الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الصحة العائلية

Share

اسمحوا (*) لى بادىء ذى بدء بأن أعبر لكم عن شكرى لاتاحتكم لى فرصة المساهمة فى أعمالكم اذ مكنتمونى من التقدم اليكم بهذا العرض عن الصحة العائلية وعن تصورنا لها فى تونس وما سعينا الى انجازه فى اطار اثبات هذه النظرة المتعلقة بصحة الاسرة والرقى بها - وانى سأتتناول هذه المسائل لا باعتبارى طبيبا أو مختصا بل بصفتى مواطنا آمن منذ سنوات عديدة بجملة من المبادىء منها أن غاية كل عمل انما هى انزال الانسان منزلته الحقيقية واثراء كافة ابعاده الانسانية ، وبصفتى مسؤولا ناله شرف ادارة برنامج يرمى من خلال التنظيم العائلى الى تحرير الانسان والاسرة والنهوض بهما - ولقد كان هذا العمل مثيرا للحماس ، باعثا على الاعتزاز ، متما لاكتمال النفس ، مغذيا للامل ودافعا الى الالتزام - وان كل من ساهم فى هذا العمل النضالى بحق ، ليشعر أنه قد أكسب ذاته بعدا جديدا فنماها وأفسح آفاقها اذ تفاعل مع البشر والواقع تفاعلا حركيا حيا .

وانى اذ أعرض عليكم جملة ما استلهمناه من هذه التجربة من منجزات وعبر لأطمح بآمالى الى أن يكون الاخوان المشاركون فى هذه الندوة على بينة مما قامت به تونس فى مجال الصحة العائلية وانه ليسعدنا أن نكون قد ساهمنا فى استجلاء بعض أوجه هذا الموضوع ، وذلك بتوضيح نظرتنا لذواتنا والادلاء برأينا حول المشاكل التى تواجه مجتمعاتنا العربية فى سعيها نحو التنمية الاقتصادية الشاملة والتقدم الاجتماعى .

مفهوم الصحة العائلية :

ان مفهوم الصحة العائلية هو مفهوم حديث نسبيا اذ انه نحت على ضوء التطور العظيم الحاصل فى تطور المسائل المتصلة بالصحة ووظيفتها الاجتماعية وكذلك نتيجة للتحولات الهامة التى شهدتها المضامين الاساسية للعلوم الانسانية وخاصة منها علم النفس والتربية والاجتماع . ولقد كان الاطار الذى نشأ فيه هذا المفهوم في مرحلته الاولى ونما ، هو ما اصطلح على تسميته برعاية الام والطفل وتتمثل فى مجموعة من الوسائل والاجراءات ، الغاية منها السعى الى صيانة صحة الام والطفل . هذا تصور يقتصر على العلاقة الثنائية بين الام ووليدها ، ولكن هذا التصور تطور فشمل علاقة الام بمجموع أطفالها اعتقادا أن الحاجيات الاقتصادية والنفسانية والعاطفية للاطفال تتغير حسب عدد الاطفال المنتمين الى نفس العائلة وذلك من حيث الكم والكيف .

هذه هى أول معالم نشأة مفهوم الصحة العائلية الا انه اتضح ان هذا المفهوم انما هو مفهوم منقوص اذ انه يقصر نظره على علاقة ثنائية بين الام والطفل الحال ان الصحة العائلية اطار لتأثيرات عوامل أخرى . فمن الواضح أن المرأة الحامل تعيش وسط خلية اجتماعية معينة وأن حياتها تتأثر بعلاقاتها مع زوجها وأن ذلك يؤثر بدوره على الطفل الذى لا يعيش فى ثنائية مغلقه مع امه فقط بل هو ينمو وسط شبكة من العلاقات العائلية تربطه بأمه وأبيه وفصيلته التى تؤويه ومن ثم كان لا بد من تطوير مفهوم الصحة العائلية الى ابعاد أرحب وأكثر حركية .

