الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الشيخ العربي الكبادي كما عرفته

Share

ايها السادة : السلام عليكم ورحمة الله ،

لا يعرف الفضل من الناس الا ذووه ويكفى اعضاء مجلس المعهد الرشيدى فضلا انهم فكروا فى اقامة هذه الذكرى الاربعينية لشيخنا الكبادى نور الله ضريحه وفاء منهم جميلا واعترافا باياديه على الآداب العربية كريما ، ولم لا يصنع المعهد الرشيدى هذا الصنيع وهو المعهد الفنى الذى يستلهم القائمون عليه من روح الفن الشمائل الفاضلة والعواطف النبيلة من الوفاء والتمجيد والتابين لشيخ الادباء ، واذا لم ترب الفنون الجميلة فى الفرد والجماعة الفضائل الكريمة فلم تبق الا مجالا لاثارة الغرائز الفاجرة ! لا سيما وقد كان الامام الاديب الكبادى بهذا المشروع حفيا ولاهدافه مخلصا وفيا وللاخذ بيده فى الحفاظ على التراث الفنى التونسى سندا قويا ، وربما كان الجانب الفنى او التذوق الفنى على اصدق تعبير من شخصية الكبادى مجهولا لدى كثير اللهم عدا الذين عاشروه طويلا ولابسوه عميقا حتى تاتى لهم ان يعرفوا نوازع نفسه ومسارح انسه ولطائف ذوقه وشدة احتفائه للصوت الندى فى المعنى الرفيع والتلحين السليم فى الايقاع الحكيم مع الاستمتاع الرفيع . وانه لمن طوالع السعد في دياجير حياتى ان عرفته فى فجرها اخذا عنه الادب فى الخلدونية ومدرسة الترجمة بالعطارين وفى مجالسه الخاصة حتى اصبحت له تلميذا ملازما وابنا وفيا وصديقا حميما تسلل الى دخيلة نفسه وسريرة حسه وكان ذوقى الموسيقى وقتئذ فطريا ساذجا واذنى غفلا عاطلة لما تشنفها بعد تناغيم المثالث والثانى فكان يستوى لدى ذوقى صوت العندليب يشدو على الغصن الرطيب والصوت الساذج الغرير ، وفى مجلسه الخاص كان يزوره اصحاب الحناجر المغردة من امثال : السيد محمد العقربى والسيد المختار التريكى والسيد خميس ترنان والسلامي الاصيل الظريف المرحوم الصادق بن عبله وزميله السيد الهادى عجاج ، وكلهم كانوا يحبونه اصدق الحب لظرافة شمائله ومكارم اخلاقه وتقديره للفن واهله ، واحتفاله لهم حين انشادهم لقصائدهم الفصيحة وسلاسلهم الذهبية من الانشاد الصوفى السلامى الحافل بالصناعة والاشواق ، ومن ثمة بدا ذوقى يرهف وينصقل بالسماع والحوار لست الآن

يا سادتى بسبيل الحديث عن هذا الجانب من شخصيته ، وانما اثارته الذكرى وجلبه منادى المعهد الداعى الى تابينه ولكنى لا بد ان الاحظ ان الكبادى كان فى الفن ذواقة احب الفن من صدر شبابه الى جلال شيخوخته وتتبعه فى الزوايا وفى كل مكان فقد كان احساسه بالجمال راقيا يتجلى له فى طلعة الوجه البليج والنغم البديع والزهر البهيج والمعنى الكريم والنكتة الحارة . وأنتم تعلمون ان بين الشعر والفن صلة رحم ورابطة هدف وان بين صرير القلم وتغريد الحنجرة الفة وانسجاما ومناجاة وبغاما ، واكاشفكم سريرة نفس فاقول : انى ترددت كثيرا فى صنع هذه الكلمة حين قرات فى الجرائد الاعلان عن اقامة هذه الذكرى وذلك لانى عازم على كتابة كلمة مطنبة فى حياته ربما خرجت فى رسالة تبقى ذكراه للاجيال الاتية ، ولكنى اخيرا نصرت الاقدام على الاحجام لكى اهتبل هذه الفرصة السعيدة الوفية التى اتاحها لنا المعهد الرشيدى كمجال لابداء وفائنا لذكراه واكبارنا لمسعاه واذا فلا تنتظروا من هذه الكلمة جلوة لحقيقة الرجل الادبية وبسطا للعوامل المؤثرة في تكوينه كنتيجة لمعاشرة واختبار وحصيلة لحب واكبار . اذ لا بد لذلك من وقت يرصد وينفق لاستجماع عناصر الموضوع وتخطيط معالم الحياة ولنكتف الآن بهذه النفثة الحزينة الباكية كمظهر للوعة فقده وحرارة خسارته وكيف لا يكون ذلك وهو الرجل الذى لازمته طيلة ربع قرن اكرع وانهل من موارد ادبه الصافية واتنعم فى رياض اخلاقه الراضية الوارفة واستضئ بانوار عقيدته الصادقة الثابتة فى دياجير الفتن واعاص الامتحان .

