الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

الصحافة : غذاء الشعب العقلي

Share

فى صبيحة كل يوم يقتني القارىء جريدته المفضلة ، يحدوه شوق وتلهف ونهم . يتناولها مثلما يتناول غذاءه ، ويخصص لها من وقته برهة تتفاوت طولا وقصرا ، ويسخر لها قسطا من جهده وعنايته .

فما الذى يحفزه ، ترى ، على الاتيان بهذا الفعل التلقائى والانصياع الى هذه العادة المكتسبة ؟ ثم ماذا ينتظر أن تقدم له صحيفته ؟

صحيح أن انقلابا خطيرا حدث فى العالم منذ أن استحدثت وسائل المواصلات وأدوات الاتصال ، بل تحولا وتبدلا كبيرين ، فى عقلية الناس وفى نمط حياتهم . توارى عهد الانعزال والانطواء وحل زمان التقارب والتعارف ولم يعد محتملا أن يظل المرء غير آبه بما يجرى حوله ، متجاهلا لما يجد فى المعمورة . وتحركت فى النفوس غريزة الفضول والتطلع وصار الفرد يشعر بالحاجة الى التعرف على أخبار المجموعة التى ينتسب اليها اجتماعيا ، ويولى الاحداث العالمية اهتمامه ويحرص على تفهم الامور وادراك أسرارها .

وعلى هذا الاساس نشأت الصحافة المكتوبة ، وسائر وسائل الاعلام ، ثم  تطورت وازدهرت ، مما جعل القراء يتجاوزون حد الاكتفاء بالخبر البسيط يساق اليهم ويلتمسون من مادة الجريدة منافع اخرى . ذلك أن مراكز اهتمامهم قد تعددت وأصبحت صورة " الصحيفة المعلقة " التى لا تعدو مهمة الاعلان والاخبار ، لا تفي بحاجاتهم المختلفة ولا ترضى رغائبهم . ومن هنا تعين على الصحف أن تظهر بصور جديدة تمتاز بالثراء والشمول والجاذبية بحيث تكون تماما كمائدة الاكل زاخرة بألوان الاطعمة الشهية ، وأن تكتسب وظائف واضحة السمات ، نبيلة الأغراض ، تجمع الى الكثرة ، الانسجام والتكامل وتتجه جميعها الى خدمة جمهور القراء

فهي تضطلع أولا بمهمة الاخبار ، وهى المهمة الرئيسية التى تحقق كيان الصحافة وتكسبها ميسمها الفريد وتميزها عن كثير من الانشطة الفكرية

التى يمارسها الانسان . تحيط القارئ علما بأكثر الاحداث والوقائع جدة وهي التى تمس حياة الافراد والمجموعات وتعرض عليه تطورات القضايا السائدة والمشاكل القائمة ، فى ميدان ما ومكان ما ، ساعية ، قدر الامكان ، الى أن تكشف الحقيقة وتتوخي الموضوعية والتجرد ، وحريصة ما وسعها الحرص ، على تحقيق الشمول والسرعة فى استقصاء الانباء والتقاطها وابراز طابع الطرافة والتنوع في تقديم المادة الخبرية واخراجها . ومراعية فى رواية الاحداث مدى الدلالة الاجتماعية التى يحملها الخبر ودرجة الفائدة المباشرة أو غير المباشرة التى يتضمنها ، وما يبغى أن يتصف به من دقة فى الموضوع وائتلاف بين العناصر ، إضافة الى صفتى الجدة وقرب المأخذ

ولعله لا يخفى ما لهذه المهمة من أثر على الحياة الاجتماعية ، بكل وجوهها وما لها من بعد انسانى وحضارى فى حياة البشرية . اذ أن المادة الخبرية  كالمادة الغذائية لا تعرف قيمتها ولا يكتشف مفعولها الا بعد الاستهلاك . فاذا كانت غنية بالفيتامينات سليمة التركيب ، تجلت مخايل العافية والارتياح على وجه المنتفع بها . أما إذا ظهر أنها خالية من مركباتها الاصلية ، مشوبة  بعناصر غريبة فما أسرع ما يسرى الوهن والضيق الى جسم مستهلكها  وذهنه .

