الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

الشنفرى و الصعلكة فى لامتيه

Share

سأتتناول في هذه المقالة الشنفرى الشاعر الجاهلى ، وبعض ما حاول ادبنا الحديث أن يخصص من صفحاته لدراسة هذا الشاعر وشعره ، ثم التعريف بالصعلكة كتيار اجتماعي وجد فى العصر الجاهلى ، ثم لاميته التى اشتهرت بلامية العرب ، ومقدار ما رسمت بين سطورها من ملامح لحركة الصعلكة التى كان الشنفرى أحد روادها الطليعيين.

الشنفرى هو ثابت بن اوس الاردى ينتسب الى الاواس بن حجر بن هنو الازدى على الارجح ، ولم تذكر لنا الاخبار شيئا عن سبب تسميته بالشنفرى ، الا ان الاستاذ أحمد امين يحاول تعليل لفظة الشنفرى بما دلت عليه الفاظ الشجاعة والسلب والنهب ، ويقول ان من معانيها الغليظ الشفتين . الا اننى اميل الى تعليل هذه اللفظة وتسمية الشنفرى بها بخروجه على قومه ، بعد ان امتلأ قلبه بغضا لهم وغضبا عليهم ، اذ ان كثيرا من مشتقاتها يدل على ما أذهب اليه . . فقد جاء فى القاموس : الشنفيرة : نشاط الناقة وحدتها ، الشنفارة : الرجل السئ الخلق ، وفى تهذيب الصحاح الشنفرى بالتحريك : البغض ، تقول شنفت له بالكسر : ابغضته .

أما عن طفولة هذا الشاعر ، فلا نكاد نستبين منها شيئا اذا رحنا ننقب فى كتب الأخبار ، او نستطلعها ، فهي غامضة لانكاد نعرف عنها شيئا ، كذلك نشأته وصباء ، الا ما تذكر الاغاني من أنه أسر وهو غلام

من قبل بنى شبانة ، وانهم ابدلوه بأسير لهم عند بنى سلامان ، فأقام بينهم يرعى الماشية ، والاخبار التى تذكرها الاغاني عن سيرته مضطربة اشد الاضطراب ، لا تكاد تدل على شئ ، وهى تدور فى معظمها على الكيفية التى قضى بها نحبه ، على يد أسيد بن جابر الفهمى ، وكان الشنفرى قد قتل خلقا كثيرا من فهم والازد .

الا ان سيرته وأخباره تكاد تسير نحو الوضوح حين يدخل الصعلكة من بابها الكبير ، ويصبح علما من اعلامها . فتروى الاغاني عن سبب صعلكته خبرا مفاده ان ابنة الرجل الذى كان عنده ، وهو اسير في بني سلامان ، قد نازعته يوما ، وكان والدها قد اتخذه ولدا له ، فقال لها الشنفرى : أغسلى رأسى يا أخية ، فأنكرت ان يكون اخاها ، ولطمته ، فقال شعرا يفتخر فيه بنفسه ، وأقسم الايمان ليردن الصاع صاعين ، وبذلك كان اول صعلكته .

الا ان مقدمة لاميته تدل على ما يكاد يناقض هذا ، فهو لم يؤسر وانما تعقدت الامور بينه وبين قومه الاواس ، فداخلة البغض لهم ، بعد ان رأى الحياة الاجتماعية الزائفة المائلة التى يعيشون فيها ، فعزم على هجرانهم ومغادرتهم الى قوم سواهم وهو ينصحهم باصلاح ذات بينهم ، فقد انكشف أمرهم ، كما يكشف القمر الظلماء ، يقول :

اقيموا بني أمي صدور مطيكم

         فانى إلى قوم سواكم لأميل

فقد حمت الحاجات والليل مقمر

وشدت لطيات مطايا وارحل

وفي الارض منأى للكريم عن الأذى

وفيها لمن خاف القلى متعزل

ومهما يكن من شئ فان الشنفرى أصبح صعلوكا من صعاليك العرب بخروجه على قومه ، لهذا السبب أو ذاك .

