أقاصيص المسعدى لا تشبه الاقصوصة بمعناها المعروف ، لذلك سوف لا نطبق المقاييس القصصية المعروفة عليها ، مثلما نطبقها على أقاصيص الدوعاجي مثلا . وذلك لسببين هامين :
أولاً : لان المسعدى يعبر عن أفكار فلسفية ويجسمها فى أبطال يتحركون مما أبعد أقاصيصه عما تعارفنا عليه من أنواع القصص العادية .
ثانياً : لأن مفهوم القصة عند المسعدى يختلف عن مفهومها عند الكتاب الآخرين . فكل أدب عند المسعدى قصة ، ما دام ذلك النوع من الأدب يحكي قمصة الانسان مع الموت والحياة والمصير . وهذه النظرة لها تأثير عميق على الشكل القصصى عنده .
فحديث أبى هريرة يحتوى على استهلالات من نوع الاخبار . . ولئن كان الشكل فيه قديما فانه يمتاز بحداثة الموضوع .
لا بد أن نعرف رأى المسعدى فى القصة ، كى يتضح لنا أن الشكل القصصى والاشكال الادبية بصفة عامة ليس لها أهمية عنده . يقول فى استجواب له بمجلة " الندوة " : " اني لا أفهم ما يعنون فى الحقيقة بالقصة، فها هنا لفظ ولا معنى مضبوط . فالقصة أقصوصة الصحف السيارة . وهي الرواية تستغرق كتابا . وهي قصص الف ليلة وليلة . وهي الشكاة ترفع الى الأمير . وهى قصة رأس الغول . وهي كل ما تشاء " .
فهو يتخذ فى كتابته شكلاً من أشكال الادب الذى يعتمد على أحاديث الادب القديم . وهذا التيار نجده خاصة فى المقامة وفي بعض روايات الاغاني كما نجد له جذورا فى البيان والتبيين .
ولعل هذا التشبث بالشكل القديم يرجع الى ما يراه المسعدى من أن واجب
الأدب العربي أن يقول كلمة الشرق الطريقة ، ويفسر من خلال الروح الشرقية مشاكل الانسان والعالم .
ولهذا السبب كان اطار الصحراء ، الذى يناسب امتداده امتداد المعانى التى يبحث عنها المسعدى .
ولئن انطلق الدوعاجي من أرضية تونسية ضيقة ليعبر بها عن واقع انسانى واسع ، فان محمود المسعدى انطلق من الارضية العربية الواسعة ، وجعل نقطة إنطلاقة حياة البداوة . ليعبر من خلال هذه الحياة عن واقع انسانى أوسع ، أكثر شمولاً واتصالاً بحياة الناس النفسية على الخصوص ، خلال الحرب العالمية الثانية . ففي " حديث الكلب " نلمس تأثير الحرب فى نفوس الناس آنئذ ، ما تحدثه الحرب من مشاكل لعدم تكافؤ الفرص . يحاول أبو هريرة فى هذا الحديث أن يسوق القبائل الى جنات ذات خيرات حتى تكف عن الاقتتال والنهب والسلب ، ولكنهم مع ذلك لا يكفون فيخاطبهم قائلا : " ان القتال قائم الحد بينكم ، ويورى الفتن الصماء ، فهي عليكم كقطع الليل . أو كعنيد السيل سوداء " . وهو عندما يخاطب الاقوام بقوله هذا لا يخص قبيلة دون أخرى بل بكل الاقوام . ككل ، وحتى عندما ساق أبو هريرة الناس الى الخير ، لم يخص قومه فقط بالنعيم ، بل ساق اليه الاقوام المتقاتلة الاخرى ، ولعل هذا المنزع الانسانى وعطف أبي هريرة الظاهر على الناس ، يرجع الى ما ولده جور النازية - ابان الاربعينات - وصراعها مع الحلفاء ، من نقمة على الحرب ، ظهرت آثارها حلية فى قصص المسعدى .
ويمكن على الأساس أن نفسر اطار الصحراء الذي نجده فى أغلب أقاصيصه بأنه تعبير عن شعور الكاتب بضحالة الحياة وضعتها ، وانعدام الجدوى فيها ، وهو شعور وجودى ، نمته فظائع الحرب فى نفسه ، وغدته الفلسفة الوجودية ، التى ازدهرت فى تلك الفترة مع سارتر وكامو .
