الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الشعر والتاليف المسرحي

Share

لقد أجمع المؤرخون والادباء ، فى حديثهم عن الفن المسرحي ، على أنه خرج من المعابد ، أو بالاحرى من الحفلات الدينية التى كانت تقام في مواسم معلومة على شرف الآلهة ، حسب عقائد الاقدمين ، وانه تطور بعد ذلك طبق منهاج سطره له ذوق الاوساط التى نشأ فيها ، متماشيا فى ذلك مع عاداتها وعقائدها وأخلاقها .

وفي هذه الحفلات تتلى أو تنشد ملاحم شعرية ، طويلة الذيل والنفس يؤلفها الشعراء لذكر أمجاد الآلهة ، تتخللها الوان من الموسيقى وأنواع من الرقص والأناشيد .

تلك هى الحفلات الدينية فى غالب الاقطار والشعوب القديمة . ولما غير الشعراء مواضيعهم ، وأخذوا يؤلفون الملاحم فى غير الآلهة وانصرفوا إلى التغنى بأبطالهم وعظمائهم ، فانهم حافظوا على الصيغة والنمط الذين كانت تعرض بهما الحفلات الدينية داخل المعابد وخارجها . وهكذا كان الشعر أساس القطعة المسرحية المصرية الفرعونية ، والفاجعة اليونانية والرومانية ، والنو اليابانية ، والمسرحية الصينية والهندية .

ولما انتبهت الكنيسة المسيحية إلى أهمية الفن المسرحى وتأثيره كوسيلة للدعاية ، فان جميع المسرحيات التى الفت سيرًا وكرامات سواء باللاتينية أو باللهجات الاوروبية كانت شعرية ولم يستعمل النثر الا نادرًا في المسرحيات الفكاهية القصيرة المسماة بالحشو ( Farciture ) أو الاخلاقيات ( Moralites ) أو الاحموقات ( Soties )  وكانت المسرحيات الدينية تحتوى على خمسين أو ستين ألف بيت من الشعر الامر الذى جعل عرضها يستغرق أسابيع كاملة .

في عهد الانبعاث ، لما رجع المؤلفون إلى الادب القديم من يونانى ورومانى ، فانهم جنحوا دائما إلى الشعر فى تآليفهم . وكذلك كان فى العهد الاتباعى ، والعهد الابتداعى بالبلاد الفرنسية ، وهكذا كان فى المسرح

الاسباني من عهد السلستين ( Celestine ) في القرن الخامس عشر ، وفي انكلترا في عهد الملكة اليزابات ، عهد شكسبير ، إمام التأليف المسرحي . ولم يستعمل النثر في جميع هذه البلاد الا في قليل من الاحيان وفي بعض المسرحيات الفكاهية فقط حتى أن النقاد والمؤرخين لا ينعتون المؤلفين المسرحيين ، الى عصرنا هذا الا بالشعراء .

والسبب في ذلك واضح . فجميع المسرحيات القديمة ، أى الفاجعة اليونانية والرومانية ، والنو ( N o ) والكابوكي ( Kabuki ) اليابانيتان ، والنطاقا الهندية وغيرها ، هى فى الحقيقة صورة جديدة للملحمة ، تختلف عنها بالحوار بدلا من الاسترسال ، وتذكر خاصة صراع الانسان مع مصيره فى قطع مستوحاة من الطقوس والاساطير أو من تواريخ البلاد البعيدة وخرافاتها ( تطبيقا لقاعدتى الابتعاد فى الزمان وفى المكان )

واستمرت الحال على هذه الصورة إلى أن تطور الفن المسرحي وترك الطقوس والاساطير كما كان شأنه فى العصور القديمة وعدل عن السير ( Mysreres ) والكرامات ( Miracles )  التي ختص بها فى القرون الوسطى ، وعدل عن ارضاء طبقة معينة من الامة مثل المسرح الاتباعى أو المأساة البورجوازية التي ظهرت فى القرن الثامن عشر ، أو المسرح الابتداعي الذي أعتمد فى غالب مآسيه على التاريخ ، فأصبح مطالبا بأن يكون صورة مصغرة حقيقية صادقة لعصره ومصره في جميع فروع نشاطهما ، وتفكيرهما ، وأخلاقهما ونظمهما السياسية والاجتماعية ، عندها أصبح استعمال الشعر في المسرحية محل أخذ ورد ، لان وصف الانسان كما هو ، في حياته اليومية العادية يقتضي بدون جدال من ذلك الشخص أن يتحدث فوق الركح بنفس اللغة التى يستعملها فى حياته العادية . وهكذا وجب استعمال النثر بدل الشعر ، وهكذا أيضا عدل المؤلفون المسرحيون عن استعمال لغة الشعر الراقية ولجؤوا الى اللغة البسيطة العادية . وهكذا طغى النثر على الشعر فى المسرحيات المعاصرة فلا يستعمل المؤلفون المعاصرون الشعر إلا فى المسرحيات التاريخية على النمط القديم ( موريس روسطان - الفراد بوازا وغيرهما ) .