لقد فقدت انسه وعلمه وفضله وانا فى اشد الحاجة اليه لطرد الوحشة ومطاردة الغربة ، ولقد شعرت حين نعى الى بيتم فى فكرى . وثكل في خلقى وغربة فى عقيدتى . ولقد احسست وهو يوسد التراب ويغيب تحت الصفائح بانى اغيب سر روحى وحشاشة قلبى لطول ما بيننا من عشرة استحالت فى الى بنوة بارة وفيه الى ابوة حانية رحمه الله وليس فى الموت حيلة الا ان يعين الله على بلائه بالصبر وجميل العزاء كما يعبر المويلحى .

كان الكبادى رحمه الله حجة من حجج العربية السالفة في العصور الذهبية لعصور الاسلام وراوية من رواة الشعر العربى من عهده الجاهلى السحيق الى عصرنا الحاضر . منحه الله حافظة واعية لاقطة كالمرآة ما وقع امامها مرئى الا عكسته وكعدسة المصور ما وقف امامها شئ الا صورته ولم يكن يتكلف حفظ الشعر والنثر فى صدر شبابه بل كان يكفى ان يعجب بالقصيد الشعرى او المقطوعة الادبية فيحفظ ذلك سريعا بهذا اجابني عند ما سالته عن سر

كثرة حفظه للقصيد الشعرى والنثر الرفيع وكيف كان يحفظ وانه لمحدث لبق يجمع الى الفكاهة الحلوة ذخيرة وفيرة من ملح الطرائف ورقائق الملح يطرب بها محدثيه فى المناسبة الطيبة والفرصة المواتية فهو من هذه الناحية فى هذا العصر مثال نادر فى رواية الادب ودرايته وطراز عبقرى غريب فى المفاهيم القديمة للادب العربى طراز طوى بساطه بموته رحمه الله ولعل امثاله فى الشرق العربى اليوم قليل .

ان الذي يجلس اليه ومعه حظ من الاصلاع على اساليب الادب القديم وتراجم رجاله يراه مثالا اذخره الزمان ليكون نموذجا من اولئك الحفاظ الكبار فى الادب العربى امثال : المفضل الضبى وخلف الاحمر والاصمعى وابى عمرو ابن العلاء والاصبهانى وابن دريد وابى بكر الانبارى وغيرهم . وما كان الكبادى راوية يحمل اسانيد الرواية ومتون الشعر وعيون النوادر والاخبار بل كان يحمل ذلك مع هضم وتمثل وتذوق واستشهاد وتنزيل وترصيع . لقد كان نادرة الفلك وبكر عطارد كما يعبر الثعالبى فى التنزيل المبدع وحسن استغلاله لثروته الادبية الباذخة فى دروسه ومحاضراته ومجالسه الخاصة جادا وهازلا راضيا وغاضبا ، مادحا وقادحا حتى ليكاد يجمع المتصلون به من قريب على انه يفهم الحياة فهما شعريا وجدانيا . فهو لا ينفك مستشهدا بالبيت المفرد او المقطوع او القصيد . فى كل حديث يثار فى مجلسه حتى يشعر من يجاوره انه رجل اديب من فرقه الى قدمه وان الروح الشعرية تخللت مسلك الروح منه وان مفاهيم الشعر الخيالية الوجدانية هي المهيمنة على تفكيره والمسيطرة على احكامه . ومن اطرف ما تسمع عنه حواره فى الاحداث السياسية العالمية حين يحلو له ان يفهمها بلغة الشعر فاقول له : ان للسياسة ظاهرا وباطنا ومن اغتر بما تنشره الصحف وترسله المذاييع فهو رجل طاهرى فى السياسة لم يتعمق ولم يتغلغل فيقول مرتجلا :

