أنا والزمن ، والمجتمع وأطفالى مشكله.
أنا والارض ، وجيوش البحر يمتلكونها
( انك لا تستطيع مقابلة التحدى بالتحدى ، لماذا ؟ لست أدرى ! ربما التخاذل ، ربما الايام قد خبأت لك الكدر تحت هذا الصفاء المزيف
عندما رفضتك الارض تلهبت عني بالخمرة ، الخمرة انستك كل البلاء ومضيت فيها تجهل الباطل والحق وأنت مطوق بالاثم .
عندما تحركت الارض من تحت أقدامك رميت شباكك لكل حسناء ولم تكن صيادا من قبل ، أنت جبان ، لماذا لا تواجه المشاكل بكل قوة ؟ لماذا لا تندب حظك ؟ وتذكر للجميع بأننا عبيد العصر الحديث والقهر غذاؤنا
أنت لست بجبان فقط ، بل غاية كاذبة فى حياتى ، عشرون عاما قضيتها فضيتها تدرس في وجهى مشكلة الارض ، تستمد من كل صحيفة طغيان المسبح ، وفي عيون جيوش البحر تقرأ الغرور وكيد كل بحار ، فى كل شارع نحدق ، والشيوخ والشبان يتعزلون عن الوجع بالكؤوس يتسامرون . يطلبون المزيد يجهلون أسرار المجتمع ، وانت يدفعك الامل أحيانا فتبحث ثم تتوقف لتسأل وتسأل ، تطلب القليل القليل من الكثير
وبخطى موجعة تعود الى المنزل بعد ساعة متأخرة من الليل تدخل علي رؤوس أصابعك كي لا أستيقظ . . لكنى تعودت فأنا فى انتظارك منذ الامس البعيد حتى اليوم ، وانت منهوك القوى تستلقى على السريرة ترفض الاكل
محدقا في سقف الحجرة ، كأنك تسترجع ذكريات الماضى عندما كنت شابا تحلم بالمسؤولية ، وأجلس بجانبك مطرقة وعيوني تقول لك : لماذا أنت عاجز ! عاجز ! والرجال لا يعجزون أمام هذا الامر البسيط ؟ وأرميك بنظرات فيها مزيج من الحنان والغضب .. وأمسك يدك باردة خالية من كل عاطفة كالامل البارد الضائع من بين ايدينا وتميل بي الدنيا لأسألك كالعادة ، وتضمنى اليك لتجيبنى كالعادة ، ولا شيء مما يذكر .
أسألك بشدة
- متى نصرخ الاثنان صرخة الاستنكار ؟ صرخة تمزق البطون الجائعة ؟ نمزق الحقيقة الخبيثة الكامنة بين هذه الملايين ونمضى فى سلام ! أيعقل هذا ؟
كل شئ في الارض أصبح يباع بمقدار هام من الذهب ، وأنا لم أملك عنك سوى خاتم الخطوية ، فلا ذهب ولا فضة بهذه البيت ، والبيت للجيران . وغدا سيطالبوننا بالتخلى وإلا .
ونحمل متاعنا ونمضى ضمن الراحلين ، فكلما نظرت فى عيون أطفالنا البريئة شعرت بذنب لا يغتفر
لماذا فكرنا فى الزواج ؟ والارض ضيقة ضيقة تختنق من عباد الله : ندور فى عصبة ، يمتلكونها من هنا حتى أقصى الشمال ، بلغة البحر يتحدثون تحت نور المصابيح يعودون بالمحاصيل حبلى لتلد ذهبا وتنمو ، ملايين بعد الملايين
لماذا فكرنا في الانجاب ؟ إثنان ثلاثة غرفة واحدة تجمعنا ، الحقد يملأ قلوبهم ، بتوسدون الارض ، وقد تجاهلنا بأن العالم عفريت ياكل الصغار والمواليد الطفيليين فى عيونهم يتحدث التاريخ وفي وعي يسألون : هل للحرب ميلاد ؟ أم لكل ميلاد تولد حرب ؟ أليس هنالك من جديد ؟ وكأن ادم ولد قائدا للحرب .
