الطور الثالث () - عمر بن عثمان 2 -
نعم كنت أحس بذلك فى نبضى.... فى عروقى..... فى احشائى . . لكنى كنت أصرف النفس الى السلوى والوهم والنسيان . . إنى خائف لانى لا أثق بشئ ولا أهتدى الى شىء . ولا استقر على شىء وعندما اختلى بنفسى فى الجبل أشعر بفداحة ما افعل فأهيم على وجهى أياما وأجرى حتى تدمي قدماى فاذا بى شخص آخر واذا بي أنسى واذا بي آس لنفسى بعد أن كانت تفزعني .
( عمر بن عثمان قابع وسط فضاء شاسع قفر ( يحلم ) هو جامد نظره ثابت بتأمل المدى عليه ثوب خشن وبيده عصا طويلة وقفت زينب بعيدا عنه عيناها الى حيث ينظر عمر )
زينب : هل أصبت هدفا ؟ عمر : لا هدف لى إنما أنا انسى وفى النسيان زوالى زينب : وهل ترضى ربك بذلك ؟ عمر : اني علمت انه لا فلاح لى على أرض البشر ولا خلاص لى الا فى الفناء زينب : ان الفناء فى الجهاد هو الفناء الحق عمر : اني عليم بان البشر عاق وان الجهاد بينهم عبث وان التعلق بالدنيا وهم . زينب : ( بحدة ) بأية صفة أنت تجادل الله فى مسعى مخلوقاته .
عمر: بصفة التعبد اللائذ من الشر المنقطع الى السلوى الطالب للاطمئنان زينب : ان الاطمئنان مستحيل . انا خلقنا لكى نخلق لا لنموت احياء . فى ذلك ألوهيتنا . ان اطمئنانك انانية وسلواك هروب
عمر : ( بغضب ) من اعطاك مثل هذا اليقين ؟ زينب : احساسي باني مخلوقة ناقصة قدت من ماء وطين عمر : ابتعدى عني لست من طينتك زينب: إبدا . اني انتظر صحوك منذ زمن طويل . . مند قرون وانى موقنة بقرب تلك الساعة (يقف ويتنقل فوق الركح بتوتر ) عمر : دعيني وشأنى انى اطلب حاجة لا تعرفينها زينب : انها وليدة عجز عن تحقيق ذاتك ومحض وهم صنعه كبرياؤك الاخرق ألا تحدث أصوات الألم فى نفسك وقعا ؟
عمر : لا زينب : ألا تستهويك المعرفة ؟ (يعلو التوتر بينهما ) عمر : لا . زينب : ألا يثيرك الظلم والجبروت . . ؟ عمر : لا . ( يدور عمر حول نفسه بتشنج ) زينب: ألا يهر شغاف قلبك صراخ مولود يبعث الامل فى النفس الكابية يخلد أترك بين الناس ويحمل عنك مشعل الحياة ؟ .
عمر : ( بعصبية ) لا . . زينب : الا بثيرك حرث الارض وانطاقها وتفجير أرحامها ( تشد على بطنها ) عمر : لا ...لا....لا( يجرى نحوها يلتقيان وسط الركح يتعانقان بعنف لحظة . ينفصل عنها ويدفعها الى الخلف ) ابتعدى عنى انك الشيطان زينب : لا انا نصفك الذي لا كمال لك الا به . . انا مصدر قوتك ، فحولتك وكبر بائك . انا الارض التى منها ينبعث كل كائن حى ، أنا أنت وانت أنا .