الشنفرى اذن الشعراء الصعاليك ، وشعره الذى وصلنا يندرج جميعه تحت الشعر الذي يمثل هذا التيار ، والذي سأتحدث عنه بعد قليل ، اذ لم ترو لنا الاخبار شعرا للشنفرى قبل ان يصبح صعلوكا .

وقد توفرت الدراسات على شعر الصعلكة في عصرنا الحديث ، الا ان ما أصاب شاعرنا وشعره منها قليل وسطحى ، لم يحاول التعمق فيه بالمقدار الذى يستحقه ذلك انه لم يزد على كونه شيئا عابرا فى سياق الحديث عن شعر الصعلكة وشعرائها وحتى الآن لم نجد بحثا كاملا وافيا عن الشنفرى وشعره ، سوى الكتاب الذي أصدره فؤاد افرام البستاني في سلسلة الروائع تحت رقم ( ٢ ) وسماه (( الشنفرى )) ومادة هذا الكتاب لم تزد عن التعريف بالشاعر وأدبه ، ولم يقصد منه تلك الدراسة الجادة التى من اهدافها اثراء البحث الادبي والمكتبة الأدبية بالجيد النفيس . وقد نشر ديوانه قبل سنوات ، ونشر الاستاذ فؤاد حسنين مقالتين عن لاميته ، احداهما في مجلة الثقافة بالعدد ٢٥٥ ، عام ١٩٤٣ م ، والثانية فى مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة بالعدد الاول عام ١٩٤٨ . الا ان احدث دراسة لهذه اللامية هى التى جاءت ضمن كتاب ( اللاميتان ) للاستاذ مبد المعين الملوحى ،

الذى صدر فى أوائل العام الماضى ، والذى تحدث فيه عن لامية العجم للطغرائى ، بجانب لامية الشنفرى هذه.

وقد جاء الحديث عن الشنفرى وأدبه فى كثير من كتب الادب العامة ، منهما كتاب ( تاريخ آداب اللغة العربية ) لجرجى زيدان الذى صدر ١٩١١ م ، وكتاب ( أدباء العرب فى الجاهلية وصدر (( الاسلام )) لبطرس البستانى الذى صدر ١٩٤٤ م ، ولكن أهم هذه الكتب العامة التى تحدثت عن الشنفرى هو كتاب ( الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلى ) ليوسف خليف ، الذى صدر ١٩٥٩ م ، وقد أجاد ونجح المؤلف في دراسة الحياة والبيئة الاجتماعية من خلال شعر هؤلاء الشعراء ، وأهم من تكلم عنهم من الشعراء كممثلين لحياة الصعالكة هما : الشنفرى ، وعروة بن الورد .

ان شعر الشنفرى ، كبقية شعر الصعاليك ، من الناحية الفنية ، يتميز ببروز الشخصية الذاتية للشاعر العربى فى عصر كادت الشخصية القبلية أن تطغى على جل أنواع الشعر المختلفة ، فلا تظهر شخصية الشاعر الا من خلال قبيلته ، أو محوطة بمميزات وصفات هي أدنى الى القبلية منها الى الفردية ، أما شعر الصعاليك ، فقد خطا خطوة تكاد تكون واسعة فى ابراز شخصية الشاعر واظهارها واضحة جلية .

وقد جاءت هذه الذاتية في شعر هؤلاء النفر ، نتيجة عوامل اجتماعية وقبلية أيضا ، فلم يكن لاى منهم قبيلة تحميه ، يلجأ اليها عند الضرورة ، ولا نظام اجتماعي يفتخر به غير نظام الصعلكة ، الذى يتيح لكل أن يعيش على هواه مانحا اياه تلك الحرية ، التى يفتقر اليها الشاعر الجاهلى عامة ، لتوزعه بين أغراض قبيلته .

