الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الشيــــخ العـــــربـي الكــبادي، في المـجــــامـع العـــــامــة التونسية

Share

تلبية لنداء منظمتنا المعهد الرشيدي ووفاء منا لبطل هو في مقدمة العاملين في ميداني الادب والفن نـجتمع اليوم حول منبر كثيرا ما زانه راحلنا الكريـم شيخ الادباء العربي الكبادي الذي هو احد اركان هذه المنظمة التونسية التي قامت اسسها على الوفاء للعاملين في الميدانين اللذين كتب لـهما ان تتوالى مصائبهما بفقد رجال افذاذ تساقطت اغصانـهم بعد ان اثـمر غرسهم لفائدة الاشادة  بـمجد البلاد والعمل المتواصل للاحتفاظ بتراثنا وتقديـمه للاجيال ولا شك ان الرجل الذي نـحتفل بتأبينه قد اسدى كثيرا للمجتمع الفني والادبي وللشباب بصفة خاصة .

وآثار هذا العالم العامل فقيد المحافل الادبية تحتفظ بـها الـجرائد والـمجلات وديوان شعره منتثرا فيها ، هذا زيادة عن آلاف المحاضرات التـي القاها بالاذاعة الوطنية ومنبرا الـخلدونية وقدماء الصادقية وحلقات الدرس بـمعهد الاداب العربية والجامعة الزيتونية.

ولا اتردد بـهذه المناسبة في شكر عميد مؤسستنا الاستاذ مصطفى الكعاك واعضاده الذين كانوا نعم الخلف لخير سلف في المثابرة على العمل المتواصل والاحتفاظ بالامانة التـي تعهدوا بـها وكانوا المثال الاعلى في هذا الصدد مع الاحتفاظ بالمبادي السامية لمعهدنا الذي يـحق لتونس ان تفاخر به بين الامم والوفاء للمنتجين والعاملين وفـي مقدمتهم شيخ الادباء المـحتفل بذكراه فـي هذه اللحظات التاريـخية .

ولا انسى دور الاذاعة الوطنية ووفائها للفقيد وكذلك الصحافة التونسيه عربية وفرنسية وكل من اذاعة لندن واميركا وباريس و المغرب الاقصى ما دام فقيدنا هو ملك للمجتمع الادبي العالمي وهو الذي شرف الادب واعترف الجميع بفضله ونبوغه ودرايته وتبحره واخلاصه وانقطاعه للأداب التي كان امامها ونبراسها في ربوع الـخضراء وسجلت له اجمل المئاثر والمناقب الخالدة .

لـم تنته الاوساط والمحافل الادبية من حزنـها على الفقيد نابغة الادب المرحوم محمد بيرم التونسي . حتى تصاب بـحدث جلل وهو فقدها لركن من اركان الادب العربي المرحوم الشيخ العربي الكبادى.

انـي لا اخفي عليكم انـي لست من الرجال الذين يـحق لهم الوقوف فـي مثل هذه المواقف الحرجة امام روح همام فقدته المجامع العلمية والأدبية والفنية ، وهو فـي نظري لا يقل اهمية ودراية ومكانة عن امثال شكيب ارسلان وجميل صدقي الزهاوي والرصافـي وابـي تمام والبحتري والخضر بن الحسين وعبد الحميد بن باديس ومحمود قبادو والشاذلى خزندار ومصطفى ءاغه .

ولكن احساسي ووفائي للراحل هما اللذان يدفعانـي لاكون ضمن نخبة المؤبنين الاوفياء للفقيد العظيم والعزيز علينا جميعا وهو الذي خسره العالم العربـي لا تونس فقط .

ما دام هذا الفذ من انصار رجال العروة الوثقى ومن نوابغ الاصلاح والارشاد والتوجيه المثمر وله افضال على امثالي وتعريفهم بـمناقب اولائك النوابغ الذين عددناهم للذكرى والتاريخ .