( يتصاعد التوتر ) عمر : لا انت الرغبة الآثمة والدعوة الى الفجور زينب : انا التربة القحلاء التى تنتظر إمطارك (يدور عمر حول نفسه وكانه فى قفص تلاحقه زينب ) أنا الحق الذى اغتصبوه منك ولم تثر . انا الشعب الذى انتهكه الغزاة واستعبده الطغاة واستباحه القراصنة ولم تثر . انا الكيان المقوض والصوت المكبوت والرحم الناضب ولم تثر (تخرج بندقية من بين طيات ثيابها وتمدها اليه )
انا الارض التى امتلكها اولاد حسين كما يمتلكون الجوارى وقدموها للدخلاء فاغتصبت ( تصرخ بكل قواها ) انا الثورة . ( تمد اليه البندقية يتردد فى اخذها ثم يفتكها منها بعنف يرفعها فى الهواء ويصرخ بكل قواه ) عمر لك الان ان تختار بين فضاء قاحل لا صدى فيه سوى صدى نفسك الشاردة وارض تدعوك اليها فانت منها واليها تعود (يتجمد عمر بن عثمان ، تمر لحظة صمت عميقة ) ( عمر يدور حول نفسه يبدو عليه الاضطراب ) عمر . إذا لم تنزل اليوم من الجبل وتحمل البندقية فان كل طلبك لله خذلان وجبن وحقارة ( عمر دائم الاضطراب يقلب البندقية بين يديه )
عمر : ( بصوت خافت ) لماذا لا تقام العدالة الا بحد السيف ؟ لماذا كل هذا التاريخ الملطخ بالدم ؟ لماذا وجب أن يقتل الانسان ليحيا وان يقتل ليحيا الاخرون ؟ لماذا يجب ان يكون هناك دوما قاتل ومقتول غنى وفقير ظالم ومظلوم ؟
ما هي الدنيا حتى يتكالب عليها البشر فهم فيها كالحيوانات الضارية يأكل فيها القوى الضعيف انى لا ارى لها من سنة الا الزوال وما هو الانسان حتى يتعاظم على ربه فيجور ويفسق وينهب ولا يشبع انى لا ارى له من مصدر الا الماء والطين ومن مآل الا الفناء .
زينب : يجب يا عمر ان نحقق توازن الذات ان يكون الانسان فى الآن نفسه لربه وللاخرين ولذاته فيحيا ليبدع ويبدع ليغير ويغير ليكون بحق خليفة الله فى الارض .
عمر : لقد علمت ان الله حكيم فى تقديره للأشياء عادل فى منسيته عليم بما فى الانسان من نقص . زينب : الكل يبتدئ منا فالله فى نفوسنا عمر : ولكن لماذا اخترتموني انا بالذات زينب : ولماذا لا تكون أنت بالذات ؟
عمر : لانى لست الاها . زينب : لا جود للانسان الاله هناك الانسان وكفى . كن انسانا شاعرا بقدرتك عارفا لحدودك واضح الرؤية عميق الجذور فى الارض وثيق الصلة بالناس . الاهالى لا ينتظرون منك الآن ان تحيل لهم الهشيم ذهبا وتفجر لهم الماء من الصخر او ان تفتح لهم ابواب السماء انهم فى حاجة الى شئ اخر .
عمر : ما هو يا زينب اخبريني . . ؟ زينب : هو ان يستيقظوا ذات صباح ويقولوا : ان هذا العالم جائز والضعف الذى فى نفوسنا وهم وانا لثائرون عليهما عمر : كل الثورات التى حملت هذه الرايات آلت فى النهاية الى الفشل وذهبت هباء منثورا
زينب : لانك لم تحمل مشعلها يا عمر وتذكى لهبها عبر الزمن الثورة استمرار ابدى فعل لا يكل سلسلة متصلة لا انفصام فيها ولا نهاية لها عمر : والتحرية والماضى وكل الذين فشلوا من قبل اليس لنا فى ذلك عظة ؟
زينب : فشل الثائرون ولم تفشل الثورة عمر : انك تؤلمينى بكلامك هذا يا زينب زينب : ايلامي لك واجب لقد كنت طيلة قرون متتالية مصدر العجز والخذلان والكبت الذى يتخبط فيه اهالى هذه البلاد . عمر : أنا مذنب الى هذا الحد ولا اعلم لكنى برئ . زينب : لا أحد برئ يا عمر كلنا مسؤول عن كل شئ . عمر : كنت اتوق الى المعرفة الكبرى .
