الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

الشيخوخة

Share

اقصوصة بقلم : رشيد الغالي

قال احدهم : " أفكارك مهما كانت سذاجتها فهي أقل رداءة دائما ما دامت كامنة فيك ولم تبرزها ، لأن الحرف لا يستطيع ان يصورها كما هى بل يضيف إلى رداءتها قبح المادة . . كيف لا وهي تخالف الحرف في الجنس . .

وقال آخر : احس ان الخاطرة تتحرك في وتتململ وتأبى ان تخضع للقالب اللفظي فأتالم كثيرا . . اتألم كثيرا لاني لم ارض على أي لبوس لفظي لخاطرتي التى تهز كيانى هزا عنيفا . . . فلما شكوت ذلك لأستاذ اخبرني بأنها الام الممتازين فى الوجود . . . .

من رسائل صديق

" تأخذك خاطرة فتاسرك وتشغلك فترة من الزمن لم تذهب عنك لتغوص فى لا شعورك ، ثم تعود اليك وامضة فتنتفض . . فتكون . . تلك هى القصة القصرة . ر - ش

ترامت سفرة السندباد هذه فى عرض المحيطات وطال أمدها . . وأدركته الشيخوخة وأحس بحاجته الى الارض ، الى الاستقرار ، غير أن شيئا غامضا لا يزال يشده الى الماء ، الى النوى . . . ولما لم يبق له من محصول أقاصي رحلاته سوى قيثارته ، اشتد هياج البحر فلم يقو على مقاومة العاطفة أو علي التحكم فى اتجاه سير مركبه ، فأسلم كل امره للماء وللهواء . . حتى اذا طلع فجر الغد رمته الامواج الى ساحل صخرى غريب عنه ، فالجم مركبه الى صخرة كبيرة ونزل بالارض ليقيم ردحا من الزمن فيستجمع قواه قبل استئناف السفر . . .

حط السندباد فى صفة مهجورة يدل مظهرها على أنها ، كانت ، فيما مضى ، مرتعا لضروب من اللهو الجميل . .

وأحس ، فى هذه المرة وهو على الارض ، انه يترقب نهاية بل ادرك انه كان يترقبها منذ أن غرزته الحياة فى لجى الحياة . . وكان فى انتظاره هذا يشعر بانطفاء بطئ يغمر نوازع ذاته وبدبيب ينشر فى وجدانه الهمود ، . . واخبر فهو نهب لنهش ذى اهتزازات : تكور ، فانفلاق ، فتدفق فتلاش . . . . وأدرك أن الحياة تنفضه أو هي تمتص منه حيويتها فى استرسال ولين وتوان ، وان الارض تثقله وتخمد جوامح أجزائه ، ولعل ذلك هو مبعث رومه للسكون ، للقرار . . وكان كلما آنس فى نفسه شيئا من القدرة على الفعل ، يأخذ في العزف على قيثارته . . .

لم يطل مقامه بهذه البقعة من الارض حتى نزلت امرأة بكوخ مجاور له . . كانت المرأة نحيفة القوام ، ممشوقة القد ، غضة الشباب ، ذات جمال اخاذ لا يقاوم . . .

دخلت المرأة الكوخ في هيبة ووقار ، ثم اتجهت الى كدس من الهشيم فامتدت فوقه ونامت . . .

مد الصبح عنقه الى نافذة الكوخ فى نزلق واخذ يعابث جسم المرأة الممدد على الهشيم ، ثم علت الشمس فغمرت النافذة بلفة من الاشعة البضاء . . وكان السكون جائا على الغرفة ، الامر الذي جعل المرأة تفتح عينيها برفق وتمد نظرها مع ميلان الاشعة الرقيقه المنسكبه من النافذة . . واخذت تتامل الذرات الدقيقة العائمة فى فضاء النافذة ، ٠ . كانت الذرات تتراقص في غير انتظام أو انسجام تتجاذبها اهواء خفية ، . وكانت ، في تواصل حراكها ، تأبى الاستقرار داخل هذه الهالة النورانيه التى تبرزها وتشملها فى حنين . .

