1) مقدمة :
كان السيد بابر جوهنسن ( Babea Johansen ) من برلين الغربية المستشرق الوحيد الذى شارك فى شهر ديسمبر 1979 فى الاحتفال بمرور 1300 سنة على بناء جامع الزيتونة ، وقد وقع هذا الاحتفال بتونس وكان موضوع محاضرته : بين عالم زيتوني والوهابية ، تحدث فيها عن رد الشيخ اسماعيل التميمي على رسائل محمد بن عبد الوهاب . وقد علق أحد المشائخ من احدى البلدان الاسلامية على المحاضرة بقوله : " انى لا أحب المستشرقين لانهم لا يبحثون الا في الخلافات الاسلامية ، يريدون بذلك ابراز تصارعنا وتصادمنا ! " .
وان كانت نية هذا الشيخ حسنة لا شك في ذلك ، وهي المحافظة على الوحدة الاسلامية ، فهو لم يفهم بعد بأن التقدم - فى اى ميدان كان - لا يمكن ان يحصل الا بعد الجدل والمجادلة وبعد التصادم والتصارع وان تقدمنا الآن - أو بالاحرى بدء نهضتنا - لم يبدأ الا بفضل محمد بن عبد الوهاب وأمثاله وبفضل مناهضيه من المحافظين أمثال اسماعيل التميمي وغيره ، اى بالخصام الازلى بين المحافظين والمجددين ، وتلك سنة الحياة .
وقد أراد مستشرقنا لفت نظر الدارسين الى رسالة اسماعيل التميمي علها تدرس بعمق وعلها تنشر من جديد نشرا علميا محققا حسب اساليب التحقيق المعاصرة - وذلك لان هذه الرسالة تعد بداية الجدل بين الوهابية وبين فقهاء السنة بالشمال الافريقي بل منطلق هذا الجدل فى العالم الاسلامي بصفة عامة وتكون بذلك منطلق النهضة الفكرية المعاصرة فى العالم العربي والاسلامي .
وقد أعلمت هذا المستشرق بأنى من المهتمين بجمع مؤلفات الشيخ اسماعيل التميمي ، وأنى تعرضت اليه فى محاضرتى التى ألقيتها بجامع النخلة بمنزل
تميم بتاريخ 15 رمضان 1399 ه ( 8 أوت 1979 م ) تحت عنوان : اعلام من الوطني القبلي ، واعلمته كذلك باهتمام الدكتور الهادى حمودة الغزى الذى القى محاضرة بقليبية فى الربيع الماضي وتعرض فيها الى شخصيات من الوطن القبلي منهم اسماعيل التميمي ، وقد أعرب المستشرق " بابر " عن سروره لانه وجه من يهتم مثله بهذه الشخصية .
وفي هذا المقال سأعرض بايجاز حياة وتأليف اسماعيل التميمي على أمل العودة الى هذه الشخصية مرة أخرى لزيادة الدراسة والتعمق فى تأليفه وابراز قيمتها مضيفا هكذا الى ما قاله المستشرق بابر بعض المعلومات التى لم يتعرض اليها لانه خصص محاضرته للحديث عن تأليف وحيد لاسماعيل التميمي في حين ان له تآليف أخرى لا تقل اهمية عن رده على محمد بن عبد الوهاب .
2 ) حياة اسماعيل التميمي :
1) ان أول من تحدث عن اسماعيل التميمي هو تلميذه المؤرخ أحمد بن أبي الضياف في كتابه الكبير : اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الامان . وذلك بالجزء الثالث منه (1) ، فقد تحدث عن استرجاع الحرمين الشريفين من الثائر الوهابي وقدوم رسالة منه الى تونس ( ص 60 الطبيعة الاولى ) وجواب الشيخ المحجوب للوهابى بتكليف من الباى (الى ص 75 نفس الطبعة ) .
وقد أورد ابن ابي الضياف رسالة المحجوب كاملة بينما اكتفى بذكر حبر رسالة اسماعيل التميمي ( ص 63 ) فى بضع أسطر فقط ( 2 ) وقد يرى بعضهم ان في هذا ظلما لاسماعيل التميمي لكونه آفاقيا و لكون منصب المحجوب أكبر فى ذلك الوقت من المنصب الذي يحتله اسماعيل التميمي ، ولكن فى هذا الرأي تعسف كبير اذا ما عرفنا أن رسالة المحجوب لا تتجاوز صفحاتها اصابع اليد الواحدة بينما رسالة التميمي أطول من ذلك بكثير اذ تكاد تبلغ 100 ( مائة ) صفحة .