زينب : فاعرضت عن انسانيتك وتقت الى ذاتك المفردة عمر : إذا كان طلب الله مستعصيا بالخلود الى ذاتى والاعراض عن الدنيا فاين اذن وجهتى الى الله يا زينب ؟ زينب : انها الان فى ذبابة البندقية التى بين يديك ( يقلب عمر البندقية التى بين يديه ويتأمل ثوبه الخشن ينظر طويلا الى الجمهور . ثم يمزق ثوبه بعنف ) عمر : اليوم اهبط الارض .
الراوى : بطبيعة الحال لم يكن عمر بن عثمان كما رواه لنا التاريخ من الشجاعة والمعرفة بحيث يقدم على النزول من الجبل ويستجيب لنداء الارض . انما الانسان يحلم والحلم يعوض ما تفتقده النفس وما تعجز عنه
الطور الرابع - محاكمة عمر بن عثمان - 1 -
(مجلس لجمع من اهل الحل والعقد . عمر بن عثمان موتوق اليدين والرجلين . مصورون يلتقطون له صورا . عمر بن عثمان يحاول اخفاء وجهه )
عضو 1 : أخيرا ها أن الفار يقع فى المصيدة ليلقى جزاء ما صنعت يداه وما نطق به لسانه . ان الرجل الماثل أمامكم الآن يا أصحاب الفضل والسماحة الذي يدعى فى الدين صلاحا وتقوى ارتكب جرما لا يمكن ان تخفى خطورته ، عن كل ذى عينين . فقد حرض باسم الدين الذى هو من مشمولات نظر اصحاب السماحة ، طائفة من العامة لا وازع الايمان يحدوها ولا سلطان العقل يحكمها على الهجوم على منزل أحد السادة المعمرين وقتل ما فيه وحمل ما تبقى من الاحياء على تلاوة الشهادة محاولة منهم لادخالهم فى رحاب السلام ومتى كان الناس ايها السادة يدخلون ديننا قهرا وجبرا
انه أمر علاوة على انه يتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف يعتبر لا فقط مروقا عن منزلته كواحد من الرعايا عليه واجب الولاء لحضرتنا العليه بل يعتبر ايضا تطلعا سافرا لصلوحيات موكولة الى سلطتنا الدينية الموقرة التى جعلت لتكون بين ايدى من هيئوا لها معرفة ووراثة واستحقاقا
هذا . . يا اصحاب الفضل والسماحة الى جانب جريمة اخرى لا تقل عن هذه فظاعة وشناعة واعني بها سفك دماء رجال اصبحوا يقتسمون معنا الخبز الماء فعلينا اذن واجب التعايش معهم فى كنف الاخاء والتعاون والحوار عضو 2 : " إذا كان الحافز الاول لهذه الحركة المقيته حافزا دينيا واذا حكم على رأس الفتنة هذا بالاعدام فان واجبى كمسلم مثالي يملى على أن أطلب قطع رأسه بيدى " ( 1 ).
عضو 3 : ما الذى حدا بهذه الطائفة من الاهالى الى الاقدام على هذا الصنيع الهحين فى اخلاقنا الاسلامية السمحاء ؟ صحيح ان حالة الاقتصاد فى البلاد تستدعى القيام باعمال سريعة لتحسينها وانقاذ بعض الفئات في عدد من المناطق من الجوع والفاقه لكننا كما تعلمون ايها السادة ما فتئنا نقوم بمساع حثيثة ومتكررة لاشعار الاقامة العامة الفرنسياوية بذلك حتى تتفضل وتنظر فى امكانية تمكين الاهالى من لتعليم المفني والتجارى والفلاحي وتكوين اليد العاملة المحلية والمحافظة علمها
عضو 4 :ثم اننا بادرنا من جهتنا بالتوسيع فى مبنى التكية التى هى مفتوحة امام كل الاهالى بلا استثناء حيث يأكلون ويشربون وينامون . عضو 5 : وحتى اذا ماتوا فاننا نتكفل بدفنهم مجانا لوجه الله تعالى عضو 4 : فاذا كفروا بكل هذه النعمة وتجاهلوا عملنا لصالحهم فان القوة هى وحدها الكفيلة بارجاعهم الى الجادة وفتح بصائرهم
عضو 6 : لو نتعرف ايها السادة الافاضل على مدى صحة الاقوال الرائجة ومفادها - والله اعلم - ان هؤلاء المشاغبين وعلى رأسهم هذا اللعين رأس الفنتة انها قاموا بفعلتهم محاولة منهم للثورة على نظام الحماية الذي يدعون انه مسؤول عن كل ما لحق البلاد من امراض . عضو 1 : من فضلكم هذا خروج عن الموضوع . ! لنعد الى صلب الموضوع ! ! قلنا ان الادلة التى بين ايدينا تثبت كلها التهمة الموجهة الى هذا
الولى الدعى ولهذا حق عليه العقاب الصارم الذى تمليه المصلحة العليا للبلاد وسلامتها وامنها .
