الشعر - ككل حركة فكرية - له بذوره ، وله اتجاهاته ، وله خصائصه وله مميزاته . وهو - الى ذلك - فى جميع هذه الحالات ، يختلف في بلد عن بلد ، باختلاف الطبيعة ، واختلاف البيئة والوسط .
فحينما يحاول الكاتب ان يعرض للحركة الشعرية فى بلد ما ، فعليه : ان يحيط - احاطة شاملة - بنشأة هذه الحركة ، ويمر بأدوارها جميعا باحثا فيها البحث الدقيق ، ليعرف اضواءها وألوانها ، ويميز فيها بين الاصيل والطفيلي ، ويعرف المبدع من المقلد
وتزداد المهمة مشقة ، وتتطلب جهودا اكثر وأشق ، واحاطة أدق وأوسع ، حينما يحاول المقارنة بين شعر بلد وبلد ، أو أن يقرأ من الحاضر خطوط المستقبل ، ليعين نقطة الانطلاق ، من الحركة الصاعدة ، ويعين القمة المنتظرة ، لان يصل لها الشعر فى القطيف - مثلا - او تلك التى سيصل اليها الشعر في الحجاز .
لذلك أجد الصعوبة تحوطني ، عندما حاولت ان اجيب على سؤال " المنهل " العذب ، عن مستقبل الشعر في المملكة . والمملكة - والحمد لله - واسعة الارجاء . والشعر يكاد يكون احدى الغرائز الانسانية . فكل نفس شاعرة ، وان لم تنظم القريض . وهي على أتم الاستعداد ، لان تتفتح منها الشاعرية ، بينابيع من الشعر الحي . فان في البذرة طاقة ان تتفتح عن باسم الورود ، ونضير الازهار ، وفواح العطر . وليس عليك ان تلمس
ذلك ، الا ان تضمها بين طيات التربة الصالحة الزكية ، وتتعهدها بالرعى والسقاية ، لتسلم وتنتج .
أقول : اني اجد الشئ الكثير من الصعوبة ، ان شئت ، أو حاولت الجواب عن سؤال المجلة ، وأنا لا أحيط احاطة تامة ، بالحركة الشعرية ، فى جميع ارجاء المملكة الشاسعة . ففي الحجاز شعر وشعراء . وفي نجد كذلك . وفى الاحساء أيضا . وفي القطيف وفي كل مدينة كالدمام والخبر مثلها . .
وتختلف احاطتي بتطور هذه الحركات كلها ، قلة وكثرة . . وقد أجهل الكثير من اعضائها . . وكل هذا مما يضاعف على المسؤولية " ان انا اصدرت حكما ، او رأيا - لم اعرف مقدماته ودلائله - فانه ، حينئذ ، سيكون حكما مرتجلا ، أو رأيا خداجا وهذا مالا ارتضيه لنفسي ، ولا ارضى به من أى شخص يحمل رسالة أدبية .
اذن ، فليس من الانانية فى شئ ، ان قلت كلمة قصيرة عن الشعر ، فى مدينة القطيف خاصة ، بعد كل هذا العذر المبسط : ان الشعر فى القطيف قديم العهد ، يعود الى ما قبل الاسلام وقد ساهمت فيه بيد طولى ، وتأثرت بتطور الشعر ، فى مختلف أدواره ، الا ان في شعرها - الى ذلك - سمة البيئة ، وطابع الحياة فيها . وهذه ضرورة لتمييز ثقافة من ثقافة . فهي دليل على تفاعل الحركة بالبيئة ، وامتدادها من صميم المجتمع , وانبثاقها من قلب الحياة .
ولقد حفلت تربة القطيف بكثير من