من هنا ، كما بينت سابقا ، جاء النقص

وعدم العمق فى نتاج أولئك الذين كتبوا عن الشعراء الصعاليك عامة ، الا انه من الحق أن نقول أن فى كتاب الاستاذ يوسف خليف وكتاب الاستاذ نورى حمودى القيسى ( الفروسية فى الشعر الجاهلى ) لمحات نافذة وتحليلات بارعة ، تومئ الى محاولة جادة في فهم شعر هذا التيار .

أما عن الصعلكة فلغويا معناها الفقر ، وتصعلك رجل أى افتقر ، والصعلوك الفقير ، نجد هذا المعنى في معظم معاجم اللغة كالقاموس ، واللسان ، والاشتقاق ، وتهذيب الصحاح ، والزنجانى .

أما اصطلاحا ، فهى أشبه ما تكون بنظام اجتماعى اعترته بعض السمات الاقتصادية وارتضاه أصحابه ، بعد أن الجأتهم الظروف اليه من اضطهاد العشيرة وضياع الحقوق .

ولا يدخل الرجل الصعلكة الا عن عوز وحاجة ، ورغبة فى اغاثة المكروب . والصعلوك يعيش لغيره ، أكثر مما يعيش لنفسه ، ويبذل كل ما يملك فى سبيل الغير ، وقد أشار الى هذا عروة بقوله :

أقسم جسمى فى جسوم كثيرة

                   وأحسو قراح الماء والماء بارد

والحق انها كانت . كما يقول بعضهم : ردة فعل لبعض ما كان يسود المجتمع العربى الجاهلى من عادات ذميمة ، كالبخل والتقتير والشح ، وعدم نجدة المكروب ، واغاثة الملهوف ، فقد كان يجتمع أهل هذه الجماعة ويغيرون فيلبون وينهبون فى وضح النهار والليل على السواء ، ثم يعودون ليتوزعوا فيما بينهم وبين الفقراء والمعوزين ما غنموه .

الا أن مفهوم لفظة (( الصعلكة )) قد تطور هذه الأيام ، ليدل على الخسة والدناءة ووضاعة القدر ، وأصبح البعض يخلطون

بينها وبين الكدية ، وفرق بين الاثنتين كبير ، فالصعلكة هى بسط اليد قوية وعزيزة ، وكأنها تطلب حقا ضائعا ، لذلك سمى الصعاليك بذؤبان العرب (( لانهم كانوا يختطفون المال كما تختطفه الذئاب )) وسموا العدائين (( لانهم كانوا مشهورين بسرعة العدو فى السلب والنهب ، ولكن كانوا مع فقرهم نبلاء )) . وأما الكدية فهي المسكنة والمهانة فى بسط اليد رجاء العطاء أو ردها منكسرة ذليلة . وكم من ألفاظ ومعان انداحت عن مغزاها الاصلى ، واتحرفت الى وجهات وتفسيرات مغايرة ما كانت لتخطر للاقدمين على بال .

لقد كان لحركة الصعلكة أغراض نبيلة في مجتمع انعدمت فيه العدالة ، حيث القوة تحقق كل شئ ، والضعف سبيل فقدان كل شئ ، وطبعي في مجتمع هذه أهم مقوماته أن يقع الظلم على الضعيف ، فيهان ويؤخذ ماله ، ولا حول له يستطيع به رد اعتباره وكرامته وماله ، فآل الى الفقر والحاجه لقد وجد بين هؤلاء الفقراء المهضومة حقوقهم . من اتصف بنفسية حساسة ، أحست بالظلم والضعف ، وعرفت أسبابهما ، فرات أن لا خلاص من كل هذا الا التكتل فى جماعات وأخذ حقوقهم وحقوق أمثالهم بنفس القوة التى يستعملها الظالم والمعتدى ، ولم ترو لنا الاخبار غزوة لهؤلاء على جواد كريم ، أو عدل حكيم ، بل كانت غزواتهم على البخلاء الذين جمعوا المال بالطرق الملتوية ، والوسائل الوضيعة والظالمين الذين غرتهم قوتهم ، فهضموا الناس حقوقهم .