لفرط ما سمعت اذناى من كذب

                 اصبحت ارتاب مما خط فى الكتب

وكيف ينطلى على ما يكتب ويذاع وانا القائل ، ومعذرة منى ومنه للسادة الصحفيين

ان الجرائد والدنيا بلا عدد

            وكل ما كتبت زور وتضليل

فلا يغرنك قول حدثتك به

             فما احاديثها الا الاباطيل

  عرفته فى نحو الستين من عمره وهو فى صحة جيدة وذاكرته فى عنفوان قوتها وعقله فى مستوى نضجه وايناعه وخلقه الكريم قدصهرته التجارب والاختبارات للدهر وابنائه وقد رايته فى تلك السن يمثل الزعامة الادبية المحافظة ، فلا يروقه الا القديم من الادب فى لفظه ومعناه واسلوبه واغراضه . رايته ينفر من الاساليب الحديثة المقتبسة من الادب الغربى ويعد تلك النزعة زندقة فى العربية واهلها ملاحدة فى الادب كانه عربى قح خالص من اولئك القبائل السليمة من مخالطة الاعاجم وكان فى دروسه واحاديثه ملتزما العربية الفصحى العالية في يسر وسهولة كانه ارتضع افاوقها من مضغة الشيخ القيصوم فى صحارى الجزيرة العربية وانه فى لغته لعربى قح وفى سلوكه تتجلى اخلاق فضلاء العرب وفى افكاره وسجاياه تتجلى مظاهر العروبة وتقاليدها وعاداتها فهو عربى الاسم والمسمى وعربى اللفظ والمعنى .

حتى انه ليقول فى آخر ما سجلته له الاذاعة : انا عربى واسمى العربى واحب ان يؤرخ ميلادى بالعربى وان تكتب وفاتى بالهجرى العربى . ولم لا يلح هذا الالحاح وقد اتخذ التاريخ الهجرى مهجورا من طرف قومه ؟ !

ولعل سبب ذلك طول مطالعته لمكارمهم وفضائلهم فى دواوين الادب والتاريخ كان لا يعجبه من كتاب عصره الا من كان مطبوعا بالاسلوب القديم الصميم ( كمحمد المويلحى فى حديث عيسى بن هشام) وهاكم ما قاله في رثائه :

اخلاى ان الشرق مات كاتبه

                     وناحت على فن البيان نوادبه

فلم تبق عين لم يفض ماؤها اسى

                   ولم يبق قلب لم تضاعف مصائبه

تهدم فن النثر بعد محمد

                فلا نثر الا قد تداعت جوانبه

بليغ يريك القول ذرا منضدا

                فيلهيك من سحر البيان عجائبه

له القلم الاعلى الذى لصريره

               على الطرس تاثير يهولك جانبه

ومن كان فى فن الكتابة نابغا

                فكل امرىء يهوى الكتابة نادبه

وقصيدته فى رثائه من روائع شعره ال الرثائى تجدونه فى نشرة الخلدونية لعام 1930 وقد كنت سالته وانا فى مطلع حياته الادبية عما اقرأ من كتب النثر الرفيع ؟ فدلنى على كتاب كليلة ودمنة وحديث عيسى بن هشام وانه ليأمرنى مرات باعادة المطالعة لكليلة ودمنة مشيرا على بان الثانية خيرلى من الاولى وهكذا فى كل مرة تتعدد الفوائد والتكوين الصحيح ، ثم بعد ذلك تدرجت صعدا فى مطالعاتى الادبية حتى بلغت سدرة المنتهى حيث الجاحظ والتوحيدى وابن المقفع . وما كنت انا وغيرى من ابنائه نستطيع بلوغ تلك المنازل الرفيعة فى الادب لولا شغفنا بالادب الى حد العشق والهيام واقبالنا على دروسه التى حبب الينا فيها الادب القديم وزينه فى صدورنا ومكننا من اسرار مفاهيم الشعر العربى وقيمه الجميلة فى ميدان الفكر والوجدان حتى اخذ كل منا نصيبه على قدر العقول والهمم .