ولد اسماعيل التميمي بمنزل تميم في عائلة : باشا وهي عائلة قد تكون ، كما يوحى بذلك اسمها - من أصل تركى ، ولعل هذا مما يفسر وعي هذه العائلة فى ذلك التاريخ ( أواسط القرن الثامن عشر ) وبعثها ابنها مبكرا الى تونس للدراسة ، واسماعيل التميمي يكاد يكون الوحيد من جيله الذى قصد جامع الزيتونة فى ذلك التاريخ . ولكن هناك شخصين أثرا لا محالة فى تكوينه وهما :
أ ) جده أحمد التميمي ، أبو العباس أحمد المدعو حميدة التميمي . وكان متقدما " للشهادة على مصروف دار الباى بالقصبة " ( 3 ) وقد تمهر به فى التوثيق حفيده اسماعيل التميمي . توفى هذا الجد في نفس سنة وفاة حفيده . أفريل 1832 - اى قبل وفاة اسماعيل بسبعة أشهر تقريبا ( ابن ابي الضياف ، جزء ( 3) ، ص 237 و 238 ) .
ب ) أحمد بن سلمان استاذه وأصيل قرية الصقالبة من قبيلة المعاويين ودفين منزل تميم ، وكان مشتهرا بالصلاح والولاية ( 4 ) الذي قد يكون نصحه بالالتحاق بجامع الزيتونة بعد مبادئ التعليم ببلدته " وأمره بالهجرة الى تونس " ( شجرة النور الزكية ص (370) .
اذن التحق اسماعيل التميمي بتونس وهو صغير السن ونزل بالمدرسة الحسينية وتتلمذ على أساتذة كثيرين منهم قاسم المحجوب والشحمى وصالح الكواش رئيس المدرسة المنتصرية وقد يكون لهذا الاخير تأثير كبير على اسماعيل التميمي ! وقد يكون تعرف عليه زمن محنته بمنزل تميم بالذات ، اذ نفي صالح الكواش مدة شهر كامل بمنزل تميم على اثر وشاية به لدى الباى (5) وبحياة هذا العلم تشابه مع حياة اسماعيل التميمي لان هذا الاخير سيعرف هو نفسه وبدوره العزل والنفي بماطر على اثر وشاية به لدى الباى كذلك ، وذلك شئ عادى لدى ملوك
الاطلاق! (6) وقد اتهم " بأنه يترقب زوال الدولة " حسب ما أورد ذلك الشيخ محمد مخلوف فى كتابه شجرة النور الزكية .
وقد اشتهر اسماعيل التميمي كثيرا فى عهده وتقلد مناصب عليا فى الدولة وكان مدرسا ممتازا تخرج عليه كثيرون اشهرهم ابن ابى الضياف وابراهيم الرياحي ( مات بالكوليرا عام 1850 م ) .
- وكان خطيب العقود الملكية ) أبناء الباى وبناته ( وأصهاره أمثال الوزير يوسف صاحب الطابع (7) .
وتولى اسماعيل التميمي الفتوى ثلاث مرات ، الاولى لمدة أشهر في أفريل 1815 م والثانية في سبتمبر 1819 م ومرة ثالثة وذلك اثر وفاة اصحاب تلك المناصب مثل وفاة أبي محمد حسن بن عبد الكبير الشريف فى طاعون 1234 ه الى ان ترأس الفتوى بالمذهب المالكى سنة 1828 م (8) .
فصار هكذا أكبر مختص فى الافتاء والتوثيق فى عصره وأشع بذلك الى أن صار استاذ اهم الاساتذة بالزيتونة .
وفي الوطن القبلي كان نجاحه العلمي حافزا للكثيرين للاقبال على العلم أذكر بعضهم هنا بايجاز وبالخصوص : محمد التميمي أصيل منزل تميم الذى كان ملازما لاسماعيل التميمي ودرس بجامع الزيتونة وقد امتحن بالنفي كذلك في محنة اسماعيل التميمي وسرح معه ، توفى سنة 1846-1847 م (9) وأذكر ايضا عبد الله التميمي(10) المتوفى سنة 1800 م الخ ...
