بمناسبة الذكرى الثامنة لوفاة الدكتور محمد فريد غازى وبمناسبة صدور كتابه " القصة والرواية في تونس " ) * (
قال لى قبل وفاته ببضعة أسابيع ، وأنا راكب بجانبه ذات مساء ممطر فى سيارته " الاروند " : كل من يكتب حرفا فى هذه البلاد يزيد به فى تقدم الادب والفكر ! " قال لى هذه الجملة بعد أن وهب إلى روايته " المغفلون " فى مخطوطتها الاصلية الاولى التى كتبها له سكريتيره باملائه
كان الفقيد مؤمنا أشد الايمان بالأدب ؛ وكان محبا ، بل عاشقا لوطنه أعمق العشق ، وأقواه ؛ وكان يعطف على رجال الفكر التونسيين ، ويكن لهم محبة ظهرت بجلاء في تقدير انتاجهم الادبي أجل التقدير ، عظم أو صغر شأنه وقد دفعه هذا التقدير فى أغلب الأحيان خلال المناقشات الحامية التى كان يلذ له أن يديرها فى المطاعم ، والمقاهى ، والبارات ، وفي بيته ، وحتى فى أروقة دار الاذاعة الوطنية الى حد المغالاة ؛ كما كان يحمله هذا العشق فى معظم الاوقات الى الشطط ، وكذلك كان يحفزه هذا الايمان الصحيح ، الركين فى صدره الى الكفر بالادب ، والسخط عليه . .
لا أنسى اللقاء الاول معه . فلقد سمعت عنه فى خريف سنة 1959 فرغبت فى الاتصال به . وكنت يومئذ قد بدأت محاولاتى القصصية الاولى التى وجدت صدودا كبيرا لدى خليط من الادباء ، والمتأدبين ، والكتبة والمخربشين ، والشعراء ، والشعارير الذين كانوا يجلسون فى مقهى " المغرب " ، ومقهى " باريس " ومقهى " لابريس " اختلف الى مجالسهم
كثيرا ، وأخذ فى غفلة بنصائحهم ، وأسمع فى سذاجة لارشادهم ، وأطيع فى بتذال تعاليمهم . . إلا أن النفور كان غالبا على . .
سمعت أنه يلقب بالدكتور . فوقعت هذه الكلمة فى مسمعي موقعا غريبا ، وربما عجيبا ! لأن تونس إبان الاستقلال لا عهد لها بالدكاترة سوى واحد لأن علية مثقفيها - في التعليم - لم يبلغوا إلا التبريز . أما دكتوراه الدولة فكانت فى حال الشذوذ . . ومما زاد فى رغبتى الملحة فى الاتصال به ، كنت أسمعه فى تلك المقاهى الأدبية التى تنعقد من صرخة الفجر الى أعقاب الليل ، فتختصم فى شأنه مرة ، وتتنبأ بباعه مرة ، وتنعته بالضحالة في التفكير تارة ، وبالعمق فى التحليل طورا ، وبالفرنسة والاستشراق أطوارا . . وأنا أصغى ، وأصمت ، الى أن صارت المجالس لا تنعقد إلا للخوض فى أمره ، إلا لاستقصاء مآربه
وعزمت أنا ورفيق الدراسة والحياة محمود بلعيد على مقابلته . فترقبناه عند خروجه ذات مساء من " معهد الدراسات العليا " . وقد وضعت فى جيبى قصة ما زالت طرية . ودعوناه الى تناول مشروب ما فى " مقهى المغرب " فلبى دعوتنا .
ظهر لي لأول مرة ولأول وهلة بدينا فى معطفه ، قصير القامة ، أبيض البشرة ، ضاربة الى الحمرة عند الخدين ، خفيف الشعر ، طويل الانف معقوفه بعض الشئ ، داخل الفم ، مدور الأحنك ، يحمل محفظة سمينة ثقيلة ، قديمة الجلد .