وقامت المرأة إلى النافذة فطالعتها شجرة التوت الوحيدة التى تتوسط الساحة الكبيرة التى تفصلها عن مستقر السندبدباد . . كانت شجرة مسنة ، امتد حذعها عريضا ، خشنا ، متنزل الجوانب ، معقد القشرة غير ان بقايا حياة تتسرب الى صلب غشاوته فتغذى فى اعلاه اغصصانا شابة ذات وريقات خضراء طرية . . وبانت الشجرة للمرأة كأنها اقعدت على الارض ولم تنبت من احشائها . .

وخرج حيث المرأة إلى الشحرة ويقيت تتأملها ، ثم مدت يدها الى ثلمات متشققة ، ملتوية واقتطعت منها فتبتات خثره ، نخره وهمست وهي تتأمل ما في يدها : " ان الشيخوخة تبتلع ولا تلد ، تعدم ولا توجد ، تأكل ولا تتآكل . . . "

وتناهي اليها من مسكن السندباد نغم موسيقى خفيض رفيق ، كثيب . . فتري يثبت قليلا كأنها تترقب محركا سيدفعها الى الفعل ، ثم توجهت صوب مصدر اللحن ، ودخلت على السندباد . .

لم يرفع السندبدباد اليها عينيه وقال :

- ها أنت اخيرا أتيت . كان لابد من ان تأتي فلماذا طول بحثي وعذابى ؟ قالت وكأنها لم تستمع لما قال :

- ألا تضج موسيقاك ؟ قال - ترقي قليلا ، إنها ستضج وستعصف . . .

وتدانت منه , وبصوتها العذب الرقراق أرسلت لحنا شجبا ، فارتاعت يد السندياد على قيثارته كأنها فكت من عقال وتدفق حسيس كاللححن السريع

النفاذ ثم علا واصطخب واشتد انفجاره ، وانطلق عنيدا ، عنيفا طافرا ، شديدا ، ٠٠ وراحت الانغام تحصب وجه السندبدباد فوارة ، دفاقة ، وهاجة الى أن غدا لاهثا ، غير أن اللحن مضي محموما ، هفهافا ، هرهارا ، هزهازا كهزهزة رعد غضوب ، ثم لان فجأة فصار مطواعا ، وشواشا كأنه تواصل همس kسيم رقيق في جوف ليل صامت ، بهيم . . عندئذ أدركته المرأة وأسبلت جفنية وأسلست يديه ، وبشفتيها لاطفت أذنيه ، فمات اللحن بين راحتيه . .

قالت له المرأة بعد وقت قصير :

- إن بيتك ظليل ، حجاب للنور ، مقرور الاجواء ، هل ترغب فى الخروج للشمس مرة ؟

وتنحي السندباد عن مكانه صامتا كأنه منقاد لنازع ملحاح ، عنيد . . وترافقا متجولين فى سهل ممتد ، رحب ، يترامى على صدره جبل شاهق مهياب . . . كان الجبل رابضا يعلو وينخفض ساكنا ، قد تآكلت قممه واستدارت وسال مذابها وحط على صدره فبان بشعا ، منتفخ البطن ، متصاعد الجوانب فى احداب وتساند ، وبدا يشبه المرأة السمينة ، الحبلي ، قبيح الطلعة . . . وظهر على السندباد اعياء فقال لها :

- هل لمطافنا من نهاية ؟ قالت

بلى . ولكن أسئمت وجودى بجانبك ؟ ألم تقض العمر باحثا عني ! قال : - لم اسأمك وانما خانني الجهد على الالتصاق بكنهك . . .

قالت : ألا يهزك هذا الجمال ؟ قال

- بل أحس بموت الاحساس من هيكلى ، فكل ما أراه الآن مقفر لا جمال او حياة فيه ، كل ما أسمعه فى هذه اللحظة من جنس نعيق البوم يبعث الره وينذر بالثبور . . .

وتوقفا بجانب شجرة عجفاء أقصب عودها وانحني ، ومال الى الارض ثقيلا ، كئيبا . . .