ولمزيد التفاصيل فانى أشير لترجمة اسماعيل التميمي وقد امتدت على أربع صفحات كاملة (11) وقد توفى اسماعيل التميمي في 10 أكتوبر سنة 1832 م وابن ابي الضياف مصدر مباشر اذ كثيرا ما يقول عن اسماعيل التميمي : " سمعت ذلك منه " .
2 ) واما المترجم الثاني لعلامتنا فهو الشيخ محمد مخلوف فى كتابه : شجرة النور الزكية فى طبقات المالكية طبع القاهرة سنة 1349 ه. 1350 ه (جزآن) .
وقد ذكر أولا أساتذة ومشائخ اسماعيل التميمي وهم كثرة ، وسأقتصر على ذكر بعضهم فقط .
أولهم : عمر بن الشيخ قاسم المحجوب أبو حفص وكان قاضى الجماعة (ص 366 - ترجمة عدد (1459) . وقد كتب رسالة فى الرد على الوهابي مثل اسماعيل التميمي - توفى موفى محرم سنة 1222 ه .
ثانيهم : أبو العباس أحمد بن سلمان " من زاوية الصقالبة بدخلة المعاويين الشيخ العامل الولى العارف بالله الكامل ... كان معتقد الخاصة والعامة " وقد توفى سنة 1237 ه ، وقد أشرت اليه آنفا وأشرت الى تأثيره على اسماعيل التميمي ( ص 369 - ترجمة عدد 1470 ) ومن بركته أن والد ابن أبي الضياف الكاتب الخاص ليوسف صاحب الطابع كان يأتيه كل سنة بمال وعطايا لمنزل تميم ، فما كان يبيت شيئا منه ببيته بل يتصدق به كله !
ثالثهم : صالح بن حسين الكواش - أبو الفلاح ( ص 365 - ترجمة عدد : 1454 ) ولد سنة 1137 وتوفى فى شوال سنة 1218 - وقد أشرت آنفا إلى تأثير هذا الشيخ فى تلميذه اسماعيل التميمي وكيف أن صفته التى اشتهر بها وهي صراحته وشجاعته فى الحق انتقلت كلها أو جلها الى تلميذه وكيف أن الاستاذ وتلميذه عرفا النفي والعزل .
وكانا يشتركان فى صفة أخرى وهى الآفافية . وكان الكواش قد فر من قبل من سطوة على باشا وتوجه لطرابلس ومنها لازمير ومنها للاستانة " حيث نال الحظوة والشهرة ، ورجع الى تونس بطلب من الباى محمد الرشيد ابن حسين
بن على - وعرف محنته زمن حكم على باى ولا يزال أبناء الزيتونة الى يومنا هذا يرددون شجاعة هذا الشيخ من ذلك ما رواه لى امام منزل تميم الحالى الشيخ محسن بوعزيز من اعتراض صالح الكواش على طريقة أداء الآذان بجامع الزيتونة حيث كان المؤذن يترنم بالآذان ويطيل الترديد فنهى الكواش عن ذلك فقيل له : إن هذه الطريقة هي طريقة العائلة المالكة ، فسب أبناء العائلة المالكة ، فوشى به لديها فحمل الى حمودة باي ! وعرف الكواش الامر بفطنته ، فما ان دخل على الباى حتى بدأ يترنم باسمه على طريقة أداء الآذان التى عارضها : يا سيدى ... حموده ..." وتعجب الباى من جرأة الشيخ عليه وتحقيره له بالعبث باسم " فخامته " فأنكر عليه الباى ذلك وكان جواب الكواش : " أرأيت كيف تغضب على العبث باسمك وأنت مخلوق فكيف لا اغضب أنا على العبث باسم الخالق عز وجل ! ؟ " .
وقد رويت لى قصة غيرها عن صالح الكواش نفسه مفادها أن بعض العامة أتاه وهو ينزل درج جامع الزيتونة وسأله : هل كان محمد صلى الله عليه وسلم مالكيا أو حنفي المذهب ؟ فانبرى صالح الكواش يسب العائلة المالكة بأعلى صوته لسياستها التعليمية التى لا ترمي الا لترك الجهل يعم الرعايا ...
