد لاح وجه الموت من خلل الحجب الخ

وقد برزت فى الشعر الفاطمي ظاهرة الوصف بروزا واضحا جليا ولعلها من تاثير ابن هانىء فى الوسط الشعرى وابن هانىء نشأ بالاندلس مهد الوصف الشعرى ونبغ من الوصافين ابن هانئ وابن الايادى فكلاهما ترك لنا قصائد رائعة فى وصف المعارك الحربية البرية والبحرية ووصف الجيوش والاساطيل والقصور والاثاث والبساتين بما يعجز الناثر عنه كوصف ابن هانىء لاسطول المعز بالمهدية ، ولجيشه المرتحل لفتح مصر ، واوصاف ابن الايادى لقصر المنصور بصبرة ، أو لفرس الامير جعفر بن القائم ، ولاسطول القائم بالمهدية .

ولكن بالرغم من بروز الشعر الوصفى فى هذا العصر وميل الشعراء فيه الى اختراع التشابيه الجيدة ورسم الصور بدقة عجيبة فقد بقيت الفاظه خشنة محتفظة بطابعها القديم لم تتطور كثيرا الا فى العصر الصنهاجى بعد الفاطميين حيث غلبت على الالفاظ السهولة وقرب الماخذ وخاصة فى عصر الطوائف آخر عهد الصنهاجيين الذى ظهر فيه ابن حمديس الصقلى اعظم الشعراء الوصافين بدون منازع .

اشترك في نشرتنا البريدية