حتى يظل صوت الصحافة عاليا . . وجب ان تكون اخطاؤنا فيها اقل . . وصدقنا فيها أكثر
دخلت الى قلبي وعقلي بدون مقدمات . . أحبها قلبي أولا . . وناقشها عقلي ثانيا . . وعندما يجتمع القلب والعقل فى عمل ما . . أو شىء ما . . فمعنى ذلك انه لا توجد ثغرات من الشك او الخوف او الريبة يمكن أن تتسرب الى هذا الحب الذي يزيد بالنسبة الى متانة وقوة كل يوم . .
احببتها فى الماضى . . واهيم بها فى الحاضر . . والمستقبل
كتبت عنها أكثر من مرة . . وفى كل مرة اكتب عنها اشعر وكأننى لم أوفها حقها . . فهى كانت وما زالت كريمة معى ، تعطيني بلا حساب ، ولا تطلب منى الا شيئا واحدا ان امنحها بعض الوقت . . وفى قرارة نفسى ندم وأسف لو بقيت بجانبها كل الوقت لا بعضه . .
وهكذا فان التى دخلت الى قلبي وعقلي بدون مقدمات هى الصحافة او صاحبة الجلالة كما يقال . .
ولقد قال جفرسون فى يوم من الايام " خير لى أن أعيش فى بلاد بها صحافة وليس بها قانون ، أفضل من ان اعيش فى بلاد بها قانون وليس فيها صحافة" . .
و "جفرسون" بقوله هذا يوضح لنا ما للصحافة من دور خطير يمكن ان تلعبه فى المجتمع ، ولكن على اساس أن يوفر لها المناخ الصالح حتى تؤدى مهمتها كاملة . .
ما هى الصحافة ؟ يخطئ الكثيرون عندما يعرفون الصحافة بالاشياء المكتوبة والمطبوعة فقط . ولكن الصحافة تشمل جميع وسائل الاعلام من مطبوعة ومسموعة ومرئية كما جاء فى كتاب " الصحافة رسالة واستعداد وفن وعلم" للدكتور خليل صابات . وفى كتاب "ازمة الضمير الصحفى " للدكتور عبد اللطيف حمزة وفي كتاب " حرية الصحافة " للدكتور جمال العطيفي ، وفي أول صفحة من هذا الكتاب جاء ما يلى " ان الصحافة هي الاعلام ، والصحافة مكتوبة ومرئية ومسموعة "
وبعد هذا التوضيح القصير فاننى فى هذا المقال لن اكتب سوى عن الصحافة المكتوبة ملاحظا ومستفسرا . . وملاحظاتى واستفساراتى لم أكن لاطرحها فى هذا المقام لو لم اكن متفانيا فى حب صاحبة الجلالة حتى تكون اداة توجيه سليم ، ونقد نزيه . . وتعريف بحقيقة الامور .
والصحافة بالاضافة الى كونها موهبة وثقافة وعلما وارهاقا وضحكا في مأتم القلب ، فهى ايضا فن وذوق وشجاعة أدبية وايمان بالحق وثبات على المبدأ . وهي قبل كل هذا اخلاق .
وقد اقترن اسم الصحافة دوما بثلاثة اشياء الحرية . . الامية . . الفقر . واذا كانت كثير من الدول الراقية والمتقدمة قد استطاعت ان تحقق الحرية لصحفها بنسبة عالية ، ولم تعد تعرف شيئا اسمه الامية . . او الفقر . . فان الدول النامية ما زالت الى حد اليوم تناقش " حرية الصحافة " كيف يجب أن تكون ؟ والى أى حد يجب ان تقف ؟ وعلاقة الاعلام بالحرية الخ . والدول النامية ما زالت تعاني من الامية . . وفى احصائية لليونسكو فهناك حوالى 700 مليون أمي بلغوا سن الرشد فى الدول النامية و 45 بالمائة من الاطفال يفتقرون للوسائل التربوية ، كذلك 60 بالمائة يعيشون فى الارياف بعيدا عن المدن حيث تتركز وسائل الاعلام . .
والفقر ؟ ونعود الى احصائية اليونسكو لنرى ان المشكلة الاقتصادية هي احدى العقبات الرئيسية التى تحول دون تطور الاعلام في الدول النامية ، فهناك نسبة كبيرة من دول آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ما زال فيها دخل الفرد بقل عن 300 دولار سنويا وهو الحد الادنى الذى افترضته منظمة الامم المتحدة ، ومرد ذلك الى زيادة السكان المطردة التى تبتلع زيادة الدخل القومى.. ولذلك فلا غرابة اذا اخذنا كمقياس لتطور أى بلد نسبة توزيع صحفه اليومية
والاسبوعية والشهرية ما دامت هذه الاخيرة تقترن بالحرية . . والامية والفقر! مثلا : فرنسا ) احصائية 1964 ( بلغ التوزيع اليومى للصحافة فيها 11.00.800 بنسبة 270 لكل ألف . . وبلجيكا 2.623.000 بنسبة 285 لكل الف ، وفي اليابان 39.139.000 بنسبة 416 لكل ألف.