وقد يكون وشى به أيضا هذه المرة ، وقد تكون هذه الحادثة أو الاولى سبب نفيه لمنزل تميم ولكن لم يتعرض لا ابن ابى الضياف ولا محمد بن محمد مخلوف الى شىء من هذا )*( .
وكان صالح الكواش يقول الشعر وبعضه مذكور في التاريخ الباشى .
ثم يذكر لنا محمد مخلوف بعض تلاميذ اسماعيل التميمي ومنهم : أبو عبد الله محمد بن سليمان المناعى الذى رحل لفاس وأخذ مباشرة عن الشيخ احمد التيجاني والمناعي هذا أستاذ ابن ابي الضياف وهو صاحب الرسالة التى حققها صديقنا أحمد الطويلى ) ص 370 - ترجمة عدد (1476) .
وأحمد التيجانى (12) هذا هو المتصوف صاحب الطريقة التيجانية والذى ينهى عن زيارة القبور - ونرى هنا بعض تأثير محمد بن عبد الوهاب الذي كان
بحرم زيارة القبور ويكفر زائريها ! وقد مر التيجانى بتونس وهو فى طريقة للحج واقام بها مدة . وقد اخذ عن التيجاني ايضا الشيخ ابراهيم الرياحي وذلك يفاس حين قدم لها سفيرا والرياحي هذا أحد تلاميذ اسماعيل التميمي ايضا . ومن تلاميذ التميمي أذكر ابا المحاسن بن ذى النون الباجى المتوفى سنه ه وكذلك أبا عبد الله محمد بن عبد الستار البحرى التونسي القاضي المتوفي سنة 1254 ه . وكذلك الشيخ محمد بن أحمد بن الخوجة ) ص 471 أبو العباس أحمد منة الله ) ص 459 ( وصالح الغنوشي السوسى ) توفى سن 12 ( وبعض محمد مخلوف نفسه تلميذا لاسماعيل التميمي في روايت للاسانيد التى يرجعها طبقة الى التميمي والى من قبله من العلماء ) ص 4٥ - نوحمة عدد : 1725 وكذلك ص 486 ( ) 13 ( ويرى محمد مخلوف أن طريقة اسماعيل التميمي ومنهجه العلمي قد تركا آثارهما الى اليوم فى مشائغ الزيتونة من أمثال أبي عبد الله محمد الطاهر بن محمد الشاذلى بن عبد القادر من محمد بن عاشور الذى " لا يذكر فقها الا بدليله يحذو فى ذلك حذو العلامة ابى الفدا اسماعيل التميمي " ( ص 392 - ترجمة عدد 1565 ) وهذه الملحوظة مهمة جدا اذ تعطينا الميزة الاساسية لاسماعيل التميمي وهي خلقه مدرسة فكرية فى تونس لا تعتمد الا على الدليل حتى فى الميدان الفقهى الذى يكثر فيه النقل لا الاعتماد على العقل ، ولكن يبقى ان نتثبت هل ان اسماعيل التميمي نجح في تطبيق مبدئه أم لا فيما تعاطاه من مسائل فقهية ؟ وعلى كل وقبل بحث هذه النقطة لابد أن نقر بأن التميمي اشتهر عند معاصريه وحتى بعد مماته بزمن طويل ، بأنه من المجتهدين فى الدين ، لذلك ترى مخلوف يؤكد : " الامام الثبت، العلامة ، العمدة ، الفهامة ، المحقق النظار ، الاخذ ماخذ المجتهدين الاخيار فى تعليل المسائل الفقهية بمدارك أصولها الشرعية ... "ولهذا اهتم بتسجيل فتاواه الكثيرة وسنرجع فى حديثنا عن آثار اسماعيل التميمي المخطوطة للحديث عن فتاوى التميمي وقيمتها التاريخية والوثائقية ، وكلنا نشعر بقيمة هذا النوع من التراث الذى لم يزل بكرا ولم يدرس الا قليلا ،
وسأشير هنا إلى دراسة الاستاذ سعد غراب : كتب الفتاوى وقيمتها الاجتماعية مثال نوازل البرزلي الذي نشره أخيرا في حوليات الجامعة التونسية (14) ورغم تضارب آراء بعض أهل الاختصاص حول أهمية الكتب الدينية فى دراسة الحياة الاقتصادية والاجتماعية من مستشرقين وتونسيين فان مما لاشك فيه أن هناك ثغرات كبيرة فى هذين الميدانين فى كتب التاريخ الاسلامى فى القرون الماضية وانه لا يمكن سيدها الا بطرق عديدة منها كتب الفتاوى ولعلها اهمها .