وما دامت الحرب تهدم كل شئ والجميع للفناء ، لماذا نشاهد عمنا مختار يشيد بالقرب منا منزلا يشبه قصر قرطبة ؟ وقد جلب اليه النحاتين فى الليل خوفا من الحساد والعيون الخبيثة وهو أجهل منك يجهل كم فى الحروف
الهجائية من حرف ؟ هل الجهل أصبح مصيبة أو تحديا ؟ وأحاول بجهد تغيير مجرى الحديث بخرافة ألف ليلة وليلة لكنهم أذكياء يفضلون النوم ليغرقوا في أحلام لذيذة :
انا افكر فى النهاية أفكر عندما تفاجئنا الموت فربما يطالبوننا قبل الدفن بثمن متر ونصف وربما يكون المبلغ فى وزن الذهب ، فنمضى أشلاء لحم كضحايا الحرب المفقودين . أحس أننا فى ضياع نختنق فى غرفة هي أشبه بسجن للمعلول أشعر أننا لسنا جزءا من هذه الارض ، نحن المستضعفين ، فرصة الحوار لن تتاح لنا ، وأنا جاهلة لا أفهم لغة الناس أفهم الارقام يبدو لى الدينار شيئا هاما واذا هو مائة مليم فيخيب ظني
وأروح بين الغادي والرائحين بين الهمسات والزفرات وفى خيالي تبرق ألف حقيقة وحقيقة ! تبدو غريبة لو أطلقت لها العنان كى تصرخ فى أعماق كل من يتجاهلها .
أسير فى شوارع المدينة كمجهول النسب ، رفضه المجلس البلدى أحملق فى كل وجه وأسأل نفسى
- هل يحمل المستقبل مصيرا آخر ؟ وكيف نعوض الماضى بالحاضر تطلعا للمستقبل وكلاهما فى شكل الصفر دائرته جوفاء ؟
أسير وأنا اشتهى كل ما يحيط بى وتخيفنى الاسعار فأدوس قلبي وأتناسي الامر فلو كنت حاملة لفضلت قضاء تسعة أشهر فى عقر دار الجيران ، كى لا أشاهد طفلى قد رسمت على جسمه ألوان شهواتي . وان اشتهى وأتمنى وبخيالي أبنى الواقع والمستحيل
أنت تدخن فى صمت تفكر حركاتك تتلوى قلقة وأمضى أنا فى صمت متألمة استعرض ملذات الحياة
أسافر برأسي الى بلاد العمالقة ، بلاد يتحدث عنها كل سائح ، كل عابر سبيل ، فأدخل من أبوابها وأجلس على كرسى وأمامي أصنام أصنام تحمل سيوف بلادى ، تحرسنى ، وأجول فى ثوب جميل كزوجات الملوك أنساب عبر النزل ، . والحفلات الكبرى . وبسواد عينى أشق السماء ، أبحث عن محتواها ، وكم تبعد عن هذه الارض الثمينة
يصادفني أصناف من الرجال هذا الذي يبتسم ويعانق حبيبته ويقبل شعرها كأم يطلب منها الغفران ، ثم يحتويها فتحتمي بدفئه ، اكرههم لأنهم قتلوا في أعماقنا طموحا وثابا . هم أصحاب القلوب المتحجرة ، تحت أنغام الموسيقى ينامون أهاليهم يتحدثون بالذهب ، صغارهم يلعبون بالنقود المعدنية ، سماؤهم ترسل امطارا من القطن الدافئ .
اشتهى من أعماق قلبي - بكل نشوة عارمة - اشتهى سحقهم جميعا ، سحق كل البنوك ، وصناديق الرصاص ، وواجهات الذهب ، ومخازن الكنوز وخزائن الاسرار ، وبكل مفاتيح السجون أجعل سلسلة لكلبى الذى يحرسنى فى أمان أحطم كل مخازن الاسلاك الكهربائية ، وأمر من قرية الى قرية حتى بلدان الشرق والغرب بدون جواز ولا سؤال . . ولا جواب واننادى بالأجسام السقيمة التى تنام وراء البحور من أجل المليم ، وأجعل من جيوش البحر أسماكا للجائعين والكادين العاطلين
أتخطى الطرق ، أصرخ فى جنون ، أسلط غضبي ، أقاوم رجالهم ونساءهم ، أطوقهم بسياج من الحديد ، أمقت شهوتهم . فيزحفون أمامى عراة وأنا الحاكم الناهى أعلن القرار الصارم بعد القرار المريع بلا حدود ، لمن يتحدانى .
