الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الشعر ومعركة الجزائر

Share

عندما تضع حرب الجزائر اوزارها - ولا بد ان تضعها يوما - وعندما ينعم الجزائريون باستقلال بلادهم الذى كافحوا من أجله اروع الكفاح وأسناه سوف يشتغل ادباؤهم - فى جملة ما سيشتغلون به - باحصاء وفحص ما قيل من الشعر والنثر ، وما كتب من القصص والروايات مستوحى من ثورتهم الخالدة فى ادب الامم المعاصرة من شرقية وغربية - ذلك ان قضية الجزائر أصبحت من اشهر قضايا العصر واصبح لها من الصدى والتأثير - سواء عند الأمم المغلوبة على امرها او الامم المسيطرة عليها - ما غير وجه هذا القرن وطبعه بطابع القسوة والمرارة والاستماتة من جانب الاقوياء أو بطابع التضحية والبسالة والايمان من جانب الضعفاء

هذا الصراع الهائل بين قوتين غير متكافئتين قوة البطش والجبروت المسلحة بالحديد والنار وسياط الجلادين وقوة الحق والبر والعزيمة المسلحة بالايمان ، قد اوحى للكتاب والشعراء آثارا أدبية متعددة الجوانب ، متنوعة الاغراض مختلفة القيمة ولكنها كانت كلها تمجد هذا الكفاح الباسل ، وتروى احداثه ومشاهده وتسبغ عليه روعة الفن وحرارة العاطفة وجمال الكلمة المنظومة وان كانت أحداث هذه الحرب ومشاهدها وأهوالها قد فاقت فى واقعيتها وحقيقة أمرها كل ما يمكن ان يصفه الواصفون او يتخيله المتخيلون .

والادب التونسى المعاصر لم يقصر فى هاته الناحية ولا هو ظل صامتا أمام هذا العسف والارهاق الذى سلط على الجزائر العربية المسلمة ، جارتنا الحبيبة المستميتة فى الدفاع عن كرامتها فى الحياة ، والمنكوبة بأشنع استعمار عرفه التاريخ وبأشده قسوة وبطشا وعتوا .

ان العاطفة الانسانية التى يشعر بها كل من مر بمثل ما تمر به الجزائر اليوم من اطوار الكفاح وعرف ما تنطوى عليه هاته الاطوار من آلام ودموع ودماء مسفوحة لهى عاطفة مثيرة مهيجة فاذا أضفت الى هاته العاطفة الانسانية ما يربطنا بالجزائر من روابط الجوار والاخوة ووحدة الآمال والالام أصبح من الطبيعى ان نلمح فى شعر شعرائنا هذا الحماس وهذه الغضبة الصادقة لقضية الجزائر ، بل انك تحس من خلال هذا الشعر ان قائله يجعل منه قضية قومية

لا يفرق فيها بين معركة تونس ومعركة الجزائر ، لانها معركة الاهداف الواحدة والمصير الواحد .

وقد اتفق شعراؤنا المحافظون والمجددون على السواء على تبنى القضية الجزائرية كما تبناها زعماؤنا فى ميدان السياسة فدافعوا عنها وتحمسوا لها ورثوا شهداءها ومجدوا أبطالها وقادتها وذلك منذ بدء المعركة - فاننا نجد الشاعر مصطفى الحبيب بحرى منذ سنة 1956 يتحدث فى قصيدة " غدا ملتقانا " عن معركة الجزائر ويعدد على لسان احد ابطالها الاسباب التى أهابت بكل فدائى لخوض المعركة

ونادى الفدائى : مجد الجدود

وعسف الطغاة  وغل القيود

ووثبة قومى   لبعث جديد

تنادى دمائى لفجر الخلود

وذا موطنى من دمى ينهل

لينساب فى مهده الجدول

ويخضر فى سهله السنبل

وفى هذا القصيد يحدثنا الشاعر عن ذلك الفدائى الذى يستمد العزم والشجاعة من روح حبيبته سلمى الشهيدة التى تشق غبار المعركة وتجيئة فى صورة ملاك وكأنها على موعد معه للقاء الاعداء :