وقد استعرض سعد غراب عددا من كتب الفتاوى المالكية ، وهذه الفتاوى تعطينا صورة واقعية عن المشاكل الاجتماعية وكيف وقع حلها من طرف اهل الدين ومن طرف العوام ، ومن المواضيع المطروقة : صلات المسلمين بأهل الذمة نظرة بعض الشعوب بعضها لبعض ، العلاقة بين المدينة والبادية وموقف الفقهاء من الاعراب . أى اهل الارياف ومن اصحاب المهن ، تدهور القيم الدينية من حج وصوم وزواج متعة ، وظاهرة التصوف ,,الخ .
ونحن مع سعد غراب الذي اوصى " بضرورة اعداد فهارس أغراضية للمواضع المتناثرة فى كتب الفتاوى لتعين الباحثين فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات الاسلامية " .
والتميمي نظرا لاجتهاده ، " كان اليه المفزع فى الفتوى ومشكلات المسائل " (15) ونظرا لشجاعته ، كان التميمي يتمتع بشعبية كبيرة ويظهر هذا في اقبال الناس عليه بالخصوص بعد نفيه وعزله ، وذلك بعلو داره يقول محمد مخلوف :
"ومكث بداره يقرئ وانجذبت القلوب لمغناطيس علومه واقتطفوا من رياض منظومه ومفهومه وقابله الخاص والعام باجلال وتعظيم لم يعهد ايام الولاية فكان كما قيل :
ان الامير هو الذي يضحى أميرا بعد عزله
ان زال سلطان الولا ية فهو فى سلطان فضله
لذلك لا يمكن أن نتسرع أبدا فى حكمنا على اسماعيل التميمي فنحمله هو بالخصوص ووحده تبعة تأخر دخول الاصلاح الديني لتونس كما ذهب لذلك الاستاذ محمد العروسي المطوى فى حديثه بالاذاعة التونسية يوم 4 أكتوبر 1976 ، وذلك لما عرض لدولة حمودة باشا معتمدا بالخصوص على كتاب ابن أبى الضياف (16)فقد تعرض المطوى لدور محمد بن عبد الوهاب الاصلاحى والى بلوغ صداه الى تونس وكيف كلف حمودة باشا اسماعيل التميمي بالرد على ابن عبد الوهاب فكتب رسالته . ..المنح الالاهية فى الرد على الضلالة الوهابية ..واستنتج العروسي المطوى أنه يفهم التحامل والبعد عن الموضوعية " انطلاقا فقط من عنوان الرسالة ! وكيف أن محمد بن عبد الوهاب لم يفهم في وقته ففات تونس الاصلاح والتفتح الدينى والذهنى بدافع تعصب امثال اسماعيل التميمي ضد عبد الوهاب ..وستتأخر الدعوة الاصلاحية ولن تبلغ تونس الا مع خير الدين باشا.. وذلك بعد زمن طويل يقدر بنصف قرن على الاقل ..
وكلام المطوى صحيح فى أغلبه ولكنى أشك أن المطوى قرأ رسالة التميمي! ونحن نعرف أن أى اصلاح لابد وأن يجد معارضة وخصوصا من اصحاب السلطة والمناصب والمصالح والتميمي كان يشغل احدى المناصب العليا فى البلاد ، ولكن مع هذا فان التميمي لا يمكن تحميله وحده هذه المسؤولية الثقيلة وانما هو رمز جيل كامل حاول مع محافظته أن يغير أشياء ويظهر ذلك فى اضطهاد التميمي مدة ما ثم فى طريقته التى تعتمد الدليل بجانب اعتمادها النقل وهو اذن حلقة وصل بين جيلين ، مصلح بالنسبة للجيل الذي سبقه ولكنه أقل ثورية بالنسبة لمحمد بن عبد الوهاب وللصلحين الذين سيأتون بعده أمثال خير الدين وغيره ...