واني لاقف خاشعا امام روح رجل طاهر وعالم فذ انتفع به طيلة حياته ، وكان والدا روحيا لعموم الادباء والكتاب والفنانات والفنانين عمل باخلاص ضمن اعضاء منظمتنا التونسية التي يعد الفقيد ركنا من اركانـها عمل بجد واجتهاد سواء في عهد واضع الحجر الاساسي له او مع خلفه فطالما تفانى في العمل لوضع الاسس وانـهمك في تلك الملفات لتهذيب تراثنا المناط بعهد اللجنة الادبية التي كان رئيسها ونبراسها لما يبديه من دقيق الملاحظات والنصائح في مرح و سرور كلما دعى لهذا العمل طيلة سنوات لم ينقطع فيها الى ان اقعده المرض ولازم الفراش ولم يعرف عن الفقيد انه كان يوما غاضبا واذا صدرت عنه ملاحظة فهي بالعربية الفصحى وبالاشارة ما دام رحمه الله كان مثال الاخلاق الفاضلة والحكمة النادرة فالفقيد يعد مصدرا ومرجعا فقهيا وادبيا وعلميا وتاريخيا وهو الذي يرجع له الفضل في تعريب لسان الشباب وكان همه الوحيد مصارعة العجمى في لين وحكمة وتلقين الاوساط اصول العربية وآدابـها وهو العالم الاديب الذي لم يستنكف على الجلوس في المقاهي العامة التي جعل منها نوادي لعدم مساعدة الحظ له ليكون بين عرصات الجامع لتجاهل مقامه العلمي والادبي سوى بعض ايام نعت فيها بـمدرس للاداب في زمن قصير جدا يرجع فيها الفضل لذويه . وقد كانت نواديه الشعبية يؤمها الشباب فيهش لهم ولا يخاطبهم الا بالعربية الفصحى التي كانت ديدانه وكان

امامها بلا خلاف وحصنها الحصين ، وهو يعد اداة تعريف بين ماضي الاد ب وحاضره ومصدر التوجيه المثمر لرجال يشار لهم بالبنان من نبغاء الادب ورجال القلم .

فهو العالم العامل بعمله في حياته كلها التي وهب نفسه فيها لله من عهد بعيد متصديا لتدريس العامة والخاصة بدون مقابل وكان همه الوحيد نشر المعرفة والعربية على قارعة الطريق بين الغادي والرائح .

وما زلت اتذكر امثال العالم الفرنسي وليام مرسى اراه جالسا امامه كتلميذ وكان همه رحمه الله اصلاح لسان هذا المستشرق بوسائل لطيفة وهي اعادة الجملة مرات في تؤدة وباتزان وهذا من اهم مميزاته وصفاته النادرة التي لم يشاركه فيها معاصروه .

وقد امتاز بتنزيل الايات القرآنية والاحاديث والاستشهاد  بـهمامع النصوص الادبية وقد ختم كتاب الاغاني مرات حتى اصبح  يلقب بلسان العرب في بلادنا .

وكان الفقيد يزدري بالالقاب ولا يهمه في الحياة الا ازدهار الادب والفن والعربية ، وله فضل على اجيال من الشباب الجزائري والليبي والمغربي والتونسي وكان من انصار الحق والفكر الحر والفقيد الطاهر من دعاة الفضيلة والوحدة العربية الاسلامية وهو من افذاذ التحقيق العلمي والدراية الاجتماعية والتخصص في الادب ، وكان رحمه الله يجمع بين الدين والدنيا ولا يحرم نفسه ولا يخفي آراءه النيرة . فهو شاعر راوية ومـحدث ومفسر مع قوة استحضار نادر المثال الى النفس الاخير من حياته منكبا على المطالعة وله مركز في المجامع الادبية العالمية . ولازلت اتذكر لما زرته قبل وفاته بشهر كان يسألني باهتمام عن احوال المعهد الرشيدي وابنائه وبناته لانه كان لا يفرق بين المراة والرجل في ميدان المعرفة والادب والفن . وكان يبتسم قائلا اني يا بني ارجوا من الله ان يسهل على لقاءه لاني اصبحت لا ينتفع بي ولا انتفع بنفسي وقد اديت واجبـي ، وارجوكم ان تحافظوا على المعهد لانه تكلف علينا غاليا ولتسيروا به الى الامام واخلصوا له كما اخلصنا له ، رحم الله الفقيد واسكنه فراديس الجنان ورزقنا نحن جميل الصبر والسلوان .

اشترك في نشرتنا البريدية