استجاب لطلبنا بكل تواضع . وتصاحبنا الى أن وصلنا " مقهى المغرب " ، وهناك تهالك على كرسى ، ومد ذراعيه على الطاولة . ونظر الى وقال :
- : " ماذا تفعل ؟ "
قلت له بتردد ، وربما باستحياء : " احاول . . . " ودفعت اليه القصة دفعا بلا مقدمات ٠٠ وجاء " جمعة " النادل الوصيف بقهوتين ، وبزجاجة " بوفا " . وسكتنا . ولاحظته يلتهم الأسطر ، والصفحات دون توقف ، وهو يهمهم أحيانا . أما رفيقي محمود فظل يترقب متى تنزل الكارثة على رأسى وتجلدت في جلستى ، وأنا ألعن اليوم المشؤوم الذي كتبت فيه هذه القصة ماذا سيقول ؟ قصة جيدة ! لا ! قصة رديئة ، سخيفة ! بل مجاملة سيقول محاولة طيبة ! هذا اكثر ما كنت أترقب منه .
ونزع رأسه من الاوراق فجأة ، وقال :
- : " طيب ! لكن لماذا لم تقدمها الى " الفكر " ؟ ! " قلت له : - : " الفكر " ؟ ؟ ! لا اعرفهم . . ثم إنى قد قدمتها فى الاسبوع الماضي الى جريدة أسبوعية . . "
كان محمود في حال حرجة ، وكنت أنا فى حال قلقة . أما هو فظل ينظر الينا ، وهو يشرب " البوفا " . وبغتة رمانى بسؤال ، كما لو سدد لى ملاكم لطمة قاسية على المعدة . قال :
- : " لكن ! أين العقدة ؟ قصتك ليس فيها عقدة ! فبادر محمود :
: " لا يحب العقدة
فأجاب : - : " يحب أو لا يحب فالمسألة هي فن . المعقول يفرض ذلك . بداية ، عقدة ، نهاية . انظر في " موباسان " ! "
فهمست : " أعرفه جيدا ! " قال : " إذن ؟ رغم ان أسلوبك صحيح . أنت صادقي ؟ " أجبت : " نعم صادقي
استأنف : " قرأت محمود تيمور ؛ و السقاء مات " و زقاق المدق " ؟ " شعرت بارتياح : " نعم قرأت ! "
استدرك " الكل متفقون على بداية وعقدة ونهاية ! " ما دام بوفاري " مثلا . القصة صعبة . . حتى " كل عام وانتم بخير " هي كذلك "
ورجحت الأمر ، وقلت فى نفسى : لا بد أن القصة قد أعجبته . فلو لم يكن ذلك لما ذكر لى " الفكر " ، أن أحملها الى " الفكر " ! وما هو شأن هذه القصة حتى أحملها الى " الفكر " الخلاصة : لها شئ من القيمة ، ولو في عربيتها
ونهضنا ، وخرجنا . ولكن لم اعرف كيف غير محمود مجرى الحديث ، عن العربية والدارجة فى الحوار القصصى ، وعن مقدمة يوسف السباعي لروايته " السقاء مات " ، وعن حوار " زقاق المدق " واذا بنا - أنا ومحمود - نتبادل
معه الرأى كما لو كنا عرفناه منذ زمان ، فذهب ذلك التردد عني . الى ان جرنا الحديث عن " حبك دربانى للبشير خريف ، ونحن مازلنا نشيعه ليصل الى نهج الباشا حيث كان يسكن أول الأمر . وقف ، وعرض علينا رأيه فى " حبك دربانى وفي البشير خريف ، وفي جائزة بلدية تونس ، ثم عرضنا آراءنا وهو مصع البنا . لكن كان كثيرا ما يقاطعنا ليقول لنا : " لو رجعت الى مقدمة فلان أو الى كتاب فلتان . . لوجدت أن . . . "
وانقطعت عنه زهاء ستة أشهر أو سبعة . ثم التقينا ثانية فى " مقهى القيروان " حيث كان يجلس البشير خريف كل مساء فى تلك الفترة . ولا اعرف اليوم كيف توطدت العلاقة بيننا حتى صرت اختلف الى بيته القريب من دار الاذاعة ، وفوق بار " الكانيفو " ، وأتفهم الجو الفكرى ، والفنى ، والخمرى والجنسى الذى كان يعيش فيه .