اقل من هذا فلا بد من جدية أكثر فى اطلاق الاحكام وتثبت وتروي كما فعل المستشرق بابر في المحاضرة التى أشرت اليها فى اول هذا الفصل (17) والتي خصها للحديث عن رسالة التميمي : المنح الالاهية فى الرد على الضلالة الوهابية التى طبعت بالمطبعة التونسية سنة 1328 ه ( نهج سوق البلاط عدد 57 - تونس ) الموافق لسنة 1910 م ( 18 ) وقد ذكر هذه الرسالة مستشرقون آخرون ولكن بابر - رغم تواضعه العلمي - قد كشف عن جوانب عديدة ايجابية لهذه الرسالة .
وقد بدأ محاضرته بتبيان خطأ وقع فيه ابن ابى الضياف وقال : إن الرسالة رد على رسالة ابن عبد الوهاب المسماة " كشف الشبهات " وان ما يفهم من كلام
التميمي هو اطلاعه على رسالتين لخصمه على أقل تقدير ، وانه يعرف اراء خصمه بصفة دقيقة ،وبعد ان نساءل عن كيفية وصول رسالة بن عبد الوهاب لتونس وضرورة تدقيق هذه المسألة وبعد البحث حول تاريخ كتابة هذه الرسالة فبين أنها كتبت ما بين 1218 و 1222 ه وهما تاريخ وقوع مكة مرتين بيد السعوديين وأن الرسالة كتبت لا محالة قبل سنة 1229 ه وهو تاريخ دخول جيش المصريين للحجاز لأن التميمي يتحدث عن دخول الحجاج لمكة ، وبعد الاشارة إلى ضرورة تدقيق هذه المسألة يختم هذا القسم الاول من المحاضرة بتبيين قيمة الزيتونة كمركز علمي وديني فى العالم الاسلامي مما جعل السعوديين يخصونها برسائل ابن عبد الوهاب مثل بقية المراكز الحية الاخرى كدمشق وفاس الخ ...
ثم انتقل المحاضر للحديث عن موضوع الرسالة وهو توجه المسلمين لزيارة قبور الاولياء والتوسط بهم وكيف أن بن عبد الوهاب يعتبر هذا العمل كفرا وخروجا عن الدين وأن الشفاعة لا تطلب الا من الله فقط . وانه لا مجال للوسائط بين الله وبين المسلم وأن العقل يعترف بوحدانية الله . وأن زيارة الاولياء ترك للتوحيد وترك لمبدأ الاخلاص لله واشراك كشرك الجاهلية .
ثم يبين بابر جوهانسن أن لعبد الوهاب أبعاد عديدة بعد فقهى وأصولى وبعد نفسي وهذا يتمثل فى خلوص النفس لله ولكن التميمي لا يرى أهمية العامل النفسي بل يرى فساد القياس النفسي عند خصمه ، فالعبادة عنده ليست اصطلاحا لغويا فقط بل هى اصطلاح شرعى وأن النية هي اهم عامل لارتباطها بالعمل وبالتالى فهى التى تحدد طبيعة العبادة وأن الكفر بالنسبة للتميمي لا يكون الا فى العمل المتوجه لغير الله وهو اذن يخرج زيارة القبور من العبادات ويدخلها باب المعاملات ، وبعد ان يقارن منهاج الخصمين فى المجادلة، وبعد أن يقارن مواقف التميمي وحججه بمواقف المتصوفين وحجج قاسم المحجوب وكيف أن التميمي كان يعيش فى تونس حيث للطرق وللزوايا نفوذ وكيف انه هو نفسه كانت له محبة فى اهل الزهد مما جعله يقول مثل غيره : ان الله ينفع بالاولياء فى الدنيا وينفع بهم فى الآخرة . يبين مستشرفنا أن
التميمي رغم هذا فقيه وأدواته اذن تختلف عن آدوات المتصوفين . .وينهى المحاضر دراسته باستنتاجات منها :
أ) وحدة الحياة الدينية والفكرية فى العالم الاسلامى قبل عهد الاستعمار المباشر، فما ان يظهر شئ فى الشرق الا ويردد صداه ويجاوبه المغرب الاسلامى. ب) بدأ الجدل بين السلفية والمحافظة فى ربوع تونس مبكرا . ج)ضرورة مرور التجديد الدينى بجامع الزيتونة ، ولكن رغم مالدينا من معلومات فان ثغرات عديدة تبقى عند الحديث عن الجدل بين الوهابية وبين الزيتونة ، ولا بد إذن من نشر اكبر عدد ممكن من الوثائق حتى نفهم الحياة الثقافية بصفة أدق في القرن ال 19 م . وحتى نفهم احسن مواقف جامع الزيتونة من الحركات الاسلامية التجديدية ومن حركات التصوف .