وكان لحركة الصعلكة واصحابها تقدير كبير فى الحياة العربية الجاهلية والاسلامية ، فقد تمنى كثير من أشراف العرب أن يكونوا أبناء أو اصهارا لهؤلاء الصعاليك ، فقد روى أن معاوية تمنى لو يصاهر عروة بن الورد ،

أو عروة الصعاليك كما كانوا يسمونه ، وتمنى عبد الملك بن مروان أن يكون ابنا له .

وقد انتهت حركت الصعلكة هذه مع ظهور الاسلام واستقرار أهله ، وذلك ، فيما أعتقد وغيرى ، راجع لسببين مترابطين متشابكين :

أولهما : ديني ، فقد حفق الأسلام العدل والمساواة بين الناس ، فكلهم أمام القانون سواسية ، القوى ضعيف حتى يؤخذ منه الحق ، والضعيف قوى حتى يعود اليه حقه .

ثانيهما : اقتصادى ، فقد أفاءت الفتوح الاسلامية على العرب والمسلمين الخيرات والثروات الطائلة ، مما جعلهم فى غنى عن هذه الغزوات والغارات ، كل له نصيب محدد من العطاء وغنائم الدولة ، فلا غنى ولا فقير ، ولا حاجة ولا فاقة ، حتى ان بعض الخلفاء كان لا يجد من يستحق الزكاة والصدقة .

بعد ذلك أنتقل الى اللامية ، والتى حامت الشكوك حولها ، فمن قائل بأنها للشنفرى ، ومن قائل ان خلف الاحمر هو صاحبها ، ولكنه نحلها الشنفرى لسبب فى نفسه ، ولا يتسع المجال لايراد الروايات ومناقشتها . بل سأعرض لنقطتين فيهما فصل الخطاب بالنسبة لموضوعنا :

أولهما : ان من خصائص الناحل المزيف أن يكون عالما وخبيرا بالأحوال والظروف التى يولد فيها الاصيل ، فعندما أنشأ خلف هذه القصيدة - ان صح ذلك - كان يلم الماما تاما بكامل جوانب حركة الصعلكة هذه ، اذن فلا يطعن فيها تمثيلها لكثير من جوانب هذه الحركة التى سأعرض لبعضها فيما يأتى من الحديث .

ثانيهما : الشك الكبير يراودني في مقدرة

خلف الشعرية ، والا فلم لم تظهر شاعريته ولو مرة واحدة ، ويعرف عنه ذلك .

حقا لقد كان للرواة مكانة وهيبة عند الخلفاء والعلماء ، الا ان الشعراء هم في كل زمان ومكان حلية المجالس الادبية وزينتها ، بما يرددون من نفثاتهم الشعرية ، ثم ان جوائزهم فاقت فى أحيان كثيرة التقدير الذي كان يحظى به هؤلاء الرواة . من هنا فليس غريبا أن يختار خلف مثل هذه القصيدة السيارة ، وينحلها نفسه طمعا فى الجوائز والعطايا .

لقد اشتهرت اللامية فى الاوساط الادبية قديما مما كان سببا فى توافر الشراح عليها قديما كالمبرد والزمخشرى ، ويكفى أن نمر بالقصيدة مرورا عابرا ، لنرى أنها كانت تعبيرا صادقا عن مختلف جوانب حركة الصعلكة ، فهى كما يتضح من اللامية حركة تفرض على أهلها القوة والشجاعة والبطولة ، حركة تفرض عليهم الحركة السريعة والغارة الخاطفة ، لتحقيق اهدافها كاملة ، من اغاثة الجائع وسد عوز المحتاج ، ورد المظالم الى أهلها ، وهي بالتالي حركة عزة واباء نفس وأنفة عربية فى مواجهة الضيم ، فليس بصعلوك ذلك الذى يضطجع حول المواقد ، كالكلب ينتظر لقمة يسد بها رمقه ، فالصعلوك وجهه كضوء الشهاب اللامع المنور كما يقول عروة - ذلك بأنه يربا بنفسه عن مثل هذا ، ولو جعل التراب طعاما له - كما يقول الشنفرى .

