الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الشعر ... والثورة الجزائرية

Share

تسير ثورة الشعب الجزائري من نصر الى نصر ، وتفتح بطولاتها المغاليق في كل مضمار ، فهي الآن فى الميدان الدولى قضية الساعة ، وهى الآن في الضمير العالمي مشغلة أفكار ، ومنبض قلوب ، وهى الآن فى الادب والفن مراد قرائح ، ومنفجر الهام .

ولو يريد الباحث ان يتقصى محصول هذه الثورة في الفن الشعري خاصة منذ ثلاث سنوات ، اى منذ برزت هذه الثورة الى حين الفعل ، لامكنه ان يجمع ديوانا من الشعر فخما ، يكون ملء الحاضر ، وثروة المستقبل . ولو يريد الناقد ان يتناول هذا الديوان بالدراسة العلمية ، والتحليل المنهجى ، للزمة اولا ان يقضي امدا في الجمع والتنسيق والتبويب ، وللزمه ثانيا ان يبذل جهودا فى التامل والتفكير والتحليل لملامح هذا الادب الذي واكب ثورة ماجدة ، طاولت جيوش الاحتلال ، وصاولت الاستعمار في قلة من العدد والعدة . ولكن فى قوة من الايمان والصمود ، في قوة من الروح الذي ينفذ باشعاعه الى قلب المجاهد فيقدم على الحديد والنار ، كما ينفذ باشعاعه الى قلب الشاعر فياتى بالمبتكر الانف الرائع .

ولست احاول فى هذه الاسطر سوى ان استعرض لمعا من ادب هذه الثورة ؛ استعرضها لا لانها نخب تخيرت تخييرا ، واصطفيت اصطفاء ، ولكن لأنها نشرت فى هذه الظروف الحاسمة التى تمر بها قضية الجزائر.

ويطلب لى ان تكون اول هذه اللمع مقطوعات من قصيد  (ترنيمة الجزائر) للشاعر السودانى احمد كمال زكى ، نشرتها مجلة الرسالة الجديدة بمصر فى عددها التاسع والثلاثين .

( ١ )

اليك سلامى ارض الجزائر

سلام بلادي

ومن في بلادي ارض الجزائر

سلام القلوب

رخيا يرش الدروب

سني

ويحصد للغد غيم الشفق

جنى

لمن ودعوا

ومن شيعوا في انبلاج الصباح

حياة الضياع

اليك السلام

سلام بلادي ارض الجزاير

(٢)

حقول . . حقول

بيادر نعمى

وارباض خير

تنام هناك

وعند الظلال

هضاب غلال

كما يتكون تبر الغسق

كما يتجمع غيم الشفق

جنى

اراضي الجزائر

ولما يدسها اله

يقود الطغاه

لقد حدثوا انه يوم سار

أثار الدماء

فمالت عن الأفق شمس النهار

وخارت طيور

وكانت تنقر فى مرج نور

وتجمع تل زهور

وتنسج ثوب سرور

بارض الجزائر

( ٣ )

وماج على الدرب رعد . .

ومرجل نار

لقد برعم الثار حقد الالوف

فمدرجهم مرصد ما يزال

بعيد المنال

وبجم يخرجون

ولن يرجعوا قبل وقت الزوال

لقد اقسموا

وصادوا الرجال

على المدرج المستظل بهم

بامطارهم

بحقد الالوف

غدا يرجعون

ويبنون في ارض افريقيا

صروح السلام

لانا نحب السلام

غدا يرجعون

وهم يحملون سنابل نور

وباقات ورد

بايد ملوحة بالوداد

لعلك تشعر معي ايها القاريء بأن فى هذا الشعر جودة وروعة ، اذ تلمح ما فيه من بساطة الشكل ونبالة المضمون ، واذ ترى الشاعر في مقطوعه الاول يحيى ارض

الجزائر ، يحييها تحية الاهل والوطن ، تحية السودان وشعب السودان ، تحية رخية صادرة عن قلوب مفعمة عطفا واعجابا بالذين ودعوا حياة الضاع . . . واذ تراه فى مقطوعه الثانى يقدم رسما بارعا لارض الجزائر الطبية ، وقد بدات فيها ادوار الكفاح الاولى ، وقد جرى فيها يوم جهادي اغر ، تبدد فيه الذل ، وشاعت به العزة والمسرة . . . واذ تراه فى مقطوعه الاخير يشير الى انتشار الثورة ، وانضواء الآلاف تحت لوائها ، ويبشر بالمصير السعيد الذى ستؤول الله ارض افريقيا ، بعد انتصار ابنائها المجاهدين ، وعودتهم يحملون سنابل نور وباقات ورود . . .

لعلك معي في هذه الرؤى وغيرها مما عبر عنه الشاعر السودانى في بساطة عذبة ، وطبعية صافية ، وعفوية انسانية وادعة ، تنم عن الخصائص النبيلة لشعب السودان المسالم .