3) خاتمة :
وهكذا تظهر قيمة دراسة مستشرقنا بابرجوهانسن وقيمتها تبدو لى بالخصوص في اشاراتها للثغرات التى يجب على الباحثين سدها حتى يكتمل فهمنا وتصورنا لتلك الفترة الحاسمة من انطلاق النهضة الاسلامية العربية المعاصرة . ولابد من دراسة نقدية وتحقيق لرسالة اسماعيل التميمي واعادة نشرها لانها تعد في باب المخطوط نظرا لندرة نسخها (19) واما آثاره المطبوعة الاخرى فهى قليلة .
أ ) رسالة فى الخلو ووجوهه عند المصريين والمغاربة وهي بضع صفحات طبع المطبعة الرسمية سنة 1316 ه وهي تضم مجموع وسائل وفتاوى وهي اول الرسائل ( 20) . ب ) تراجم ائمة جامع الزيتونة ، وقد طبع هذا ضمن تاريخ ابن ابى الضياف الذي اقتبسه بحرفه عن استاذه وضمنه مؤلفه الطويل وهو يوجد بالجزء السابع من ص 61 إلى ص 69 من كتاب : اتحاف اهل الزمان أما آثاره المخطوطه فكثيرة وسنر جع اليها ونخصص لها مقالا لنحصرها ونضبطها وندل على أماكنها.
ونختم هذا الفصل بإيراد فقره من كتاب رسائل أحمد القبجى القليبي حيث ذكر وفاة اسماعيل التميمي وهو مما يدل على قيمة الرجل واتصال القليبي
به (21) يقول القليبي في رسالة بتاريخ أواخر جمادي الاولى 1248 ه ( ص 138) " أما نحن يا أخي فلازلنا بقليبية بأويمات قلائل ان شاء الله متوجهون للمحروسة تونس لتعزية اهل الشيخ سيدي اسماعيل التميمي فيه رحمه الله . وتهنئة الشيخ ابراهيم الرياحي ابقاه الله بخطة شيخ الاسلام ، يكون ذلك معلوم السيادة .... "
ولابد أن القليبي كان سيعزى ابنة الابن الوحيد الذى أنجبه اسماعيل التميمي والمسمى عليا ، والذي توفى فى حياة ابيه -وهذه الابنة - اى حفيدة اسماعيل التميمي - والمسماة عائشة ، توفيت حسب التقريب سنة 1932 او 1933 ، وقد تركت تونس وانتقلت للعيش بمنزل تميم ، حيث توفيت بدون أن تترك عقبا ، وهكذا انطفأ غصن اسماعيل التميمي الا ما تركه من آثار مخطوطة ومطبوعة تشهد له بطول باعه وعلو همته . وقد ربت عائشة المذكورة محمد بن على النوالى والبشير النوالى ابنه حسبما اعلمني بذلك هذا الاخير .
وقد كان لاسماعيل التميمي اشعاع فى عصره تعدى حدود المملكة التونسية فبجانب مكانته لابن السعود ولمحمد بن عبد الوهاب فقد كانت له مراسلات مع بايات عهده مع حسين باى الثانى ومع حمودة باشا ومع قضاة المملكة انذاك ومع سيدي احمد بن سلمان استاذه ومع علماء من تركيا والمغرب والحزائر ومن هذا البلد الاخير أذكر أحمد بن عمار الجزائري ( أبو العباس ) مفتى المالكية بالجزائر وصاحب الرحلة المسماة : نحلة اللبيب باخبار الرحلة الى الحبيب : وفيها تحدث عن سفرة قام بها الى الحجاز سنة 1166 ، وله موشحة في مدح الرسول اوردها له الدكتور عباس الجرارى فى كتابه : موشحات مغربية ( 22) وقد رد عليه التميمي على رسالة له فى الوقف .
والتميمي رغم محافظته واعتماده النقل ، فهويعد مجتهدا ولو نسبيا فى نظرنا ولكنه كان يعتبر امام المجتهدين فى زمنه .