ولعل هذا كذلك ما جعل أبا هريرة يخاطب الناس فى شئ من الاشمئزاز والتقزز : يقول : " أيها الملأ اسمعوا ، إنى وجدتكم كالكلاب على جثه عفنة، تأكلونها نظرا ، وتتلمضون لها شفاها ، ولا يقربها أحد الا ذهبت به أنيات صاحبه أو أخيه " .
وقد كان الاستعمار إبان تلك الفترة يملك كل شئ ، يملك الاقتصاد والحكم و الارواح ، وليس لابناء البلاد الشرعيين الحق حتى فى التصرف فى شؤونهم ،
فكان المسعدى يحرض من ثمة الشعب على الثورة بلسان أبي هريرة : " قالوا مساؤكم لنا اماء وأرواحكم مرعى أيها الضعفاء . ثم ألقوا اليكم بعظام مقشرات هزال . فجثوتم على الركب تصلون . وقلتم سمعا وطاعة أيها السلطان، فحشروكم فألقوا فى الاصفاد . أما آن أن ترتفعوا الى الشدة والبأس ؟؟ ألا توقدونها حمراء ليس يردها إنس ولا جان ؟ " فالكاتب هنا يحرض الشعب على النورة بطريقة خفيه . فها هنا بعد معرفتنا للمؤثرات الرئيسية فى أدب المسعدى ، وبعد وضعنا له فى اطاره الزمني ، يمكن ان نضع أصبعنا على عصب أساسى يوصلنا الى حقيقة أبطال المسعدى ، فهو يصورهم غلاظا شدادا، لانه يصور الانسان كما ينبغى ان يكون فى القوة والعنف والصلابة ، التى تتطلبها تلك الفترة بالذات ، وتتطلبها طبيعة الحياة نفسها ، وكأنى به يقول مع الشابى : " ان الحياة . . لا تهب قلبها الزاخر بذخر الأنوثة الا للرجل القوى لجبار ، الذى يحملها بساعديه الشديدين ، ويمضى بها قائلا : " أنت لى " ولكن الابطال مع صلابتهم ، فانهم انسانيون . فكهلان فى " حديث الكلب" رغم انه صعلوك نهاب فتاك . . فانه عندما وجد أبا هريرة ملقي في الصحراء ، فقد حمله الى مكمنه وعالجه بالماء والطعام حتى استفاق . ولو تتبعنا أشخاص المسعدى ، وتفحصنا حياتهم لرأيناهم اشخاصا يعانون مشاكل ميتافيزقية ، تتصل بالنفس الانسانية أكثر مما تتصل بالواقع العملى للحياة ومشاكلهم النفسية هى مشاكل كل انسان يقف عاجزا حيال الموت والقضاء والقدر ، وهم فوق ذلك ضائقون بوضعهم متشككون . فقد شك أبو هريرة فى الحياة ، وضاق بوضعه فيها ، لما فيها من دجل ورياء ، كما يتجلى ذلك واضحاً فى " حديث الغيبه " . اذ رأي أن كثرة الديانات والمذاهب فيها هو مدعاة للشك والحيرة ، فأوغل فيهما .
وشك فى الناس ، فرأى بعضهم هوائيين يتعلقون بالاحلام والخيالات، يريدون أن تنقلب مفاهيم العالم ف " ترتفع الارض إلى السماء ، والحقيقة إلى الوهم ، والذات إلى الظل " وبعضهم أرضى يطلب المغالطة كالذئب ، وبعضهم الآخر كفرة جحدة ، ولكنهم مع ذلك يتصنعون الايمان ".
وعدم ثقة أبى هريرة بالحياة ، جعله يحس بأنها مومس ، توحى له بالبشاعة والتقزز .
وشعور أبى هريرة هذا هو شعور المسعدى بطريقة أو بأخرى ، فهو يحن إلى الطهارة المفقودة وحنينه هذا امتداد لحنين الدوعاجي والعريبي وكرباكة إلى
هذه الطهارة الضائعة . ويتجلى هذا واضحا فى قصته " السندباد والطهارة". فنفسية أبى هريرة لو رسمنا لها خطاً بيانياً ، لما وجدناها مستقرة على حال، لانها ما أن تطمئن إلى مسألة حتى تتركها وتنتقل الى أخرى ، وشكه هذا يذكرنا بشك الغزالي ، وتشاؤمه هو تشاؤم أبى العلاء المعرى كما يتضح ذلك من مقال نشره المسعدى بالفكر عدد فيفري 1968 تحت عنوان : " أبو العلاء فيما بينك وبين نفسك " .