فياروح سلمى لقانا غدا    على جبل النور مهد الفدا

لنصلى الطغاة لظى موقدا   ونرفع للمجد صرح الهدى

أراك ملاكا يشق الغبارا     ليذكى بصدرى حقدا ونارا

اراك وقد هزك الموعد       ومن راحتيك يضئ الغد

فاهتز شوقا لأحمى الديارا  وأبذل روحى لسحق العدا ( 1 )

ونجد كذلك قصيدا لمحمد العربى صمادح نشر فى نفس السنة بعنوان " الاعدام الجماعى " يصف فيه غارة من هاته الغارات المألوفة للجيش على الاحياء الآهلة بالنساء والاطفال والشيوخ العجز ، لقد جاؤوا يبحثون عن الرجال والسلاح ولما لم يجدوا شيئا منهما عاثوا فى الحى قتلا ونهبا واحراقا ومضوا وبجيوبهم " بعض الحطام "

وهاك الابيات التى يصف فيها مجئ الجيش للحى .

صاحت خديجة من بعيد    عاد الجنود

كالامس عادوا يطلقون   نار البنادق فى جنون

محمود، يا ولدى الحبيب  اسرع الى الحى القريب

عاد الجنود المعتدون      كالامس عادوا يركضون

أسرع وأخوتك الصغار     جاء الدمار ...

وهاك ما يقوله عن احراق الحى من طرف الطغمة المغيرين :

والجند فى نزواتهم يتسابقون

مثل الذئاب . . فينهبون ويعصفون

وعلى الجسوم يرددون .. أين الهرب ؟

نادوا ابن بلة ينجكم .... نادوا العرب

اليوم نحرق أرضكم يا مجرمون

اليوم نترككم رمادا اجمعين

سكبوا الوقود على المنازل من قصب .. فاذا اللهب

يأتى على الدنيا ويلتهم العباد

ومزارع القمح الفسيحة والبهائم والعتاد

والصخر والاشجار والعشب المزركش والقتاد (2)

ولأحمد اللغمانى قصيدة بعنوان " فى يوم الجزائر " استنزل فيها اللعنات الشداد على الاستعمار والمستعمرين بعبارات لا يجمجم فيها ولا يدارى ختمها بهذه الابيات المتفائلة .

مهلا . . . لقد أزف الوعيد

المغرب الجبار حطم بينه تلك الحدود

بعث جديد . . ينمو بظل الاطلس الشهم العتيد

النار لا تأتى عليه ولا الحديد

ولسوف تعلم يا بليد

ان الجزائر معقل البأس الشديد

غيل الاسود . . لن تستكين ولن تبيد (3)

ومما امتازت به معركة التحرير بالجزائر مشاركة المرأة الجزائرية فى الكفاح مشاركة فعالة وقد تحدث محمد العروسى المطوى فى قصيد من الشعر الحر بعنوان " خذنى معك " عن مجاهد جزائرى تسلل ذات ليلة واخترق حصار القوى الاستعمارية ومكث يومين لا ليستجم وانما لنفذ خطة معينة ولما استعد للرجوع الى " أوراس " تعلقت به اخته وقالت :

خذنى معك . . انى ظمئت الى الجهاد

ومللت عيش القابعة ، عيش المذلة والهوان

والباب دوما موصد . . والرعب يكمن فى البيوت

دوما يهددنا العدو . . لكنه عنكم بعيد

" أوراس " يدعونا اليه . . يدعو الفتاة الى الكفاح

           جنبا لجنب الثائرين

خذنى معك . . وارحم دمائى الثائرة

فلقد عزمت على الجهاد . جنبى لجنب الثائرين (4)

ولهذا الشاعر قطعة أخرى تحدث فيها عن فتاة جزائرية استطاعث ان تثأر لشرفها المدنس من الملازم " انطوان " حيث تمكنت من ان تستل الخنجر من حزامه وتبعج به بطنه ثم تغمده مرة اخرى فى قلبه وتودع كوخها الحطيم وتسير نحو الجبل . ويصل الخبر الى رفاق " انطوان " فيأتون للانتقام ويصوبون مدافعهم وقنابلهم نحو الشيوخ المقعدين والنساء العاجزات والصبية الاطهار والاغنام البريئة وينسحب الرفاق بعد هاته الجولة صائحين .. نم مطمئنا .. يا انطوان .. فقد تأثررنا لك بخمسين (5)

ولكن هاته القطعة رغم طرافة موضوعها لم تكن على جانب من الفن او الجمال فأهملنا ايراد مقتطفات منها طلبا للاختصار .