ولما اكتسح فن المسرح بلاد العروبة والاسلام ، فانه وجد نفسه مضطرًا إلى مجاراة حرفائه الجدد بعدما احتل بلادهم احتلالا فى أواسط القرن التاسع عشر . ذلك لان العربي - الغريب عن هذا الفن - ما كان يتصور حفلة بدون شعر ، وبدون موسيقى ، وبدون طرب . ومارون النقاش فهم هذه الوضعية جيدًا . فلم يجازف بنفسه فى محاوله ادخال هذا الفن للبلاد العربية ، وأولا وطنه لبنان ، فقدم سنة 1848 مسرحيته الاولى - البخيل لموليار - في شكل مسرحية غنائية ( Opera ) أحرز بها على استحسان كبير وتملك بها على القلوب وغرس هذا الفن في نفوس معاصريه .

وبعد هذا الفوز العظيم أدخل المؤلفون النثر فى مسرحياتهم فصارت شعرية ونثرية فى آن واحد . فخصصوا النثر بالحوارات العادية واستعملوا الشعر في الحوارات الغرامية أو فى مواقف الشجاعة والبطولة وفى المناجاة , ومزجوا مسرحياتهم بالاغانى والاناشيد مثل أبى الحسن المغفل ، وانيس الجليس وروميو وجوليات ومجنون ليلى وصلاح الدين الايوبى وغيرها وكان لكل فرقة مسرحية مطربها وهو الذي يعليا أو يسقطها .

وبهذه الطريقة تمكن الفن المسرحي من اثبات قدمه ببلاد الشرق العربى . وهذا المزج بين الشعر والنثر ، وهذا التخليط بين التمثيل الصرف والموسيقى والمغنى - وان هو يعاكس نظرتنا الخاصة فى الفن المسرحي فهو الطريقة التى لم يزل معمولا بها فى كثير من الفرق المصرية وغيرها ببلاد الشرق . وانك تكاد لا تشاهد شريطا سنمائيا مصريا واحدا خاليا من الغناء والموسيقى علاوة على موسيقى تكوين الجو الضرورية .

فلولا النزعات المتضاربة التى ادخلت على المسرح العربى بواسطة الترجمة والاقتباس ، فجعلته مذبذبا لم يزل يبحث عن طريقه بعد مضى أكثر من قرن ولو كان هذا المسرح قائما على واقعنا كما هو في غيرنا من بلاد الشرق والغرب لكان أقرب ما يكون من الفاجعة اليونانية الاسخيلية بجوقة منشديه وموسيقاه ، وهو النوع الذى كتبت عليه التعزية الفارسية ببلاد الشيعة فى أواخر القرن الثالث والقرن الرابع للهجرة بالبلاد التى طغى فيها المسرح الشيعي .

وهذه المسرحيات المؤلفة او المنقولة شعرًا ونثرًا جميلة جدًا . والجمهور العربى يحبها ويتذوق إليها وعلى منوالها ألف أحمد خير الدين " الكاهنة " والمرحوم عبد الرزاق كارباكه " ولادة وابن زيدون ، وجلال الدين النقاش " عصر المأمون "

لكن المسرحية العربية خضعت هى الاخرى لنفس المقتضيات التى خضعت اليها المسرحية بالبلاد الاوربية لما أرادت تصوير الحياة اليومية . وهكذا وجدت المسرحية النثرية الصرفة سواء بالفصحى أو بالعربية . وقد تكون المسرحية النثرية الصرفة هى التى أوحت بانشاء المسرحية الشعرية العربية الصرفة

فالمسرحيات الغرامية الشعرية التى كتبها أمير الشعراء المرحوم أحمد شوقى مثل عنتر وعبلة ، ومجنون ليلى ، ومسرحياته التاريخية مثل على بك الكبير ، والسلطان عبد الحميد وغيرهما هى من درر الادب العربى على الرغم مما فيها من عيوب فنية من حيث التاليف المسرحي والعقد والمفاجآت والحركة . فمن هذه الناحية نجد تقدما بالنسبة اليها فى مسرحيات عزيز أباظة مثل الناصر وشجرة الدر ، وغروب الاندلس ، ومسرحيات علي أحمد باكثير الشعرية وخصوصا فى مسرحية "غرام يزيد " لمحمود غنيم .

فهؤلاء المؤلفون الافذاذ اتبعوا المؤلفين الاروبيين فجعلوا مسرحياتهم الشعرية تاريخية غرامية وهو النوع الذى يناسبها بدون نزاع .

اشترك في نشرتنا البريدية