فأبو هريرة قد استبدت به مشاكل العصر وقضاياه ، فوعاها بعمق ، الشئ الذي جعله يرزح تحت مشاكل وجودية ، ومعذبا بتبدلات نفسيته الحادة.
وزاد من اضطراب نفسيته ضيقه بطبيعته البشرية ، التى كان كثيرا ما يقع فى شباكها . . مما جعله يحاول الانسلاخ عن بشريته كغيره من أبطال المسعدى . . محاولا أثناء ذلك الاجتياز الى عالم التعقل والمثال . ( انظر: مشكلة المعرفة في حكمة القدماء وفلسفة المحدثين - المباحث - أفريل 1944 ) ففين "حديث القيامة " نحده يخوض احدى التجارب مع الجارية ريحانة أثناء حفل أقامه في ضبعته بين فتيان وفتيات عراة . ثم نجد ريحانة ترقص لاعبة بالنار رقصة إباحية ، والنار هنا رمز لاشتعال الغريزة الجنسية ، واضطرام الشهوة...وتنتهي القصة بمأساة أبى هريرة اذ يحرق منزله ، وتموت زوجته بالصاعقة . ( حديث القيامة : المباحث عدد 5 - أوت 1944 ) . وفي "يحديث الغيبة" يهرب أبو هريرة إلى دير العذارى ، ليكفر عن سيئاته، وينسي الدنيا ومشاغلها ، ويتطهر من ذنوبه ، ويتغلب على نفسه ونوازعها، لكنه يدخل في مسرحية غرامية مع "ظلمة " الراهبة التى أتته لتعلمه طقوس الرهبنة . فيشعر بفشله وينزل معها أرضا . وفى " حديث البعث الاول" يفشل صاحب أبي دريرة فى مقاومة نفسه فيترك الصلاة ويختار جارية جميلة ويغيب بلا رجعة .
فأبطال المسعدى يتخبطون بين وجودين : وجود أرضى تأبى النفس البشرية خلاله الا أن تتمرغ فى أوحاله وأدرانه ، وتشبع نهمها من سحره المحرم الغامض . وبين وجود مطلق ، يحاول هؤلاء الابطال أن يتساموا فيه على غرائزهم وخصائصهم البشرية ، كي يقتربوا من الذات العليا بالتصوف والعبادات ومغالبة النفس .
ولعل انقسام ابطال المسعدى بين هذين الوجودين ، وتشتت نفسياتهم بين الاعل والاسفل ، وتخبطهم بين الادنى والمثال ، هو الذي أضفى على كتابات
المسعدى تلك النغمة الشعرية الحزينة ، البعيدة الغور . . . وهو الذى جعل أبطاله يحاولون التطهر من الذنوب ، والتخلص من الرخاوة والطراوة ، وذلك بالاحتراق فى النار ، والاستلقاء فى الشمس كما يتضح ذلك من رواية "السد". ثم هذا الانقسام بين المثالية والشهوانية هو ما يحقق فيهم صفة قارة نجدها فى كل نفس انسانية ، هى صفة التناقض والتردد بين الطهارة والدنس ، وهذا ما يجعل البطل الواحد خلاصة أبطال . .
ومأساة أبطال المسعدى منحصرة على هذا الاساس فى ترددهم بين " الالوهية والحيوانية " أو " بين التوق الى اللامحدود ، وبين الانزلاق الى أعماق الدرك والمادة " وكذلك تتمثل مأساتهم في شعورهم بالعجز أمام الحياة والموت والقضاء والقدر ، والآلهة وإغراء النفس .
لذلك كان الفشل يلاحقهم على الدوام . فأبو هريرة فر إلى اللذة فخاب ، وفر الى الكثرة فخاب ، وفر الى الدين فخاب . وغيلان أراد أن يتحدى الآلهة ونبى القبيله ببنائه للسد ، ولكنه خاب . ومدين فى مولد النسيان يحاول أن يحطم الزمان - هذه الرحي الدائمة الطحن - حتى يستطيع أن ينسى الماضي، الذي ينخر روحه وذلك باستعمال دواء " النسيان " ولكنه لا يفلح .