ويمكن لنا أن نقول فى هذا الصدد : إنه فى حين تمثل رعاية الام والطفل مجموعة وسائل واجراءات لا يكون فيها دور الفرد بارزا بصفة جلية - ولعل كلمة رعاية ذاتها تدل على هذا الدور السلبى نوعا ما - فان مفهوم الصحة العائلية تحتوى على فكرة مسيؤولية الفرد والاسرة فى تقرير مصيرهما الصحى والاخذ بما يتوفر لهما من اسباب ووسائل وان هذا التصور ليسمو بالانسان الى طور التفكير والادراك والاختيار ويضفى بعدا من الحرية المسؤولة على مفهوم الصحة العائلية وعلى دور العائلة وسط المجتمع الذي تنتمى اليه .

هذه هى فى عجالة أهم مراحل نشأة مفهوم الصحة العائلية ولنا أن نحاول الان أن نعرف الصحة العائلية .

ان تحديد كلمة الصحة تطور هو الاخر تطورا كبيرا خلال السنوات الاخيرة فلقد كانت الصحة تعنى فى الماضى حالة انعدام الامراض او العلل ، واكتست

بعد ذلك عدة معان ايجابية وكثرت التحديدات والتعريفات الا انه فى امكاننا أن نقف عند التعريف الذى أتى به العالم الامريكى المختص فى البيولوجيا ديبوس ( R . DUBOS ) " الذى يحدد الصحة باعتبارها " قدرة الفرد أو المجموعة الاجتماعية على التطور دوما ، لا لمجرد القيام بوظيفته على أحسن ما يرام فى الحاضر بل وكذلك للاستعداد للمستقبل - ان هذا التحديد للصحة لا يحصرها فى الحاضر فى اطار لا يقبل التغيير ، ثم هو لا يتأثر بالواقع الخارجى دون التحكم فيه . بل يتعدى ذلك الى رؤية مستقبلية فعالة يساهم الفرد فى اعدادها وخلقها .

أما مفهوم العائلة فلقد وقع تصوره من رؤية مختلفة تعبر عن مقاييس وقيم تختلف حسب اختلاف الثقافات والتقاليد الاجتماعية ، وبحكم ذلك اوكلت للعائلة وظائف متعددة منها ما هو بيولوجى من حيث انها تسهر على تواصل النسل ، وما هو نفسانى اذ هى توفر الطمأنينة للفرد وما هو ثقافى واجتماعى باعتبار أن العائلة تغرس فى الطفل مجموعة من القيم والمبادىء وما هو اقتصادى من حيث توزيع الموارد والتضامن بين افراد الاسرة الواحدة . وأخيرا ما هو تربوى اذ العائلة بالنسبة للطفل هى مدرسته الاولى وهى اذن مصدر معلوماته ومواقفه .

ان كل هذه الوظائف فى واقع امرها متكاملة ولا يمكن تجزئتها أو تقسيمها ذلك أن الاسرة اطار حياة والحياة منطلق وأفق وهى ذات ملامح متعددة وابعاد متنوعة .

ان الاسرة كائن حى يطور وينمو ويتعرض للافات والامراض لا الجسمانية منها فقط بل وكذلك النفسانية والعاطفية وفى هذا المجال فان صحة العائلة ليست مجرد مجموعة الحالات الصحية لمختلف افرادها ، بل هى تتجاوز ذلك فهى تمثل من ناحية جملة العلاقات السائدة بين أفرادها على مختلف مستويات حياتهم ومن ناحية أخرى المحيط البيولوجى والاجتماعى الذى تعيش فيه وتتفاعل معه .

ان لنوعية العلاقات التى تربط بين افراد العائلة الواحدة أهمية بالغة فلقد اثبتت الدراسات العلمية ان شخصية الطفل مثلا تتأثر تأثرا بالغا بعلاقاته بأبويه منذ السنوات الاولى من حياته فاذا انعدمت العلاقة بين الطفل وامه او انقطعت ولم يقع تعويضها بعلاقة مع شخص آخر ، يمكنه تعويض الام ، فان النمو العاطفى للطفل قد يتأثر لذلك تأثرا نهائيا فيصبح غير قادر على ربط علاقات