اما اليوم وقد طغى الادب الرخيص على ناسئة الادب : فحق عاف بدمعك الهمم كما يقول المتنبى .

وما كانت محافظته فى الادب عنوان جحود او تعصب انما هو حكم التكوين ومفعول البيئة بل قد كان المعى الذكاء ، حاد الفطنة مرهف الحس حلو الحديث ، قوى العارضة ، سريع البديهة ، فى فهم الادب ولطالما خالفته فى آرائه ثم تمضى على مدة الاختبار والتجربة فاجيئه معترفا بسداد رايه فيقول : لطالما خالفته فما دعاك الى اعتناقه ؟ فاقول : لا احب ، ان اقلد تقليدا بلا برهان واقتناع وانى الآن لمقتنع بعد ان جربت تجربتى الخاصة ، يدافع عن مذهبه القديم فيجرك الى اتباعه طوعا او كرها بصولة بيانه وقوة برهانه وكنت اتمثله انا لسان ميزان حين تهم ان ترجح احدى الكفتين الجديدة والقديمة فى عالم الادب بالاثم والعدوان وحين يكثر الدعاة الى التجديد والتطور بلا هدى ولا بصيرة ولا كتاب نير ومن اجل هذا كان يكره اسلوب طه حسين ويعده اسلوبا فضوليا غريبا حتى املى طه كتابيه ( تجديد ذكرى ابى العلاء ) ( وعلى هامش السيرة ) وقد قرأنا الاول معا فى النادى البنانى بباب المنارة وقرأ الثانى وحده فاعجب بهما اعجابا واثنى على اسلوبهما ثناء حسنا . وفى السهرة بهذا النادى كنا ناتيه بمجلة الرسالة للزيات وهي في عنفوان شبابها الادبى القوى الذى كون جيلا من الشباب الادبى فى العالم العربي وقتئذ وكنا نقرأ له بعض فصولها الجيدة ولكنه لا ينسى ان يذكرنا عند ما يرانا نقف معجبين امام رائعة من روائع التفكير

او التعبير الغربى بالروائع المماثلة من شعرنا القديم فى تاريخنا الحافل بالامجاد والمكارم فيثير فينا نخوة الاعتزاز بالقومية اللغوية والقيم الجمالية للحضارة الاسلامية وينفخ فينا روح المقاومة لسياسة الحماية في مطاردة العربية ، وبذلك كنا نجمع بين طراوة الجديد ونظارته وبين اصالة القديم وجلالته واعظامه فى العقول والصدور ، وانها لطريقة سليمة فى نظرى لتكوين الاديب الناشىء ، فيها من الطرافة والاصالة شىء كثير تمكن طالب الادب العربى من ان ينشأ تنشئة ادبية تجمع بين الخالد من القديم والبديع من الجديد دون ان يقصر قصرا على نمط معين يضيق آفاقه ويحبسه فى او هاقه .

وان هذا ليذكرنى بما حدثنا به طه حسين فى كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لاستاذه المستشرق الايطالى (نليتو) حيث كان طه حسين فى الصباح يذهب الى الازهر لياخذ الادب القديم على شيخ ادباء مصر فى عهده وهو الشيخ سيد المرصفى المتوفى سنة 1931 ، حتى اذا ما جاءت العشية اخذ عن هذا المستشرق الاساليب الحديثة فى دراسة الادب ونقده وتاريخه بالجامعة المصرية.