ولا تكفى هذه العجالة لاستعراض جميع أبيات اللامية البالغة ثمانية وستين بيتا ، بل سأتوفر على بعض الالواح الواضحية التى ترسمها بعض هذه الابيات لجوانب حركة الصعلكة هذه .

لنقع على هذه الابيات التى تمثل ، فيما

تمثل ، الواجهة الصلدة لحركة الصعلكة فالشجاعة وعدم رهبة الموت كانت شعار هؤلاء الناس ، وما عليهم أن يموتوا بعد ان يحققوا للفقراء والمعوزين والمظلومين حقوقهم ، يقول :

وليلة نحس يصطلى القوس ربها

وأقطعه اللاتى بها يتنبل

دعست على غطش وبغش وصحبتى

سعار وارزيز ووجر وأفكل

فأيمت نسوانا وايت الدة

وعدت كما ابدأت والليل اليل

انظر الى هذه الليلة الباردة كالجليد ، حتى ليهزا فيها صاحب الفوس من قوسه وسهامه ، فيجعلها طعمة لموقده الذى يصطلى به ، الا أن مثل هذه الليلة هى التى تصلح لغارات صاحبنا ونتحقيق أهدافه ومآربه ، ولا يحلو له الطعن والوطء الا فى الظلمة الحالكة ، والمطر المتساقط كالرذاذ الذى تحيا به نفسه . لقد كان فارسنا أشد وطأة من كل هذا ، فأضاف اليه سعار الجوع الذى يكاد يلتهم أحشاءه مما يجعله أشد فتكا ، لقد قام بهذه الغارة وسط هذا الجو المريد حيث القوى الطبيعية والنفسية الغاضبة المضطربة ، فصنع الاعاجيب ، لقد أيم النساء ، وأيتم الأطفال .

لا تسرع قارئي العزيز فتحكم عليه وعلى الصعاليك بحكم قاس ، عندما تراه يفعل مثل هذا بالنساء والاطفال ، وتتساءل : أين مروؤتهم وعزة أنفسهم التى تتكلم عنها ، وهم يفعلون هذا ؟ ! . ولكن رويدا ، ان مجتمعا كهذا ، القوة هى السبيل الى احقاق الحق واقامة العدل ، يكون لا مناص من مثل هذا ، اليس الظالم زوجا وأبا ؟ ! والا فماذا يفعل من يريد ردعه عن ظلمه ؟ !

لقد كانت غارة شديدة ، أذهلت القوم

وجعلتهم فى حيرة من أمرهم ، فالسرعة التى تمت بها العملية ، أعمتهم عن هول ما أصابهم ، فهذا سمع هرير كلب ، وذاك يؤكد أن الهرير قد انتهى بعد لحظات ، وآخر يظن المغير ذئا ، ورابع يؤكد بأنه صقر ، وخامس يشك فى أنه جنى ، اذ ليس في وسع انس أن يقوم بمثل هذا :

فأصبح عني بالغميصاء

فريقان مسؤول وآخر يسأل

فقالوا لقد هرت بليل كلابنا

فقلنا اذئب عس ام عس فرعل ؟

فلم تك الا نباة ثم هومت

فقلنا قطاة ربع أم ربع أجدل ؟

فان يك من جن لأبرح طارقا

وان يك انسا ما كها الانس تفعل

ذلك لوح من حياة هذه الحركة وأهلها ، ولننظر الآن في ألواح أخرى يسمح لها ما بقى من الفراغ .

لقد رأى صاحبنا تفشى الامراض الاجتماعية فى أوساط مجتمعه ، فالظلم وخذلان المستجير وافشاء السر ، وتحقير الشجاعة وانحرافات اخرى كثيرة ، ففضل الخروج الى مجتمع آخر يصون ما يهدره هذا المجتمع ، وأعياه البحث فلم يجد الا مجتمع الغاب الوحش الضارى من ذئب ونمر وضع ، فهؤلاء يحفظون السر ويكتمونه ، ولا يخذلون فردا من أفراد مجتمعهم اذا أتى على جريرة ، ويتركونه وحيدا في الميدان :