ولكن هؤلاء الأبطال رغم خيباتهم المتلاحقة ، فانهم ينهزمون ولا ينسحقون ، يفشلون ولا يستسلمون مما يجعلنا نفكر فى صورة الانسان عند المسعدى، وتشابهها مع صورة الانسان عند نيتشة .
ورغم صمود الابطال عند المسعدى ، فانهم يمكثون متعذبين نفسيا ، عائشين حياة الوجدان بما فيها من اضطراب العاطفة وتمزق الاحساس . لانهم محبون عشاقون . ينشدون اللذة ، فيقبلون عليها ، وما أن يرشفوا من معينها ، حتى يحجموا عنها خوفاً من العذاب وهروباً من تبكيت الضمير ..
وهم يتعذبون نفسيا لان طموحهم يتعدى حدود الواقع ، والامكانيات البشرية . فأبو هريرة يحاول أن يذوب في المطلق بلا جدوى .
وغيلان يريد أن يخضع الآلهة اخضاعاً لمشيئته ، ويحبل الارض خصبا بمياه السد ولكنه لم يصل .
وظلمة الهذلية تريد أن تقتل الشهوة في نفسها وتخلص للعبادة ، لكنها لا تستطيع.
وأبو هريرة يحاول أن يجمع الأقوام المتقاتلة فى ظل الاخوة والوئام ، ولكنه لا يتوصل إلى ذلك .
فمصدر عذاب هؤلاء الابطال هو أنهم يحملون بذرة العظمة فى ذاتهم . وهذه العظمة كثراً ما تجعلهم يصطدمون بصخرة الواقع ، فيتألمون فى صمت ، شأن ذلك شأن أبي هريرة عندما كان يقص على كهلان . خبر أصحابه الستة الذين لحقوا به فى الصحراء .
فألمهم هو مزيج من الكبرياء الجريح ، والعظمة المكلومة ، التى لم تستطع أن تصل إلى منتهى الطموح الذى يناسبها ... وكثيرا ما بدت البطلات في أقاصيص المسعدى ممثلات لدور الضعف فى الانسان.
فميمونة في السد تبدو متشككة فيما سيقوم به غيلان ، لانها تعلم أنه لا يستطيع التغلب على صاهباء ، لذلك فهي لا تشاطره رأيه فى تمرده على الآلهة، فتحاول ايقاظ ضميره ، وابعاده عن مراده ، واخماد جذوة الطموح فى نفسه .
وغالبا ما نجد هؤلاء الابطال يتخبطون فى أجواء غائمة ، يغشيها لون ضبابى حزين ، يعكس على نفس القارىء صورة من الحياة شبيهة بالحلم ، تحوى ألوانا كثيرة ممتزجة ، وتتضمن نغمة حزينة محببة الى النفس . وهذه الاجواء أما أن تكون وثنية مفعمة باللذة والشهوة كما هو الحال فى " حديث القيامة " أو صوفية مملوءة بالصراع النفسي نتيجة انقسام البطل بين بشريته ونزعة الايمان فى ذاته ، كما هو الشأن فى " حديث الغيبة " و " حديث البعث الاول " او جو مملوء بالهواتف ، وتسيطر عليه الآلهة كما هو الحال فى " السد " . ولئن فرقت بين هؤلاء الابطال مشاكلهم المتباينة ، وأجواؤهم المتناقضة ، فهم يلتقون جميعا فى نقطة واحدة هى : البحث عن الحقيقة .
فأبو هريرة رغم أنه دخل دير العذارى ليغتسل من ذنوبه ، ويرتمي فى أحضان الايمان لتطمئن نفسه ، الا أن شيئاً من هذا لم يكن ، بل كان حتى داخل الدير يتساءل فى حيرة وقلق قائلا : " أريد أن أعرف هل أنا خالق الله ، أم الله خالقى ؟؟ " ) ( الفكر - 1956/3/6 ) ، ومدين فى " مولد النسيان " تستبد به الحيرة عندما يحاول معرفة حقيقة الموت . ويلح عليه من أجل ذلك الشعور بالزمن الحاحاً .