وهما عاملان متغايران قديم وجديد لكل منهما خصائصه ومقوماته وقد تعاونا على تخريج طه حسين وامثاله من اعلام الادب فى مصر تخريجا ادبيا ممتازا . وكان الكبادى لنا وقتئذ يمثل دور المرصفى ومجلة الرسالة كانت فى نظرنا تؤدى تلقيح المستشرق الايطالى للتفكير الادبى بالجامعة المصرية ، وقد كانت مجلة الرسالة وقتئذ منبرا لعلية كبار الكتاب من جامعيين وغيرهم امثال الزيات وطه حسين والعقاد والمازنى والرافعى والبشرى وتيمور وغيرهم

لقد كان مكان الكبادى فى النهضة الادبية فى بلادنا فى الصدارة فهو استاذ الجيل الادبى وهو الذى حمل مشعل الثقافة الادبية القديمة فى قطرنا طيلة نصف قرن بدروسه فى الزيتونة والعطارين والخلدونية واذكر يا سادة ان طه حسين اشتكى يوما وهو يضع مقدمة كتاب ( قال الراوى ) لمحمود تيمور من انصراف ناشئة المتادبين فى العالم العربى عن قراءة الادب القديم لانه صعب او شىء آخر من التعليل . فالعهد بعيد بقراءة المقدمة

والحق اقول لكم انه لا يقبل على الجديد لانه جديد ولا يعرض عن القديم لانه قديم ، فليس ذلك بالمعيار الصحيح لتقييم اشياء الفكر والوجدان يقول العقاد : لا القديم كله نافع ولا البدع الجديدة كلها نافعة ولكنها النفع كل النفع فى الحس الصادق والراى الجرىء والعزيمة البصيرة لانها ستبقى ما هو جديد بالبقاء من القديم والجديد على السواء . والراى عندى ان ادبنا الحديث اذا لم يكتسب من القديم الرائع عناصره الرئيسية ومقوماته الاساسية ولم يقتبس من الحضارة

القائمة وسائلها واهدافها فهو ادب مذبذب ظاهره تهاويل وباطنه فراغ وجفاف

وكذلك عاش الكبادى في حياته الادبية لسان ميزان الاعتدال في العالم الادبى فى تونس كما عاش المرصفى فى مصر يحبب لابنائه اصالة الادب القديم بمحفوظة الواسع وتذوقه السليم ويعرضه عليهم عرضا ماهرا بارعا فيه ذوق مترف وفيه اغراء بالتعمق والموضوعية مثير . قرانا عليه اطرافا من الكامل للمبرد والبيان للجاحظ والمثل السائر لابن الاثير ورسالة الغفران ، ولزوم ما لا يلزم للمعرى . فكان لنا دائما كالقائد الماهر امام القافلة جهد بها سبل المعرفة على غرار الفحول الاقدمين فى مدارس الكوفة والبصرة حتى اذا ما آنس من ابنائه عسرا فى الفهم او كللا فى العمل نفحهم بالنكتة الحارة الضحوك والاقصوصة المرهفة فيشحذ الهمم ويثير العقول ويطلق الافكار من عقالها ويخفف على النفوس اثقالها وما رايت رجلا فى حياتى احب العلم كالكبادى ولئن كان التدريس لدى غيره من المحترفين بالعلم مهنة محنة مقلقة فهو عنده متعة لزبدة وصناعة اثيرة يلقى طلابه بالوجه المتهلهل بشرا ويحفهم بالترحيب والتاهيل وجميع ابنائه يعلمون انه ياخذ نفسه بادق آداب السلوك النبيل فى معاملتهم ومعاشرة غيرهم وفى الوقت الذى كنا نلاقى فيه من بعض اساتذتنا انتفاخاو تعاظما يجعل الصلات الطيبة بيننا وبينهم كالحة موحشة .

كانت اخلاق الكبادى رحمه الله عبيرا عطرا فواحا نضيرا ، كنا نرا فيه علما واسعا يزينه التواضع انه يوزع الحب والعطف علينا فردا فردا فيملا عقولنا علما لا عهد لنا به عند غيره ويضمخ قلوبنا بشمائل العلماء .

واذا احب الطالب استاذه اثمر البذر ثمرا مضاعفا كمثل حبة انبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة . اما المعاملة الجافة فان ثمرها يخرج نكدا كان يحب المطالعة حب الوله والهيام ، يقضى الساعات الطوال من يومه وليله متابعا المطالعة دون كلل او فتور تعينه انفاس الدخان ورشفات الشاى . ومن المطالعة كان يستمد العيش الفكرى السعيد فى آفاق الاغانى للاصبهانى ، الذى قراه مرتين فى حياته وهو كتاب يدخل فى عشرين جزءا وقد كاد يقوم عليه كدراية ورواية وغيره من اصول الادب والتاريخ والحديث والتفسير .