ثم انقطعت عنه زهاء سنة وتزيد . وتوطدت صلتى به كامل سنة 1961 الى ان توفى يوم 19 جانفى 1962 . والتقيت به فى أول هذه الفترة فى مقهى " القيروان " حيث كان يجلس البشير خريف كل مساء ، وفي مقهى لابريس حيث كان يجلس فى الضحى جمع من الرسامين أمثال عمار فرحات ، والزبير لتركي ، والهادى التركى وغيرهم ، ومن الممثلين ، والصحافيين . كما كنت التقى به عند الظهر فى بار " الكانيفو " وهو يتناول طعام الغداء ، ويتحدث مع منور صماح مثلا أو مع جماعة من الشعبيين لا أعرفهم
ويوم دخلت بيته ، فتح لى مكتبته الضخمة . كتب على الرفوف صاعدة الى السقف ، وكتب في الرواق ، وكتب في المطبخ ، وكتب في غرفة الحمام ، وكتب على الأخونة ، والموائد ، وعلى الأرض ، وعلى الفراش ) كمرسيل بروست ( . . وإني أتذكر الى هذه الساعة كيف امضيت عشية كاملة فى اكتشاف أدغال هذه المكتبة ، وتقليب الكتب ، وقراءة عناوينها ، وتصفحها . .
كان بي ظمأ وما زال الى المطالعة ، والى القراءة ، والى الدرس . ولعل تكوينى الفكرى يعترف بالجميل العظيم يوم فتح لى الفقيد باب مكتبته
كانت المكتبة تحوى أصنافا من الكتب : علم تحليل النفس ، وعلم الاجتماع ، وفلسفة التاريخ ، والماركسية ، والتصوف الاسلامي ، والقومية العربية ، والمعجمات الفرنسية الكثيرة ، وعلم أصول الشعوب ، والفلسفة الوجودية ، وكتب الاستشراق ، وتواريخ الادب العربى ، وكتب التحقيق
والشعر الشعبى التونسى ، ودواوين ، وروايات ، وقصص ، ومجلات ونشريات ، ومسرحيات ، وفيشات للبحث العلمى ، وصور الخ . .
كان يلقب " بالمكتبة المتنقلة " . وكذا كان . وطلبته يوما أن يزودنى بكتب قيمة استفيد بها في صنف " علم اللغة " . واذا به يقبل على ، وبيده قائمة طويلة عريضة فى كتب " علم اللغة " ، بها ان لم تخنى الذاكرة قرابة مائة كتاب وتزيد . ولم يمهلني ، فشرع يعلق على كل كتاب تعليقا مختصرا حتى أدرك منفعته بالنسبة الى
وقد لاحظت في تلك الفترة كيف يتردد على بيته رجال الادب والفن - لم اكن أعرفهم شخصيا اللهم أسماءهم - يسألونه العون على انجاز بحث ، أو القيام بتحقيق ، أو الاطلاع على مرجع نادر . وكان البيت يكتظ بهم فى بعض الاوقات حتى ينقلب الى مجلس علمي
وكثيرا ما كان يمكث فى بيته - وهذا فى الفترة الاخيرة من حياته - ولا يخرج منه إلا عند المساء ، فيلتهم صحنا ، ويشرب كأسا ثم يصعد الى بيته ليستأنف عمله . كان يشتغل بالادب اربعا وعشرين ساعة على اربع وعشرين ساعة اذا جاز هذا التعبير . فلا يفتر ، ولا يكل ، ولا يمل ، بل كأنه كان كلما زاد انغماسا فى العمل زاد قوة ، وبصيرة ، وذكاء ، أو كأن روحا صوفية تلبسه فيعيش فى وجد . أو كأن سكرا فكريا يشغله ، ويتعتعه ، فلا ينتزع منه إلا وهو مشرف على الضياع