لعمرك ما في الارض ضيق على امرئ

سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل

ولى دونكم اهلون سيد عملس

وارقط زهلول وعرفاء جيال

هم الاهل لا مستودع السر ذائع

لديهم ولا الجاني بما جر يخذل

وهو ذو اباء عربي كبير ، لا يقر على

الضيم ، وهو مع هذا الاباء شجاع لا يتاخر في ميدان سباق أو صيد أو قتال :

وكل أبى باسل عير انثى

اذا عرضت أولى الطرائد أبسل

اما إذا اجتمع القوم ، فهو ليس بالمستكره الحديث واللسان ، فاذا ما وضع الاكل كان آخر من تمتد يده اليه :

وان مدت الايدى الى الزاد لم اكن

بأعجلهم اذ أجشع القوم أعجل

وهو حيث ينفى هذه العيوب الاجتماعية عن نفسه فى مشهد آخر ، فهو ينفيها بالتالى عن أهل عصبته التى ينتمى اليها ، ومن هذه العيوب : الجبن ، ومشورة النساء الناقصة ، التى كثيرا ما نجلب الفشل والبوار ، واقامة فى الدار كخالفة المنزل ، مع أهل البيت ، وانشغال بالطيب والدهن ، وغزل ساقط ، وتلكؤ فى السير بين بيوت الحى :

ولا جبا أكهى مرب بعرسه

يطالعها فى شانه كيف يفعل

ولا خالف دارية متغزل

يروح و يغدو داهنا يتكحل

حقا ان الاكبار والاجلال ليدخلان نفسك من بابها الواسع ، وأنت ترى هذا الصبر على الشدائد والمحن ، التى تلم بهؤلاء النفر من جراء نقص القوت ، عماد العيش وركيزة بقاء الانسان موفور الحيوية والنشاط ، وما ذاك الا لانهم يربأون بأنفسهم عن المن ، الذي هو بضاعة أهل عصرهم ، وهم لولا العيب والذم لعاشوا موفورى الصحة والعافية ، ولكنها النفس الابية العزيزة التى تفضل سف ، التراب وطعامه على كل ذلك :

أديم مطال الجوع حتى أمته

واضرب عنه الذكر صفحا فاذهل

وأستف ترب الارض كيلا يرى له

على من الطول أمرؤ متطول

ولولا اجتناب الذام لم يلف مشرب

يعاش به الا لدي ، ومأكل

وأطوى على الخمص الحواياكما انطوت

خيوطة مارى تغار وتفتل

انظر الى شدة وطأة الجوع على أنفسهم ، وكيف تلوى أمعاؤهم على الجوع ، فتصبح وكأنها خيوط القاتل المحكمة المعدة للغزل .

وهم بعد هذا لا يجزعون مما يحل بهم من جوع وبرد وتشرد واصطهاد من المجتمع ، فهم راضون بما قسم الله لهم من الارزاق ، لا يجزعون لفقر وحاجة ، ولا يستكبرون للغنى والجاه :

فلا جزع من خلة متكشف

ولا مرح تحت الغنى اتخيل

لقد وصف هؤلاء الصعاليك بالعدو السريع فسموا بالعدائين ، لسرعة عدوهم فى الغارة ورحلات الصيد ، حتى ليكاد الواحد منهم يمسك بالغزال دون قوس وسهم ، بل انه ليسبق الطير على الماء ، كما يقول الشنفرى :

وتشرب آسارى القطا الكدر بعدما

سرت قربا احناؤها تتصلصل

هممت وهمت وابتدرنا وأسدلت

وشمر مني فارط متهل

هذه بعض جوانب الصعلكة التى تتمثل في اللامية ، وهذه نفثات من اللامية لم افها حقها من تمثيل هذه الحركة أصدق تمثيل . حركة أهدافها وغاياتها نبيلة ، وأساسها القوة في ترسيخ دعائمها لتؤدى وظيفتها ، التى أوحدت نفسها من أجلها ، على اكمل وجه .

الدمام

محمد قنديل

اشترك في نشرتنا البريدية