يغتبط " المنهل " بان يتجه بعض كتابنا الى التخصص فى البحوث العالمية الواسعة الآفاق ؛ وفي مقدمة هؤلاء الأدباء كاتب هذا المقال الأستاذ السيد مجد حسن فقي
تحتاط القوات الشيوعية الصينية بنانكين احدى مدن الصين وعاصمتها القديمة . ونحن نكتب هذه الكلمة والمدينة على وشك السقوط وقد نقلت منها الحكومة الصينية كافة الوثائق والاوراق الرسمية الهامة خشية وقوعها فى ايدى الشيوعيين ، وتاهبت هي لمغادرتها عند ماتتحرج الحالة تحرجا يضطرها الى المغادرة ، وقد ينقل الاثير الى سكان المعمورة نبا سقوط العاصمة الصينية قبل ان تكون هذه الكلمة بين ايدى القراء ، بل قبل اعدادها للطبع . فالاحداث العالمية تتلاحق باسرع من كرة الطرف . والتطورات والانقلابات التى كان وقوعها يتطلب السنين أصبح تكفيه الايام والساعات !
وقد شغلت الحرب الصينية الاذهان أمدا طويلا قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها ، لان الصين من اوسع اقاليم الدنيا وا كثرها سكانا فالتطورات التى تلحقها تؤثر فى العالم تأثيرا خطيرا مباشرا وتسترعي اهتمامه وتتيمه ان لم يكن تدخله ومشاركته ، ولكن هذه الحرب دخلت فى مراحلها الاخيرة فى طور جديد فغدت الولايات المتحدة تمنح الصين معاونة عظيمة مكشوفة . وغدت روسيا تساعد شيوعي الصين مساعدات كبيرة غير مستترة ، كما هى الحال فى اليونان تماما وظلت المساعدات تترى من الجانبين لاشياعهما . وظلت كفتا الميزان تتأرجحان صعودا وهبوطا تارة فى مصلحة الحكومة الصينية وأخرى فى مصلحة الثوار حتى رجحت أخيرا كفة الشيوعيين رجوحا ظاهرا ودهش الناس وتساءلوا عن
الأسباب فقال فريق منهم ان الولايات المتحدة قد قللت فى المدة الاخيرة من مساعداتها للحكومة الصينية بعد ان يئست من صلاحها وتيقنت من عقم الوسائل التى تحكم بها هذه البلاد المترامية الاطراف ! وقالوا ان مستر مارشال الذي كان مستشارا عسكريا للرئيس شانج كاي شيك قد نصح باتباع هذه السياسة بعد ان اقتنع بضرورتها وبعدم جدوى المساعدات الاميركية الطائلة التى تقدم للحكومة الصينية ؛ لانها لا تصرف فى الوجوه التى قدمت من أجلها بل يتسرب معظمها الى الجيوب الخاصة وينفق الباقى بطرق غير وجيهة ولأفعالة ! ! وقالوا ان الولايات المتحدة قد جست نبض زعماء الشيوعيين فألفت منهم رعبة فى الوفاق معها بشروط ملائمة لمصلحة الطرفين ! وان شيوعي الصين ليسوا كغيرهم من الشيوعيين فهم لا يسمحون بأن تكون بلادهم العظيمة تابعة للكرملين يتحكم فيها ويوجهها كيف شاء كما يفعل بالبلدان التى تدور فى فلكه ! ! وان كانوا يعتنقون المبادئ الماركسية ويحاولون ان يقلبوا كيان بلادهم السياسي والاقتصادى لينشئوه مرة ثانية على أساس من تلك المبادئ
أما الفريق الآخر فانه يستمع الى هذه الاقاويل ثم يبتسم ساخرا من غفلة أهلها ؛ وهو يرى أن كفة الشيوعيين قد رجحت لان المعونة الروسية كانت من السعة والقوة بحيث نظمت من شيوعي الصين جحافل جرارة مسلحة بأحدث طراز ومزودة تزويدا كاملا بالاموال والمؤن والعتاد والخبراء المختلفين فى الاختصاص فى حين كان الامريكيون يترددون فى معونة الحكومة الصينية بما يلزمها لمقابلة هذه الجحافل المسلحة لانهم كانوا يختلفون اشد اختلاف فى مقدرة تلك الحكومة على صد هذا السيل الجارف من الثوار او عجزها عن صده ! وكانوا يحاولون منذ تبينوا مبلغ استعداد الثوار واصرارهم على الانتصار الساحق ومسك زمام الحكم فى بلادهم - ان يدخلوا فى مفاوضات معهم لعلهم يصلون الى اتفاق مع الجانب الاقوى كما هى عادة الديمقراطيين ! ولكنهم دللوا على قصر نظر سياسي فى الاولى ومنوا بفشل ذريع فى الثانية . . فلا الحكومة الصينية استطاعت الثبات والمقاومة بله الهجوم والمطاردة بسبب ضعف الامدادات الامريكية ولا سيما فى
الظروف الاخيرة . . ولا الثوار الصينيون اصاخوا الى ثرهاثهم وعروضهم السخيفة وهم الذين كانوا يتلقون المدد المتواصل من الاتحاد السوفيتى ؛ ويعتنقون المبادئ التى يعتنقها ذلك الاتحاد العظيم . فى حين كانت روسيا لا تتردد طرفة عين فى بذل المعونة المستمرة الفعالة لحلفائها وأشياءها . وكانت تهدف بذلك الى هدف جد خطير هو بلشفة البلاد الصينية بأجمعها لتسرب البلشفية منها الى اليابان وبذلك تتم لها السيطرة على الشرق الأقصى بأجمعه ثم تنحدر منه الى اندونسيا - التى تضم كثيرا من اتباعها - وإلى الهند وبلدان الشرقين الاوسط والادني
وقد تحقق حتى الآن جزء كبير من برنامجها الضخم وماتزال ماضية فى سبيل تحقيق الباقى بصبر واناة وبعزم واصرار وباستعداد وتضحية ! !