وهذه " اغنية الى الجزائر " للشاعر محمود بشرارة ، نشرتها مجلة الثقافة الوطنية في عددها السابع ، فلنتغن بها معا ، ايها القارئ ، ولننظر اى شحنة عاطفية تحملها هذه النغمات العذبة لثورة احيت الجزائر ، وصيرت روحها رمزا للبلاد التى تعشقت الحرية :

كلما رنت نواقيس الجهاد

خفقت روحك في روح بلادي

وهفت ارواحنا شوقا اليك

وتلقت وحيها من شفتيك

يا فؤادا صامدا فى المعمعان

انت يا ذات الرداء الارجوانى

زودينا نظرة من وجنتيك

واملأي اكوابنا من مقلتيك

واسمعي وحيك في خفق القلوب

أملا يشرق حتى في الغروب

يملأ الدنيا شعاعا وصباحه

ويعيد المهمه الظمآن واحه

واسمعيه فى الربى تحت الدوالي

نغما يسري ويسري في الظلال

رائع اللحن ومن ذكراك لحنه

خالد الفن ومن عينيك فنه

سكبته في الظلال الخضر شبابة راع

وتلقته الازاهير ندى حلو الشعاع

وعلى العين وفي الحقل تغنيه الصبايا

نفسا عذبا سماويا يرد الحقل نايا

ها هم الابطال في الموكب عادوا

موكب النصر . . وعادت شهرزاد

وبفيها من كؤوس النصر مصه

حلوة حمراء توحي الف قصة

عاد محى الدين ، ( ١ ) والخيل الجياد

وجناحاه العظيمان : سعيد وسعاد ( ١ )

وراتهم ساحة الثورة ، فاهتز ثراها

واطلت فى لهيب الشوق نورا مقلتاها

وهذه اغنية اخرى للشاعر جواد صيداوي ، نشرتها أيضا مجلة الثقافة الوطنية في عددها الثامن ، وهي ترنيمة عذبة ، فيها من الخفة والرشاقة والطرافة ما يجعلنا غير مترددين فى الاعتراف بان فى الشعر الحديث - رغم ما يثار حوله من جدال ، ورغم ما يوجه الى مضامينه واشكاله الفنية من مآخذ - فيه ما يحمل اليك قيما شعرية صائبة ، وفيه ما يدلك على الشاعرية المرهفة الاخاذة .. فيه ما يملؤك بانبل العواطف ، واطيب الخوالج وازكاها :

جزائري

يا بسمة الجرح الابي

فوق جبين المغرب

جزائري

يا لحن امجادي ومغنى شممي

يا لفحة الحقد المقدس في دمي

ردي اللظى

تقحمي

وكحلى عين الزمان بالدم

جزائري

لا تبخلي

البذل مجداف لقارب الغد

ردي الطريح للحشا

تجلدي

وسعري نار الوغى وزغردي

" اهراسنا " مقابر للمعتدي

دماؤنا ترد عزم القعدد

فداك ياجزائري

نغشى الردى ونصمد

ونرتمي وننشد

فداك يا جزائري

يا قطعة من مهجتي

يا نفحة ريانة من امتي

لا تبخلي

البذل مجداف لقارب الغد

واخيرا فاني احيلك ايها القارئ على اعداد مجلة الفكر ، فستجد فيها شعرا حديثا هو من وحي الثورة الجزائرية ، ومن الهامات الكفاح بالمغرب العربي الكبير .. ستجد فيها مثلا :

( نداء الارض )

ارضي ان

منها اتيت الى الوجود

وعلى ثراها اينعت زهرات اجدادي الكرام

افلا أقوم بردها ؟ !

افلا أجدد مجدها ؟ !

انى لها

مهما ادعاها الغاصبون

وتطاولت بهم السنون

اني لها

مهما قست احكامهم

وتنكرت افعالهم

سأعيد ارضي منهم

واثيرها حربا عوان

لا ارهب الظلم الغشوم

لا ارعوي . . .

ما دمت انبس بالحياة

وستجد فيها قصائد " خذنى معك " و " قي يوم الجزائر " و " سارتمى " للشعراء التونسيين : محمد العروسي المطوي ، واحمد اللغماني ، ومحمد الحبيب بحري ستجد هذه القصائد وغيرها تنضح بالروح الجهادية التي اذكتها مقاومة الجزائر ، واضرمتها حماسة الايمان بمجد هذه الثورة ، والثقة بانتصارها النهائي.

اجل ستنتهي هذه الثورة وما ينتهي مجدها وستصمت رشاشاتها ومدافعها ، وما تصمت هذه النبرات التى تبعثها من معزف الشعر الحديث ، وستلتئم الجراحات ، وتسكن الألام التى تحملها الشعب الجزائرى المكافح ، ولكن هل ستسكن هذه الانغام التي واكبت ثورته هذه الانغام التى تبارك الجهاد ، وترجب التضحية ، وتعزز الحرية ، وتقدس العدالة؟!

اشترك في نشرتنا البريدية