حلب
دائرة من الضوء الشاحب تقترب . والخطوات النشيطة تنسل ، عبر نهار بهيج . والسعادة المتلألئة فى وجوه الناس ، تفيض مفعمة بالحياة ، عميق بلا أسى :
أنت يا قلبي فلتتجمل بالصبر : هكذا خاطب " فريد " نفسه ، وهو متجه نحو الدائرة
فريد لا تحاول الكتابة ؟ . يجيب بتهكم : - هل هناك ما يستحق الكتابة ؟ اليوم بصورة خاصة ، ينتظر أمرا . منذ زمن وهو يترقبه باهتمام
أغلب الحاضرين من الادباء ، غلبت على سيمائهم الجدية . لكننا نلمح بين أشداقهم ضحكة ماكرة .
عالم الفكر قد ارتقى به نحو السعادة والرضى ، وليس من شك بأنه يقض مضجعه فى الآونة الاخيرة تراوده لحظات مؤرقه . تشع من سيمائه ، آهة رجاء وبصيص أمل :
متى أحقق حلمى ؟ تكلم أحدهم ، موجها الحديث الى فريد : - أفكارك الثرية تطلقها هراء لو حررتها على الورق ، لكان لديك الآن موسوعة فكرية كبيرة ) اتبع ناصحا ( ربما كنت قد طبعت عددا من الكتب :
ما زال يخطو الهوينا ، والفكر مسترسل نشوان . يجتاحه غم مرهف .
أجاب فريد بضيق واضح ، بعد أن ادرك اللمز الذي يحاك خلقه - هل العالم بحاجة الى كاتب ثورى جديد ؟ اصبنا بالتخم . . ونحن على وشك الكارثة ! .
الخواطر تتدفق بحرارة ، ومرئياته يشوبها الكدر .
ماذا تعنى ؟ اعني ان الانسان ، ابتدأ يتقيأ الافكار الخيالية البراقة . نحن بحاجة الى مصلحين ، ذوى أفكار متواضعة ، تبشر بصدق الانسان ونقائه . ) أتبع ( ربما بالصدق هذا ينقذ شيئا من حطام الانهيار !
كلما كان يتكلم بشعر بأنه صادق مع نفسه . والسرائر تستهجن هذه الكلمات وعدم الالتواء بات يخلف له بعض الهموم الصغيرة .
أغلب المجموم قد وجمت . هربت الابسامات الخبيثة . تابع فريد يقول بمرح مفتعل :
- أعذرونى أرجوكم أعلم انكم جميعا ، تساهمون فى الحركة الفكرية لهذا البلد . واني مقتنع بصدق مقصدكم ، لأغرائى بالكتابة . اعلم انها مهنة رائجة هذه الأيام .
الحياة كفاح مستمر انه يؤمن بهذه المعانى دون يأس . وكذلك يغدق أفكاره : أيتها الاحلام الوردية . قلبي يضرب . مع الانتظار الحزين
عفوا أقر بنبل غايتكم البلد كما تعلمون مشهور بتقديره للفن والادب . لقد نشر أكثر رواد الفكر كتبهم ، وبطريقة عادلة جدا . ونرى كبريتات مجلاتنا الدورية تنشر دون استثناء وتمحيص في الاسماء
الحركة ممتدة عبر الشارع ، والجلبة تتلقفها الأذان مكرهة . والخطوات فى تتابع رتيب ، ودفقة أمل تنبعث من روحه :
ترى هل تصل الموافقة اليوم ؟ . أخذ يذرع الارض ، بخطوات قاسية كالصوان . يتنامى بداخلة عالمه الخاص . صرخة تحد مخبوءة ، تكشف حقيقة جريئة يريد أن يصفع بها بعض العقول المسترخية
يا رب لا تخيب رجائى ! حقا هذا ما يغرينى بالكتابة !
انه صريح العبارة ، يرفض المجاملة فى المواقف الجادة الرصينة . بدون عناء ، نجد جرأته فى الرأى وطباعه عفوية ، صافية كانسياب الماء الزلال
الصغير والكبير ، يعلم ان الجوائز والتسهيلات تمنح دون عراقيل أو استثناءات . غير ان اسدال الحواجز والسدود أمام بعض الاقلام ليست بصورة دائمة . وكتاب الامة يتوقعون هذه المخالفات الصغيرة . وقد لا تؤثر على مسيرة الفكر ، او حرية النشر وان وطنيتهم لتمنعهم من التعبير عن أى ضرب من ضروب السخط .
المحال التجارية فيها سحر للعيون ، والمعروضات فتكت بالألباب . لم تفتر حركة الناس فى مستهل نهارهم . الخطى ولهى بالامل والمرئيات تتأجج ، وتمتد الشوارع وتسير الى النهاية .
بالتأكيد ان مبدأ الحوافز الابداعى ، تعوزه بعض الدقة . ربما يعانى من عدم الاصلاح
كان قد توقف برهة ثم استأنف سيره ، وهو يرقب الوجوه بتوجس وحذر فى الايام القليلة الماضية
بات يفزع من ظله ، ومن أطياف الكائنات المرئية . الانتظار يؤلمه نرى الاشواك منثورة فى دربه أينما حل
رفقا باعصابى كان يفرض على عقله الصمت ، موغلا فى الاحتجاج . زالت الحيرة . انفرط سكونه وتبدد صمته الابدى . أقلع عن تمرده السلبى ، وعدل مواقفه
لماذا أكتب ؟ ألح هاتفا برجاء : أليس من أجل اغداق الافكار النقية ، حتى نصلح ركام الاخطاء التى نعانى منها ؟ ان العثة أكلت كل ما هو مستقيم من الافكار ، وابقت لنا الالتواء
بماذا يحلم الانسان ؟ هل يريد أكثر من سعادته ! درب الحياة وعر . انسان الحضارة أصبح مثقلا بالهموم والاحزان
ساكتب من أجل هدف ، او غاية انسانية احاول ان ابدع الكلمات وأصقها على جدران القلوب . أريد أن أزيح الصدأ عن بعض العقول كلى أمل أن أتجاوز الضوء الاحمر بسلام
هتف من قلب مكلوم : آه أما أما لكلماتي ان تلامس النور عملية طبع كتاب مهمة صعبة . ربما فيها استحالة . ولكننى اتبعت الاصول المنوه عنها فى وضع المخطوط .