والذي يلوح لنا ان سادة الكرملين سيواصلون مجهوداتهم الجبارة لتتم لهم الغلبة ويتحقق لهم ما يصبون اليه من سيطرة على العالم وتحكمه فيه ؛ فاذا انتهت الحرب الصينية بانتصار الشيوعيين وإمساكهم بزمام الحكم فى بلادهم وكل البوادر تدل على ذلك - فان حدثنا عالميا خطيرا يكون قد وقع . وهو - فى راينا - لا يقل شأنا عن أخطر الاحداث العالمية الكبرى التى واجهتها البشرية فى هذا القرن الملىء بالاحداث . . فالصين - وسكانها خمس العالم - ستتطور انظمة الحكم وأساليب الاجتماع ووسائل الاقتصاد فيها تطورا كبيرا بعد ان تصبح شيوعية وسوف تغدو قوة عالمية هائلة تتصرف بها روسيا كيف شاءت ، وتهدد بها خصومها تهديدا عمليا مخيفا . . وما ظنك ببلد يستطيع ان يقذف الى الميادين بما لا يقل عن عشرة ملايين من الجنود على أضعف الاحتمالات ! فاذا احسنت الشيوعية تدريبهم العسكرى ، ورفعت من قواهم المعنوية وزودتهم باحدث الاسلحة فماذا يمكن ان يفعلوا ؟ ؟؟؟؟ يغرق القارة من حيث السعة وتعداد النفوس إذا نظمت مرافقة الاقتصادية تنظما يقوم على أسس متينة من العلم والمادة ؟ ! الا يستطيع هذا الاقليم ان يغرق لاسواق العالمية بمنتوجاته ثم التحكم فى مقدرات الامم عن هذا السبيل كيف شاء فاذا تحقق الحلم السوفيتى فى غزو بقية آسيا وأفريقيا والانتصار عليها كما انتصر فى الصين فماذا تكون الحالة العالمية حينذاك ؟ هل تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها ان يعيدوا هذا التيار الجارف أو يقفوا - على الاقل - فى وجهة بعد أن يستفحل هذه الاستفحال المخيف ؟
ولسنا ندرى هل يعرف الديمقراطيون كل هذه الاخطار التى تنطوى عليها المجازفات سوفياتية فى الصين أم لا يعرفونها ؟ ان كانت الاولى فلماذا يقفون مكتوفي الايدي وكانهم يتفرحون عليها ؟ ولماذ يصبرون على الضيم هذا الصبر الشائن المسيئ ! اهم عاجزون أم متربصون ، أم ناصبون لخصومهم أشرا كالم تتبدا حابيلها لاعين الناس بعد ؟ ! وان كانت الثانية . وما نخالها الا اذا بجردنا من حلومنا . فانهم على جانب عظيم من الغفلة لا يليق بشعوب كبرى تتزعم العالم وتحمي الحضارة وتدين بالديمقراطية الصحيحة !
إن سقوط نانكين هو انذار صريح للديمقراطيين باليقظة والتأهب والنضال الرهيب . وايذان لهم بحرب شعراء تكون الحروب العالمية التى سبقتها بالنسبة اليها مجرد مناوشات ووقائع غير ذات شأن فاذا لم يسارعوا الى انتشال الصين من بين براثن الدب الروسي فسيواجهون فى المستقبل القريب دبا صينيا افظع واشد مراسا وأكثر نفرا من الدب الروسي .
على أنه ما يزال هناك أمل فى إنقاذ الصين واكتسابها الى جانب المعسكر الديمقراطي مادامت هناك معاقل صينية لم يكتسحها الشيوعيون بعد . ومادامت هناك جيوش صينية تحارب الشيوعية وتتربص بها الدوائر وليس أمام الديمقراطيات سوى هاته الفرصة الذهبية الفريدة ، فاذا اغتنمتها فان لنا أن نتفاءل وأن نتترقب الحوادث . . أما إذا أفلتها فان خطر الشيوعية سيهدد العالم باجمعه تهديدا ما يعلم عواقبه الا الله .