اما احمد مختار الوزير فقد نظم قصيدا مطولا عن البطلة الجزائرية جميلة بوحيرد استعرض فيه خواطر هاته الفتاة وآلام نفسها امام ما ينال قومها من نكال وتعذيب وما يعانونه من بؤس وفاقة وكيف كانت تسمع من داخل نفسها صوتا يهيب بها :

جميلة أنت الوجود بما     تريدين مختارة راضية

وانت الحياة وأكوانها      بما فيك من عزمة ماضية

فكونى لقومك كونى لهم   من الحب آيته العالية

وكانت اذا أغفت ترى فى احلامها صورا من بؤس قومها مهولة : من جماجم مبعثرة فى الثرى ، وقتلى مجندلين بالجبال ودماء جارية . . وتتذكر حماسها وايمانهم وغايتهم فتأسى وأخيرا تنهض وكأنها بعثت للهدى داعية ، ثم تسير بين الشعاب الى صخرة " الاطلس " وتقاوم وتكابد وتنفذ ما يعهد به اليها من الخطط الى ان يدركها رجال ذوو قلوب جافية من جواسيس الاعداء فيحيطون بها كالسباع الضارية وها هى ذى فى السجن وبين ايدى الجلادين ...

وعذبها القيد قيد الحديد       فكانت معذبة راضية

عنيف من الشر لأذوا به      لتحطيم عزمتها الماضية

فما خدشوا كبرياء الصمود   ولا فلقوا الصخرة الراسية

وهيهات هيهات ان يفعلوا    وفى قلبها القوة العالية

وهل تقهر اللبوءات الحراب   بأيد مرعشة واهية ؟

وقامت جميلة من دونهم      قيام المدججة الحامية

تريهم سخافة ما يفعلون   ببسمتها العذبة الزارية (6)

ونحب ان ننبه هنا الى اننا لم نورد من الشعر الا ما كان موضوعه كله فى معركة الجزائر اما ما جاء من الشعر فى مناسبات مختلفة او فى اثناء قصائد ذات موضوعات عامة فاننا لم نتعرض له طلبا للاختصار ولنفس هذا السبب نشير الى القصائد التالية التى قيلت فى معركة الجزائر ويضيق المقام دون ايراد مختارات منها .

ذلك قصيد مطول لمصطفى الحبيب بحرى نشر على حدة بعنوان " أوراس " (7 ) وقصيد لأحمد اللغمانى بعنوان " سبتمبر " حيا فيه ذكرى الثورة الجزائرية (8) وقصيد لمحسن بن حميدة بعنوان " فى غير لين " الى ضحايا

الجزائر البريئة(9) وقصيد لابن تومرت بعنوان " من وحى الثورة " (10) وقصيد لمنور صماح بعنوان " قسم تونس " (11) وقصيد لصالح الخرفى بعنوان الجزائر المكافحة (12) واخيرا قصيد لاحمد مختار الوزير بعنوان " رثاء شهيد " يرثى فيه احد ابطال الثورة الجزائرية (12 مكرر)

ويمكن القول بوجه عام ان ما نظمه شعراؤنا التونسيون سواء منهم المجددون او المحافظون لا يبلغ فى مجموعه القوة والعمق والجمال الذى نلاحظه عند شعراء الشرق الذين قرأنا لهم أشعارا فى هذا الغرض وعلى سبيل المثال نورد الابيات الاخيرة من قصيد للشاعر السورى شوقى بغدادى بعنوان " جزائرية " شبه فيه الجزائر بجذع زيتونة صامدة فى وجه الحطاب وان ما يقطع منها يكفى لان يصنع منه نعوش الحطابين حتى اذا نبتت الجذور الجديدة كانت جذورا ذات قوة وصلابة وبأس شديد يقول :

جزائرى .. يا جذع زيتونة ..  صامدة فى وجه خطاب

لن يقطعوا الا توابيتهم  ..  فليهنأوا بسقط أخشاب

انى أرى الجذور تنشق عن . . غور . . وعن ظفر . . وعن ناب

اشترك في نشرتنا البريدية