انه يمتلك طاقة هائلة من الحماسة ، ولكنه ظل يراوح فى الانتظار . الزمن يمضى ، وهو يرسل تأوهاته الممزقة . أحيانا يفقد حماسته للأشياء . ومع ذلك ظل ينتظر
وصل المبنى الكبير . ان حواسه قد ملت مرئيات الحياة المكرورة . فقدت بريقها فى نفسه صعد الدرج بسرعة ، عدها للمرة المائة ، حفظ أدق التفاصيل .
فى القلب رعشة بصورة عفوية ، انغرس فى الغرفة التى يقصدها . عاوده احساس قاس كالزوبعة : ) آه لو استلم الموافقة واطبع كتابى . ربما يحدث ضجة أدبية انى شديد التفاؤل به (
- هل وصلت موافقة النشر ؟ . قام الموظف متثاقلا دون رغبة . العبوس ينضح من وجهه الصارم . فتح السجل وبازدراء رشق نظارته على عينيه ، ثم أعلن بجفاء : - مفقودة ! . - ماذا ؟ كرر كلماته : - مخطوطتك مفقودة لم يصدق ما يقال . اعلن بذهول : - اذن الافكار أيضا تضيع مثل باقى الاشياء : - لم أفهم ماذا تقصد ؟
بسخرية : - فقدان الاشياء ! . - مالها ؟ فريد يخاطب الرجل ببلاهة وتفجع - ضياع الانسان أمر وارد فى كل بلدان العالم
استدرك الرجل قائلا : - ماذا نريد قوله ؟ بالم وحسرة يلفظ توجعة : - حرام علينا الحياة ونحن نبدد طاقاتنا هكذا . ندفن الزمن بكل بساطة !
عقب الرجل بحيرة . خلع نظارته عن وجهه المعروق - عفوا لم افهم مقصدك تماما ؟ - ما أبخسنا ! عام ونيف من الانتظار السقيم . وبعدها . الغمامة السوداء تلفه . خاطب نفسه باكتئاب ، والرجل جامد الملامح أمامه دون حراك : ) ما أقصى خيبتى ، من عيون الحاسدين . سوف يرقصون على أنينى ) .
صاح بعصبية بعد أن نفذ صبره : - ماذا يمكننى أن أفعل لك ؟ .
كان في غيبوبة . لم يشأ تصديق ما يجرى حوله . الوحش الموجود بداخلة يتمدد . ربما غابت شمس العقل غيابا جزئيا : - برعونة تضيع الكلمات . ونحن نعانى العذاب لماذا ؟
أحس الرجل بانزعاج . صاح بنزق - يا سيدى ! ان وقتنا ثمين . مختصر القول اذا شئت ان تنال موافقة طباعة الكتاب ، عليك ان تقدم لنا مخطوطة جديدة . وتمضى دون عناء ، حسب التسلسل فى دورها . دون تمييز او محاباة ، يمكنك الانتظار !
قهقه فريد والعالم حوله فى احتضار . تدفقت في دمه صرخة انسان غامض :
- من جديد اعاود الكرة ! هل أنا مجنون ؟ .
شاعت من مسار به اضحوكة القهر . بكبت صارم هتف : يريدون ثنى عزيمتى ، عن تنفيذ ما أحلم ، وما أطمح اليه فى صعودي نحو القمم (
عقب الموظف باستياء بالغ : - أرجوك نحن فى دائرة رسمية . لا نملك الوقت للمناقشة
عبر فريد بوعى : - مرة أخرى . حقا هذا ما يغرينى بالكتابة لتسهيلات تمنح دو . . . ضحك الرجل من كلامه بعد ان هدأت ثورته . بصفاء التفت الى فريد موجها ، اليه النصح والارشاد قائلا : - يبدو هذه محاولتك الاولى فى التأليف
كيف عرفت ؟ . - من حماستك المتقدة اريد لك النصيحة وعدم الوقوع فى دوامة اليأس . عليك أن تتجمل بالصبر ! لقد اخترت الطريق الوعر بمحض ارادتك انك شاب ولديك الوقت لطبع أكثر من كتاب . رفقا بأعصابك يا بنى !
أجاب فريد بهدوء : - عفوا يا سيدى ! اعذر لجاجة لسانى . حقا ما تقول . ربما تسرعت قليلا ) عقب ( يجب أن نتذرع بالصبر ، وأيضا سوف الفت نظر كتاب الامة ، الا الاهتمام بفلسفة الصبر ، التى غدت الترياق الاسطورى لحياتنا اليومية
عاد فريد الى البيت . متعبا ، يحمل لوحة فيها كلمة واحدة . ثبت على الباب ، اغنية فردوسه المفقود
انسل نحو الداخل يغنى أغنية حالة . بعزم واصرار لم يغادر
هذا البيت منذ ذلك اليوم الاغبر في حياته
حلب (