في حين بلغ التوزيع اليومي في مصر - نفس الاحصائيه - 500.000 بنسبه 20 لكل الف وفي السعودية 21.000 بنسبة 4 لكل الف ، وفى المغرب 275000. ) 9 صحف احصائية 1964 ( بنسبة 22 لكل الف ! وهنا افتح قوسين لاقول اننى حرصت هنا ان اقدم ارقاما مختلفة ، ما دمنا نعيش فى عصر الارقام أولا ، وثانيا حتى نقرب من عقولنا المسافة الكبيرة التى تفصل الدول المتقدمة عن دول العالم الثالث . . * *
والمغرب احدى دول العالم الثالث التى تريد ان تحقق تقدما فى جميع المجالات . . ومن ضمن هذه المجالات الصحافة بجميع انواعها . .
ترى هل حققنا تقدما فى هذا الباب ؟ وكيف ؟ قبل ان نجيب يجب ان نقول اننا حققنا تقدما فى الشكل ، ولم نحقق بنفس التقدم فى المضمون والاسباب هي:
1 - ابتلعت المناصب الكبيرة الصحفيين القدامى ) وهذا راجع الى افتقارنا للاطر ( ، ولكن مع ذلك فان - المعلم الصحفى - لا بد وان يبقى ، لانه اسم لامع اولا ، وموجه لجيل آخر من الصحفيين ثانيا والنتيجة ان هذا الجيل بقى وحده فى الميدان يعتمد على موهبته وثقافته دون ان يتلقى التوجيه من احد . . وهذا من أكبر الاغلاط التى اقترفت . .
2 - فى أول هذا المقال قلنا ان الصحافة بالاضافة الى كونها موهبة وعلما وثقافة وارهاقا وضحكا فى مأتم القلب فهى ايضا فن وذوق وشجاعة ادبية وايمان بالحق وثبات على المبدأ . . فاذا تتبعنا الاسماء التى تكتب للصحافة حاليا نجد بعضها بعيدة كل البعد عن هذا الميدان.
3 - للصحافة - كما يعلم كل محترف أسلوبها الخاص ، وهو غير أسلوب الانشاء او الكراسات المدرسية وهذا الاسلوب اصبحت له مدارس مختلفة ، ومن يطلع على الصحافة العالمية يمكنه ان يقف على هذه المدارس . . المتنوعة والمتجددة . .
4 - ما زال يطبع أسلوب صحافتنا الى حد الآن طابع الرأى . . لا الخبر وقد يعود هذا الى ان القارىء عندنا مازال فى حاجة الى " توجيه " حتى ولو كان هذا الخبر هو من حوادث الطرق ! مع ان الصحافة العالمية اصبحت تكتفى بالخبر معتمدة على حدس وذكاء القارىء وفطنته ، تاركة له حريته الفكرية والحرية هى الدعامة التى تنبني عليها كل صحافة متقدمة . .
5- الخبر الجيد = اختصار + سرعة ! ومشكلة الصحافة كما يقول الرئيس الراحل بومبيدو هى ان توفق بين سرعة الخبر ودقة التفسير . . وما رأيك فى صحافتنا التى تنشر خبرا بعد يومين . . فاذا اضفنا الى هذا سوء التوزيع ووصول الصحف الى بعض المناطق بعد يومين آخرين نكون حقا لا نعيش عصر السرعة..
6 - عدم وجود مخطط واضح لبعض الصحف ، وهذا هو الشيء الذي يجعلنا نقرأ فى صحيفة شيئا تنفيه نفس الصحيفة فى يوم آخر . . وقد قال احد الصحفيين : " حتى يظل صوت الصحافة عاليا وجب ان تكون اخطاؤنا فيها أقل وصدقنا فيها اكثر " . .
ان كل صحيفة لا بد لها من مضمون ، فاذا افتقرت اليه فانها لا تحقق سوقا واسعه الانتشار وحتى فى ميدان الاعلان ، تبقى العلاقة بين هذا الاخير وبين الصحافة المكتوبة علاقة ضعيفة اذا اخذنا فى الاعتبار ان الدور والشركات التجاريه يهمها توزيع الصحيفة اكثر من اى شىء آخر وهذا هو السبب الذى يجعل كل قارئ للصحف يلاحظ ضعف مادة الاعلان في صحفنا الوطنية . ان شكل الصحافة ببلادنا فى حاجة الى نقد ذاتي على جميع المستويات الصحفية نخرج على اثره بمجموعة من التخطيطات تطبق على مراحل ، حتى نضفي على صحافتنا ووسائل اعلامنا دما جديدا . .
فلا يكفي ان نحقق تقدما واسعا في الشكل . . ونترك المضمون.. ان الحديث عن الصحافة ذو شجون .
واختم هذا المقال بكلمة جاءت على لسان الكاتب الامريكى الكبير " نورمان ميلر " صاحب كتاب "جيوش الليل " والرواية الشهيرة " العراة والموتى " يقول : " ايها القارىء العزيز . . أيها القارىء اننى اسمح لك بان تفعل اى شىء ولكن ارجوك ألا تفهمني بسرعة ، افهمنى ببطء في عصر السرعة . . "