يعود بى رأسى تسخر منى الاوهام لأنزعج بصوت الجارة تلعن الساعة ، وتلعن كل من كان سببا فى ايجار بيتها
شوهت أحلامي حرمتني من شعور لذيذ وأحلام هادئة وادعة
أنت بجانبي تجمع بقايا السجائر أمامك كما جمعوا ضدك بالامس مائة قرار لأنك لا تحترم قوانين المجتمع ، وأنا فى سرير ضيق فقير جسمى مشدود اليك أبحرت بدونك وعدت بلا يقين
جسمى خف وزنه ثلاثى جماله بطني سئم الحمل إثر الحمل كرهت الأمومة ! والسئون تجرى تجرى تأخذني تفتك عمري . تهتدى دورتها بنور عيني والعالم لا يبصر من أنا
العالم ، العالم ، يساوم القمر يغازل الضعفاء وأنت بلحمك . بدمك تفكر ، ليس لك مكانة حتى فى سوق العبيد
القرن العشرون يمضى بسرعة غريبة ، ويأتى كل ما هو آت من بعده ، يخيل لى أنه يثير الدهشة والشك والتساؤل ، والعجيب ، أن صغير أطفالنا يسأل ويهمس بلهفة مجنونة طائشة وشوق المعرفة يمزقه :
- لماذا أبى وأمى يجمعهما سرير واحد ؟ .
يسأل بكل جرأة ، وبعبث صبياني أجيبه :
- تحت تجتمع يا صغيرى كل ليلة ، لنعد المليم بعد المليم ونساوى الجملة ، ليكون لنا غد كالآخرين . . نجتمع الأثنان لنبحث فى قضية الارض ، باتت أثمن من حياتنا .
وبعض يسأل ويسأل والارض لا تجيب ، وجيوش البحر يرفضون الغريب ، مع البحر قد تحالفوا منذ عشرين عاما
عندما اتذكر كل هذا أتمنى أن تعاودنى هذه الاحلام ، بياض يومي وسواد ليلى، لأن سعادتى في امتلاك قطعة من الارض لنجعل فيها عشا مستقلا أصبحت حلما فى حياتى .
لا داعي لتوتير الاعصاب ، تقولها وتضحك أنت بعد صمت طويل . بعد شرود وغضب ، لتدس جسمك في اللحاف ، وتمضى تضحك لتقول لى بلغة الرجال :
- أنت ضعيفة تكافحين بالاوهام والاحلام ! أنت تحلمين كثيرا ، لا تبنى منزلا من الطين فوق الرمال ! الامواج غدارة ! كوني حذرة ، وابتعدى عن الحبال ! حدثتك ألف مرة بأن تكوني واقعية ، فنحن لا ننتمي لفئة الشعراء الذين هم بخيالهم سعداء ، يصنعون المستحيل ، يجسمون الواقع فى غموض نجهلينه ، هم مرآة من هذا العصر ، بخيالهم يقومون بتجسيد شخصيتهم وإذا صاروا لحتفهم تندب كل الصحف عليهم وكل الأجيال تنظر في الكثير من شؤونهم
أما نحن ، يا حبيبتى ، محاصيلنا قليلة وقليلة ، فلا نتمتع بهذا الوزن . ووضعنا يزداد تعقدا عبر واقع حياتنا يعذبنا ولا نراه ، تولد التعاسة .
نتجدد فى بيت الجيران تستقر فى كل ركن تنمو فى أعماقنا . تكبر . ترمي نفوذها ونحن نتخاصم فى صمت ، نتبادل النظر فى قلق لسنا سوى أشباح ، نقضى الليل فى سمر بارد فاشل كما يسمر اليتيم الفقير ليلة العيد ، نشاهد الشمعة كيف تموت وجارنا يموت فى عصير لذيذ !
وحجرتنا ضيقة ضيقة والبرد يتسرب الينا من الجدران ، من السقف الاسود ، من النافذة التى تبتسم الينا من كل ثقب فيها
وأجسامنا النحيلة تتصادم تتزاحم فى عنف تطلب الدفء تسافر الى بلد الثلوج وانت دائما تحلمين
ويأخذك النوم مني وأراك بجانبي جسما باردا يائسا مستسلما ، وتبدو أمامى حقيقة مشحونة بثقة الجميع حقيقة أحبها جدى أحبها كل بحار أحبها شاعر الوطن هذه الحقيقة كلنا نعترف بها هي أن نصمد أمام حوادث الزمن لان بلادى علمتنا كيف نحافظ على كرامتنا فى صمت وتعقل .
نحن إذن سعداء ما دام وطننا حيا يتجدد وتتجدد الحياة فيه وما دام بتطور فى كل المراحل ، ساكون أنا والمجتمع وأطفال فى تطور ، ما دامت قضيتنا هذه فى نظر غيرنا ، بسيطة لا معنى لها !