وميزت الفرق بينه وبين بعض الادباء والكتاب فى تلك الفترة . فاذا هو ينتج ، وينتج ، واذا هم لا يعرفون مرارة ) الانتاج إلا نادرا ، ونزرا . واذا هو بتخبط فى قضايا جوهرية كان يبسطها فى المجلات والجرائد وعلى أمواج الأثير ، ويعالج ، ويحلل ، ويترجم ، ويقتبس ، ويسير الاعماق ، ويوجه بعمله الدفاق اتجاه التفكير فى معظمه ، واذا هم يعلقون ، ويهذرون ، ويقولون كثيرا ، ويعملون قليلا . ويعدون باعا ، ويوفون بالوعد ذراعا . واذا هو يهب مع ريح العصر ، واذا هم متخلفون ، يعمون فى قضايا هامشية لا علاقة لها بواقع البلاد خصوصا إبان استقلالها
وعشت تلك الفترة العصيبة التى كان يملى فيها نص روايته " المغفلون " على كاتبه . وكان يختار من الاوقات السانحة العشية . فيظل فى فراشه وهو يملى ، ويملى ، ولا يمل ، لكن الكاتب يغلب عليه الكلال . ثم يأتي أصدقاؤه
ومنهم الصديق عبد المنعم يوسف ، فيتحدثان عن " عين دراهم " ، ويأتى الأخ البشير خريف ، فيتحدثان عن " زهرة " ، ويأتى الزميل مصطفى الفارسي فيتحدثان عن " الالتزام " . ثم يعود الى الاملاء ، ويعود الكاتب الى التسطير والتشطيب ، والمراجعة
دخلت عليه يوم أحد ، فرأيته يبكى ، ويتضور ألما . يبكى كما يبكى الصبى . لقد أحب " زهرة " حبا مجنونا ، فأتلفته ، وأتلفت شغله الشاغل بالادب . فصار فى الاسابيع الاخيرة من تلك الفترة الرهيبة يسكر ويعربد ، ويبقى نتفا بارزة من الشعر فى وجهه ، وصار يصمت كثيرا ويجلس أمام كأس صغيرة من الخمر . كما صار يخالط المومسات اللواتى يترددن على " الكانيفو وقد أهدى رواية الى احداهن عنوانها " كلهن قحاب وهي ما زالت في ملك هذه المرأة كما أكد لى الزميل الكريم عبد الرحمان عمار
كانت حياته الجنسية مشتبكة ، غامضة . لقد شوهد المرار العديدة يجلس فى " الروتند " ) مقهى الكوليزى ( مع " الدفازات " . كما شوهد يدخل معهن الى قاعات السينما . كما شهدته يلاعبهن فى بيته ، وهو لا يخجل ، بينما هو فى جمع من المثقفين . ويقول أصحاب الاخلاق : " إنه لا يجمل بالدكتور أن يخالط " الدفازات " ! . . . " كما كان لا يخجل ان يذكر الامور الجنسية ذكرا مفصلا ، سواء تعلقت به أو تعلقت بغيره من أصدقائه ، ويقول : " اقرأوا الكاماسوترا . فالجنس عبادة ! "
كان يحب الحياة حبا لا حد له ، فيمارسها فكرا وجسما ممارسة ملهوفة ، ظمآنة ، جائعة . وعلى قدر ما كان منغمسا فى الادب ، والفكر ، والفن ، كان غائصا فى الجنس ، سابحا في الخمرة ، مولعا بالطعام ، واذا لامه لائم صارحه " أنا رجل متعب ! " واذا أنبه مؤنب فاجأه : " لا أفرق بين الحلال والحرام !
واشتهر شهرة عظيمة . وعرفه الخاص ، والعام . وأشار اليه الناس بالاصبع فى الشارع ، والمقهى . وأقبل عليه جمهور غفير جدا يوم حاضر عن أبى القاسم الشابي بدار الثقافة ) ابن خلدون اليوم ( ؛ لم أشاهد جمهورا أزخر منه اللهم فى الاجتماعات السياسية .