ولقد فطن المفكرون الى هذه الظاهرة وأولوها ما تستحق من الدراسة والتحليل ، وذهبوا فى الاستنتاج مذهبا بعيدا فقد جاء فى قولة شهيرة لألفريد سوفى A sauvy  أنه " إذا أحسن اخبار الناس فهم مواطنون وإذا أسئ اخبارهم فهم رعايا " ) 1 ) . أما روجى كلوس CAS   الباحث البلجيكى فى علم الاجتماع الاخبارى فيرى " ان الانسان المعاصر لا يكون مكتمل الاطلاع والوعى ، سواء على الصعيد الوطني أو العالمي ما لم تحصل له معرفة دقيقة تامة بالاحداث أى بالوقائع الاجتماعية ذات الدلالة " ) 2 ( .

كما تضطلع الصحف بدور مهم فى مجالات التهذيب والتثقيف والتكوين فهي تساعد على إيقاظ الوعي الدينى ، وعلى التمسك بالاخلاق المحمودة ونشدان الخصال الكريمة التى يحسن أن تطبع سلوك الفرد ومعاملته للآخرين ، وتثير المشاعر النبيلة وترب الاذواق السليمة وتحمل على اكتساب العادات الحسنة ، بما تنشره على صفحاتها من مقالات متنوعة تحتوى على معلومات مفيدة وأفكار قيمة وعبر واخبار نفيسة تنير السبيل أمام القارئ وتعينه على  أن يسير فى حياته الخاصة والعامة سيرا مستقيما موفقا

وهي ، الى هذا ، تثقف المرء وتفتح له آفاقا ذهنية واسعة فيكتمل نضجه العقلي وتتسع دائرة فهمه للأشياء وإدراكه لحقائق الامور ويصير قادرا على  اتخاذ المواقف وإبداء الآراء ، ومن ثم تكون له شخصيته المميزة ، معتمدة في تحقيق هذا الغرض ، على ما تقدمه من صنوف المعرفة التى ترد على شكل اخبار موجزة أو بحوث علمية وتعاليق وتحاليل صحفية . إذ احتضنت الصحافة الثقافة وحبتها بخدمتها ، الامر الذي يعد جديدا ، لم يسبق للأزمنة الماضية أن شهدته . ولا يسع المرء - فى هذا المقام - إلا أن يشارك " توفيق الحكيم " رأيه حين قال : " حقا لقد انتقلت مهمة تثقيف الشعب من أيدى الفلاسفة والكتاب والشعراء والخطباء الى أيدى الصحفيين " ) 3 ( .

وهي كذلك تيسر الطريق لكل فرد يرغب فى الاستزادة من المعلومات التى تدعم تكوينه المهنى ، وترشد كل ذى عمل الى اتقان صناعته . فتعد فيها صفحات وأركان مختصة لبلوغ هذه الغاية .

ومن مهمة الصحف أيضا أن تفسح المجال لنشاط ذهنى آخر هو التعبير بحيث يتاح لحملة الاقلام أن يعربوا عن مشاعرهم ويبثوا خواطرهم ويعبروا عن وجهات نظرهم ويدافعوا عن القيم والمبادىء التى يعتنقونها - مهما كان نوعها - ، ويظهر هذا جليا من خلال الصفحات الادبية الثقافية والاركان الخاصة فى الجرائد

على أن الصحف لم تكتف بممارسة هذه الوظائف ، بل راحت تبحث عن غايات أخرى ما برحت تلقي التجاوب لدى الناس وما فتئت تستأثر بجهد

الصحفيين . فقد عمدت الى أبواب أخرى تطرقها خدمة لجمهورها ومنها ان أخذت تسعى فى البحث عن مجال للترفيه عن القارىء والترويح عن نفسه المتعبة . بل تجاوزت هذا المقصد الى النظر فى كيفية تحريره من عواطفه المكبوتة ورغباته المكبوحة . وتتضح هذه الغاية من خلال الاركان المرحة والمنوعات التى تتسع لها الجريدة كالطرائف والمسابقات وأخبار المحاكم ومنها ايضا ما أصبحت تحفل به من صور اشهارية وقائمات اعلانات وعروض

فحاجة الشعب إذن للصحافة ماسة وعلاقته بها جد متينة تتعدى حدود الفعل الآلى والعادة المألوفة . ولا تقل قيمتها عن الخبز الذي يجهد نفسه فى الحصول عليه ويدفع ثمنه بكل سخاء وتضحية

اشترك في نشرتنا البريدية