وكان يتورع ويتحرج من ان تصاب لغته بجراثيم التعبير الصحفى ويقول : ان صاحبه وتلميذه المستشرق ويليام مارسى كان يحرس فرنسيته من سفسفة التعبير الصحفى فلا يقرأ وقتئذ الا جريدة الزمان الفرنسية - فانظروا الى اى حد كان غيورا على عربيته . وتاملوا كيف كانت مفاهيمه للادب فى هذا العصر وعلى المطالعة عاش يافعا وكهلا ، وشيخا ، وسليما ، وسقيما ، حتى اقعدته العلة

بيته واصابه الدهر بازماته فكانت الكتب انيسه فى وحدته تلوذ به حتى خانه الصديق وتخلص له الحب حين اوحشته اخلاق الناس غدرا وهجرانا وكنت ازوره فى مرضه وهو يقاسى الم العلة ووحشة الوحدة فاحتضر الجلسة وهو يلح على فى البقاء عنده انسا وفضلا فما رايت اجل منه فى عينى وهو لزيم فراشه ورهين مرضه والكتب حوله منثورة وانى لاساله هنيئا لك هذه المطالعة فينشد متمثلا : " لم يبق شىء من الدنيا نسر به سوى الدفاتر فيها الشعر والسمر " وفى زيارتى الاخيرة له كنت اهم بالقيام حرصا على راحته فيلح على فى مواصلة الجلوس عنده ولما نهضت مودعا وكان فى ذلك الوداع الاخير . ولو كانت الآجال تقبل التعويض والتاخير لزدناه من انفاسنا ونبضات قلوبنا . عندئذ انشدنى هذا البيت وهو آخر ما اروى عنه :

يطول اليوم لا القاك فيه

               وحول نلتقى فيه قصير

ولقد كان ابتسامه يخفى بؤسا نفسيا واسباب ذلك ليس هنا مجال لذكرها ومن اجل هذا التشاؤم كان يسرف فى قراءة لزوم ما لا يلزم للمعرى ويتاثر بافكاره المتشائمة حتى حملتى بالعدوى على مطالعته مرتين من كثرة ما اسمع من استشهاده به

ولقد حاولت للمرة الاولى فى حياتى الادبية ان اقول الشعر فصنعت هذين البيتين فى ( الساعة ) متاثرا بطريقة المعرى وعرضتهما عليه فاعجب بهما قلت :

وما هذه الساعات الا عقارب

                   تشول باذناب لهن سمام

وما نخرها للعمر الا تأذن

                 بان الذى تقضى اليه حمام

وما كنت ادرى ان ذلك اللقاء هو الاخير بينى وبينه وان عقارب ( الساعة ) قد وصلت الى النهاية فى نخر عمره وطى مراحل حياته التى ملها من الالم الشخصى الذى كان صابرا عليه ومن السخط السافر على موقف المسلمين من دينهم الحنيف

رحمه الله كفاء حبه للعربية وتمثيله للاخلاق الكريمة وتشبثه بالعقيدة الاسلامية

فلقد بذل الادب لكل راغب فيه للقريب والبعيد للاصيل والاجنبى فى المدرسة والمقهى فى المجلس السامر والطريق العابر .

ولقد رب المستعدين من ابنائه بفضائله تربية صالحة طيبة وغرس فى قلوبهم حب العروبة والعربية والاسلام

وجدير بى يا شيخى الكبير ان اتمثل بما قاله ابو العتاهية فى رثاء الاصمعى الراوية :

اسفت لفقد الاصمعى ، لقد مضى

                   حميدا ، له فى كل صالحة سهم

تقضت بشاشات المجالس بعده

                وودعنا ، اذ ودع ، الانس والعلم

وقد كان نجم العلم فينا حياته

                فلما انقضت ايامه افل النجم

اشترك في نشرتنا البريدية