وغمر الجرائد اليومية ، والمجلات الاسبوعية ، والشهرية ، والدوريات بانتاجه ، وبحوثه ، ودراساته ، وترجماته . حتى ضج منه زملاؤه وقالوا إنه محتكر المجال الادبي . وحرك الفكر التونسي تحريكا قويا ، ونشطه
تنشيطا عميقا . فكسر أفكارا ، وخلق أفكارا ، وروج أفكارا . وما زالت بعض مقالاته الادبية خصوصا " الادب والثورة " النشورة فى " عبقر " لم تستنفد طاقتها الى اليوم . ودب الحسد فى صدور البعض الذين لا يكتبون والذين لا يريدون ان يكتب الآخرون ، وعملت الضغينة عملها فى النفوس . فخرج عليه الناعق ، وعابه الجاهل ، واعترض عليه السفيه . وتألبوا عليه ، حتى ضربوه بسياط النقد ، والانتقاد ، والهزء ، والاستهتار ، والسخرية ، والتكذيب والتكفير ، وصبوا عليه السباب والشتائم صبا ثجاجا . فرد عليهم لياقة وحماسا . لكنهم كالوا له الصاع صاعين وزيادة
ومما يؤسف له أن بعض أصدقائه من خلصائه قد أجمعوا الرأى على أن يسيروا بأمره ) وهو السكر ومخالطة الدفازات ( الى وزير التعليم يومئذ كي يجرده من التدريس ، بل ومن سلك التعليم . ولم ينفعهم إجماعهم ، فانهالوا عليه بالانتقاد ، والنيل من شخصه بالثلب . وهكذا التقت عليه العصى من كل جانب . وكانت الطامة : فلقد صرح أحدهم : " أنه زور شهادة الدكتوراه وزاد في ذلك فقال : " انها دكتوراه جامعية لا دكتوراه دولة ! " كل ذلك كان ناجما عن حسد ، وغيرة ، وبغضاء ، وشحناء من قبل أناس عاجزين عن الانتاج ، والبذل ، والعشق للحياة
ولشد ما تألم الفقيد من كل هذا الادعاء . فصار يعيش المأساة ، أو قل : هو المأساة بعينها . فهو فى تلك الايام الاخيرة من حياته يتقلب على شوك خيانة " زهرة " له ، ويتحمل الداء الذى دب الى شرايينه ودمه منذ شهور عديدة ، ويقاسى لذع السباب والشتائم ، ويشقى فى سبيل مواصلة البحث والانتاج ، ويضيع فى متاهات السكر فى أعقاب الليالي
قال للشاعر منور صمادح قبل سويعات من وفاته ، وهو ما زال يحتسي كأسا فى بار " الكانيفو " : " أريد أن ارتاح إنى رجل متعب "
ويوم توفى ، نعت الاذاعة الوطنية خبره . وحبست حصص الغناء مدة خمس دقائق لاذاعة نغمة الصبا ! والمزموم . ويوم الدفن ، أقبل الناس مشيعين جثمانه ، وفيهم بعض الناعقين عليه ، وقد سكتت أصواتهم الناعبة ورجعوا الى عجزهم الفكرى ، وعقمهم حامدين الله ، شاكرين
وانى لأتذكر الساعة ما قاله الكاتب السوفياتي سولجينيتسين الى اعضاء
اتحاد الكتاب السوفيات فى بعض جلساتهم ، واني اردده : " إنكم لا تحبون إلا الأموات ! " .
إن تاريخ الأدب التونسي لهو سلسلة من الفواجع !
لا شك ان الدكتور محمد فريد غازى الذى حاولت باخلاص وصف شخصه ، والجو الفكرى ، والاجتماعي ، والجنسى ، الذى كان يعيش فيه فى الفترات التى اتصلت به فيها ، بمثل أصدق التمثيل تونس إبان الاستقلال فى طموحها الى النشاط الفكرى ، وتوقها الى ابراز شخصيتها بين أعاصير الاتجاهات الفكرية الغربية ، ورغبتها الجامحة في كسب عصرها ، والسيطرة عليه . لذلك ما زلنا نولى الاهتمام الكبير بآثار الفقيد ، وبشخصه ، وبحياته - دون نقد ولا لوم وانما وصف - هذا فضلا عن الصداقة التى كانت تربطني به شديد الارتباط
شاهدت بعد سنوات من وفاته فى إحدى قاعات السينما بالعاصمة شريطا يابانيا عنوانه " هارا كيرى " أظن انه للمخرج النابغة " اكيرا كورازاوا يصور " صامورايا " يخرب عشيرة بنيت على الزور ، والدهاء ، والباطل يدخلها وحيدا ، ويفتك بكل قيمها القديمة المسوسة ، حتى يبلغ الى مومياء رئيسها ، وهو رمزها ، وشارة مناعتها ، وعنوان تقاليدها . فيهتك ستره ويقتل . . . كذا المفكر . وكذا كان الفقيد .