وقبل ان اخذ رأيكم نمكن المتهم اذا سمحتم ايها السادة الافاضل من حق التعبير عن رأيه اذا كان له بطبيعة الحال رأى منه حشد من الحراس ويوجهون فوهات بنادقهم الى رأسه )
عمر بن عثمان : ( ضارعا ) انى برئ ، انى برئ اني برئ .....انى برئ عضو 2 : ( يقف ويتقدم نحوه ) من نصبك وليا فى عزلة بلاد الفراشيش لتقوم برسالة هداية انت جاهل لها دخيل عليها عابث بها تكلم
عمر بن عثمان : لست وليا ولم ادع والله ذلك انا رجل فقير مسكين ضعيف لا أفقه من شؤون الدين والدنيا شيئا ثم
عضو 3 : ثم ماذا ؟ هيا عبر عن مشاعرك الحقيقية ونواياك الخفية ؟ عمر بن عثمان : اني اشعر والله بالسعادة وب....فرحة الحياة نعم . فرحة الحياة (يحاول الضحك )
عضو 3 : اذن . . ماذا تفعل هنا ، فى هذه القاعة مكبلا بالسلاسل ، وعلى وجهك سيماء المذنبين المارقين النزقين عمر بن عثمان : انه خطأ لم أع بعد كيف حصل
عضو 3 : خطأ خطأ اسمعتم ايها السادة يقول خطأ اى انك تقدح فى حكمة سلطتنا وفى رجاجة عقلنا وسلامة عدلنا عمر بن عثمان : لا . .لا المعذرة المغفرة لم اقصد ذلك
عضو 4 : لا . . قصدت ذلك عمر بن عثمان : نعم لا أوه أردت أن أقول . عضو 4 : ماذا اردت أن تقول تكلم . عمر بن عثمان : اننى مخطئ نعم مخطئ عضو 5 : ومن ادراك بانك مخطئ ومن ادراك بانك على حق نحن
القانون نحن العدالة . الحقيقة عندنا . عمر : صحيح...نعم.. لست مخطئا لا . . لست بريئا . . لا مخطى برئ . لا افهم لا افهم ( يسقط على ركبتيه ) عضو 1 : بعد الاستماع الى هذه الاعترافات الواضحة التى لا غبار عليها ولا لبس فيها ما هو رأى السادة الافاضل . . ( يخاطب الحاضرين )
ما هو رأى سيدى الشيخ ؟ عضو 2 : رأى هو رأيكم عضو 1 : وما هو رأى سيدى الشيخ ؛ عضو 3 : رأيكم هو عين الصواب عضو 1 : وما هو سيدى الشيخ عضو 4 : رأيكم هو الشافى العافى عضو 1 : وما هو رأى سيدى الشيخ
عضو 5 : رأيكم هو عين الحقيقة عضو 1 : اذن . . بعد هذا النظر المتفحص الدقيق فى كل جوانب القضية وبعد هذا الاستنطاق الصريح الذي جرى أمام ممثلى الرأى العام بمعزل عن أى ضغط نطلب من العدالة ان تقول كلمتها المنصفة
( يتبع )