قالت له : البوم ، يا فلانى ، وجد انشودته وهى تلك الكامنة فى نعيقه ، وانت هل ظفرت بأنشودتك ؟ قال :

- لقد بقيت ابحث عنها منذ أن حسبت أني أدركت للسؤال شيئا من المعنى ولم أظفر بطائل شاف للغليل . .

قالت : لا تثريب عليك . لان السؤال لا يلين الا لمن تطهر من أدرانه . . . وانت لم يطهرك الماء رغم معاشرتك له كامل سنوات حياتك . .

ثم اضافت وقد اجلسته اليها : - إن أنشودتك هنا ، فى ، فى مد مديد ، فى غور سحيق

وحملق فيها مليا ثم تجهم وجهه وتقطب وتجعد . . وفى توسل طفل ضعيف بل في ابتهال مصعوق ضنك همس : ما هي أنشودتى ؟ ما هى بالذى انزلك فبعثك ؟

قالت وقد اخذها احساس جموع الى الشف ، الى البوح ؛ قالت وقد عرت وجهها هالة بياض ناصع :

- أريد أن أتعرى!

كانت تتعرى شيئا فشيئا . . . وكان يتمتم في لجاج عجول : " ليتك تعريت في الماضي " ثم صعق : " لماذا أردت هذا الآن ، الآن فحسب وقد شسفت حيويتى ، رجولتى . . . " قالت له فى بسمة فاتنة :

- أرأيت كيف انك لم تتطهر من أدرانك ؟

إني بطلة ولا ينفتح سرى الا للابطال . . . .

كانت تواصل خلع ما عليها . . . وكان يشعر بثقل يجثم عليه . . وكان يفور من جسمها نداء أنثوى غزير . . . حتى اذا لم يبق عليها شئ أغمض عينيه وأسقط رأسه على صدرها المكتنز ، الخفاق . . . .

وأخذت يدها تهدهده . . وكان هو ساكنا صامتا . .

قالت له : - ما بالك ؟ أتنام ! قال :

- بل أنتهى . قالت :

- أرأيت كيف يصيبك القر امام العرى ؟

وهكذا تخرج مشلول البطول ، مثل الكيان . . . ولم يجبها . . وثقل السكون من حولهما وقد أقفر الشفق من بقايا اشعاع متلاش . . . قالت له

- والآن ألا ترغب في العودة الى مستقرك أم تريد ماذا ؟ قال : كل مبتغاي ، كل ارادتى أن تخلو جامحات حركتي من هزاتها . . ان يطمسني طغيان بله شامل ، أن أبحر فى مد غفو عميق . . أن اطمر في غور نسيان عظيم . . ان ، ان يموت فى الوعى . . . "

ولم تستجب لقوله بل تناست مدلوله كالعادة . . .

. . . عادا الى الساحة ووقفا الى شجرة التوت يتأملانها ، فقال لها : انها نعيش رغم شيخوختها . فقالت

- إن رأسها فحسب يحيا . . قميئا . .

وتركها وهم بالذهاب الى الشاطئ فاستوقفته قائلة

- ألا تودعني ! فتجهم وجهه ثم قال : الا من لقاء آخر يجمعنا ؟ وقهقهت المرأة وقالت : - ولكن عودتى اليك امرأة أمر عبث ؟ ألم تنم منذ حين وان اليك شفيفة ؟

وتململ السندياد فى حيرة بادية ثم هردب نحو الساحل ، حيث ترك مركبه ، وهو يقول :

- ها أنا اعود الى الماء ، الى البحر ، لبطهرنى او اهلك في اعماقه . . ها انا اركب الماء ولن انزل منه الا بطلا لالفك في أعطافى وأذيبك فى أنفاسى . .

وامتطى متن مركبه واتجه نحو اليم لا يلوى على شىء . .

ومضت المرأة لا تدرى الى أين ، ولكنها تعلم أنها فى سورة تواصل بحث . .

اشترك في نشرتنا البريدية