وهذه الحيرة تدفع بالشخصيات إلى البحث عن حقيقة أخرى أعمق من الحقيقة الحاصلة بالحس . فيحاولون من أجل ذلك النفاذ وراء الاشياء الظاهرة
بالحدس والوجدان . وبالاتحاد الفكرى اتحادا تاما معها . لان من خصائص هؤلاء الابطال ، أنهم يطمعون فى المحال ، وينزعون الى المستحيل ، وهذا ما يحقق فيهم صفة الكمال . . . ولعل تأثر المسعدى بتشاؤم المعرى ، ومحاولة قتله للنفس وبحيرة الغزالي وبحثه عن الحقيقة ، وبزهادة أبي العتاهية وعزوفه عن الدنيا . كما يظهر ذلك من مقالات نشرها فى مجلة " المباحث " بعنوان: " أبو العلاء فيما بينك وبين نفسك " ومقال آخر بعنوان : " أبو العتاهبة كما يراه صاحب الاغاني " 1945 جعل الابطال يحسون فى أعمق أعماقهم بوجود حجاب يغشى بينهم وبين الحقيقة ، مما عمق فى نفوسهم جذور المأساة . وهم يشابهون فى مأساتهم هذه وصراعهم مع قوى النفس ، ونزوعهم الدائم الى الطهارة مأساة جهاد الصوفيين الذين يحاولون هتك الحجاب ، الذي يرفع عن بصائر الاولياء ، والنفاذ الى ما وراءه . .
والالم الحاصل لهم من صراعهم مع طبيعتهم ومع مشاكل الحياة التى يعترضونها فى عالمهم ، شحذ طبائعهم ، ورقق نفوسهم ، وجعلهم أقرب إلى الارواح الممتازة باللطف ، رغم ما ينغمسون فيه من حين الى حين من لذة وشهوة عارمة .
إلا أننا لو التمسنا طريقة الحوار بين هؤلاء الابطال ، فاننا نظفر بتعابير فلسفية ، هى من وضع الكاتب ، قد فرضها على أبطاله فرضاً ، فلم يتركهم بذلك - فى بعض الاحيان - ينطقون على سجيتهم ، لانه تريد أن يعبر بواسطتهم عن رأيه فى الموت والحياة .
فهذه الجارية ريحانة تتكلم بلغة " كانت " وتخمين " أفلاطون " وهي المرأة التى احترقت بالشهوة وذابت فى اللذة . تقول فى حديث القيامة قبل أن تقوم للرقص حول النار : " يثقل الكون اذا هم أن يكون " .
ويقول آخر بطريقة إعتباطية إصطنعها الكاتب : " ولو لم يكن قبيل خلقه ثقيلاً مرهقاً لما خلق " .
فيقول أبو دريرة وهو الرجل المتواضع الثقافة حسبما يبدو من خلال الاقاصيص (يتجلى ذلك من تعليم ظلمة الهذلية اياه طقوس العبادة ) يقول " لقد كان حينئذ كالالحان قبل الضرب ، وليس أبدع من الاوتارتجس " نلاحظ هنا اذن أن الابطال فى حوارهم يتكلمون رغماً عنهم ، لأن الكاتب يريد
أن يحملهم آراءه . لذلك فهم لا يشابهون أبطال الدوجاعي في خفة نكاتهم ، وحضور بديهتهم ، وسلاسة حوارهم ، وحبكته ، وابتعاده عن الكلفة . فالدوعاجي يغرق البطل فى واقع الحياة الملموس،ولكن المسعدى نجده على عكس ذلك ، يغرق أبطاله فى عالم من الافكار المجردة ومشاكل وجودية معقدة . الشئ الذي يجعلهم يعانون ارهاصات نفسية حادة وإنقساماً ذاتياً عنيفاً .
لهذا وحده كان البطل عند الدوعاجى يراقب الحياة عن كثب ، ويسجل إحداثها بعين يقظي . . .
بينما البطل عند المسعدى لاستغراقه فى مشاكل وجودية ، وتهويمات ميتافزقية قد إنكفأ داخل نفسه ، وغاص فى أعماقه ليفتش عن جوهر ذاته . فكان من ثمة لا يخلو من غفلة عن مشاكل الناس وهمومهم ، ولا من أهمال لواقع حياتهم .

