الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الصبي المغفل

Share

ضرط الحمار ضرطات متتالية فقد وخزه الشيخ علي بعصاه القصيرة الغليظة  المذببة التى اصطفاها من شجيرات الزيتون الشامخة امام كوخه المترامى مع أكواخ أخرى متفرقة فى تلك الوهاد القريبة من القرية .

التصق الصبى بجده وواصل الشيخ على وخز الحمار الذى انتصبت اذناه والتصق ذنبه بمؤخرته التصاقا ، واخذ الغبار يتصاعد تحت حوافره وكأنه فهم ان صاحبه يريد اللحاق بزمرة من الرجال كانوا قد ركبوا احمرتهم فى ذلك الصباح الباكر فى اتجاه السوق الاسبوعية .

يوم السوق تستيقظ النساء باكرا يجمعن البيض وبعض (الفراريج) ويقدم ذلك الى الازواج مع قائمة شفاهية للاحتياجات الضرورية كالملح والصابون والڤاز والفحم والوقيد والسكر والشاى فالبدو يدمنون نساء ورجالا على شرب الشاى تماما كما يدمن أهالى المدينة على شرب الخمر فى الحانات .

كان الصبي يتمنى لو يطول الطريق فقد امتعته تلك الاحاديث الصباحية بين جده وعلي بالعربى وعمار العجيمى وحسن البوهالى ومحمد بن عامر وعلي بالعجمى كانوا يتحدثون عن عام العجاج وعام اليربوع وعن وصول الالمان الى هناك وتحدث جده بمرارة عن حادثة وقعت له ايام الاستعمار فقد صفعه الجندرمة وقادوه الى السجن فى شهر رمضان لانه قطف كعبة هندى من طابية على ملك احد المعمرين لما اذن المؤذن لاعلان موعد الافطار . . .

كانت السوق تعج بحركة وضوضاء لا عهد للصبي بها . فهذه المرة الاولى التى يترك فيها شوبهاته واللعب مع بعض الاطفال ليزور السوق . لقد أحس بنشوة عارمة تسرى فى كامل جسمه كدبيب النمل وهو يتبع جده المتنقل بين الخضارين                                                                                    977                                         105

والبقالين وبائعى الحلويات والمشروبات ثم عرجا على سوق البيض وسوق الحبوب وسوق الحيوانات فالفطايرية فسوق الدجاج والاسماك .

لقد كان الصبي كمن يكتشف الدنيا لاول مرة .

اشترى له جده (فطيرة بالعظمة) من بريك ولد الصيد فكانت ساخنه لذيذة وخجل ان يقول انه يود ثانية لكنه منى النفس فهو سيدخل المدرسة بعد يومين فقط وبامكانه ان يتدبر الامر فيسرق لأمه شيئا من البيض يبيعه ويشترى بالثمن كدسا من الفطائر . . .

فى سوق الاقمشة لم يكن عبد الملك يصدق عينيه وهو يرتدى بعض الالبسة الجديدة .

ـــ هذى باهية !؟

ـــ لا نحب هذيكه . . . هذى خايبه . . . نحب نقيس الاخرى .

اشترى له جده كل شىء وزيادة فقد باع الاسبوع قبل الماضى صابة اللوز الى تاجر صفاقسى فانتفخت وقتها جيوبه بكوارط بوخمسة وبوعشرة .

أحس الشيخ علي بثقل ما اشتراه . تكاد القفة الكبيرة تهد له كتفيه بالاضافة إلى ما يحمله حفيده ، هذا اليتيم الذى ظل يرعاه ويغدق عليه من العطف والحنان الشىء الكثير .

كانت الشمس قد انتصبت فى كبد السماء ولابد من العودة قبل ان يبدأ الشهيلى ، فقصدا مربض الحمار . . .

                                   4  ضاعت العشرون مليما . . .

بحث عنها الصبي فى روث البهائم المتكدس فلم يجدها . خطا الى الامام وخطا الى الوراء وظل مترددا تخضه الحيرة . . . هل يعود الى جده ليعطيه غيرها !؟

ـــ  لا . . . ان جدى رجل عصبى ستثور ثائرته اذا علم بضياع العشرين مليما . . عشرون مليما كاملة تضيع . . . عجبا كيف انزلقت من بين أصابعى وغاصت فى الروث ! !

ترى الا يمسك بنا سعد الاعور صاحب المريض اذا ما ركبنا الحمار . . .

وفجأة سمع صوت جده يناديه .

ـــ هيا اسرع . . خلصت الراجل ما هو . . . صحيت . . .

كان الشيخ علي قد رمى البردعة على الحمار ووضع القضية فى الزنبيل باحكام فجعل بيدون الڤاز والفحم والوقيد وبعض الحبال فى ( شارية ) .

ثم وضع قفة الخضر وادباش حفيده فى ( الشارية ) الثانية . وبعد أن أركب عبد الملك تفطن انه نسى اشتراء حكة نفة لجارته الارملة (محجوبة) فأسرع باتجاه ڤمرڤ الناصر بالزين بعد ان اوصى الصبي بضرورة انتظاره هناك .

وخشى عبد الملك ان يتفطن سعد الاعور فيطالبه بأجره مقابل حراسة الحمار فى المربض فساق دابته مبتعدا عن ذلك المكان .

فى محل بيع التبغ التقى الشيخ علي بصالح بن ضوء فأمسك به محاولا جره الى دكانه القريب حتى يلعبا ( الدامة ) فقد انتصر عليه الشيخ علي مرتين متتاليتين مما جعله يتحين الفرصة لان يبرهن له ان ذلك كان بمحض الصدفة اذ يشهد كل اهالى القرية ببطولة عم صالح . . . ولكن الشيخ علي اعتذر له حيث اخبره بانتظار حفيده له قرب مربض سعد الاعور للاحمرة . . وكعادته قرر عم صالح أن يمزح مع صديقه فهما لا يلتقيان الا يوم السوق . . .

شعر عبد الملك بالضجر فقد طالت غيبة جده اكثر من اللازم . . . وهذا الحمار صعب المراس فهو يريد ان يشرع فى نهب الطريق . . . نزل عبد الملك ليمسك بهذا الحمار من شكيمته . وفجأة اطل عليه رجل متمارض يبدو الاعياء على وجهه واضحا فقال لعبد الملك .

ـــ عيش ولدى اشرى لى كعبة حرابش . ها هو الحانوت قريب وها أنا هنا انتظرك قريب الحمار . . .

وانطلق عبد الملك يعدو . . ولما اشترى وعاد بحث عن الحمار فلم يقف له على اثر عندئذ راح يبكى ويلطم وجهه كامراة فقدت زوجها بعد شهرين من الزفاف . . لقد ضاعت أدباشه الجديدة وضاع الحمار . . سيشبعه جده ضربا ولكما وكلاما جارحا . . وراح يركض هنا وهناك كمن لدغته عقرب فى عجيزته . . .

فى تلك الاثناء كان عم صالح وصديقه الشيخ علي مستغرقين فى الضحك فى مكمنهما ولما أشفقا عليه برزا له مبتسمين فسقط مغشيا عليه . . .

اشترك في نشرتنا البريدية