عادية مع غيره ، كما انه لوحظ فى بعض الحالات القصوى انخفاض فى نسق النمو الذهنى للطفل لنفس الاسباب والحال ان مؤهلاته الذهنية لم يطرأ عليها اى تغيير - ومن ناحية أخرى فان نوعية العلاقات التى تربط بين الطفل وامه ترسم فيه الاطار الذى يعيش فيه وترافقه هذه الصورة فيما تبقى له من حياة وتؤثر فى مستقبله كائن اجتماعى - ان اولى وظائف هذه العلاقات ان يشعر بالطمأنينة وفى ذلك تكمن اغلب مكونات شخصيته النامية فى ما يجده لدى والديه من رعاية وأمن . أو على عكس ذلك من تخوف وحيرة ، له تأثير على نموه العاطفى والذهنى وعلى قدرته فى النجاح والاندماج فى المجتمع - ويقول برستون فى هذا المجال : " ان امن الطفل يتألف من ثلاثة عناصر : الاول هو الحب الذى تغمره به امه فأبوه والثانى هو شعوره بانه مع حبه مرغوب فيه ومقبول فى عائلته والثالث الاستقرار العائلى . " هذه هى الشروط الثلاثة لنشأة سليمة ونمو طبيعى واعداد محكم للقيام بالوظيفة الاجتماعية وفى هذا المستوى تتراءى لنا فكرة التنظيم العائلي وهي أحد المحاور الهامة للصحة العائلية .

ان العلاقة بين التنظيم العائلى والصحة العائلية لم تعد فى حاجة الى بيان . فلقد أثبتت التجارب العلمية ان لتعدد الولادات تأثيرات سلبية على صحة الام والطفل ومما يذكر أن نسبة الوفيات لدى الامهات والاطفال وكذلك نسبة امراض النقص فى النمو البدنى وانخفاض المعدل الذهنى لدى الاطفال مرتبطة ارتباطا مباشرا بتعدد الولاياتات والمرتبة التى يحتلها الطفل فى هذه السلسلة

وأما على المستوى النفسانى والعاطفى فان الدراسات والممارسة اليومية تدل دلالة واضحة على أن العائلات الكثيرة العدد لا تقدر على توفير مناخ عاطفى يتلاءم مع نمو الطفل نموا متناسقا ، فالام التى اضنتها الولايات والاطفال والمشاغل العائلية المتعددة عاجزة عن القيام بوظائفها الاساسية التى يتوقف عليها مصير أطفالها وحظوظهم فى الحياة السعيدة المتوازنة . ان الزيادة المفرطة فى عدد الاطفال تحدث انخراما فى الهيكل العائلى وفى مستوى علاقات أفراده بعضهم ببعض وتأتي على أساس الاطار الذى تحدثنا عنه آنفا والذى بدونه لا يمكن تصور نمو طبيعى للطفل .

ان التنظيم العائلى في مفهومه الشامل هذا ، عنصر أساسى للصحة العائلية وهو اثبات لنوعية العائلة وبالتالى لنوعية الحياة .

ان الصحة العائلية حركية دائمة وهى فى تفاعل حى مع الواقع المحيط ولذلك أضحى من المتأكد أن تتأثر بما يدور حولها من احداث وتطورات .

فعالمنا اليوم عالم متقلب ، متغير التوازن ، دائب النمو ولقد خلق هذا الواقع الجديد مشاكل وتصورات جديدة يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار اذا اردنا لبرامجنا المتعلقة بالصحة العائلية أن تكون مرتبطة بالحياة متفاعلة معها وذات جدوى فلا يمكن ان نتصور هذا الموضوع بدون دراسة تأثيرات المحيط والوراثة - وقد يكون من المفيد فى هذا الصدد دعم البحوث فى هذا الميدان - وكذلك التحولات الاجتماعية الكبرى كتزايد الحقوق وتحرر المرأة وبروز انماط ثقافية واجتماعية جديدة وغير مالوفة - كل هذه الظواهر لا يمكن ان تبقى بمعزل عن بحثنا الدائب للنهضة بالصحة العائلية .

برنامج للصحة العائلية :

انطلاقا مما سبق يمكن لنا ان نعرف الصحة العائلية بانها عمل من اجل تمكين الفرد والاسرة من القيام بدورهما فى التصرف في الحاضر والاعداد للمستقبل - وتبعا لذلك وجب ان تكون برامج الصحة العائلية آخذة بكل ابعاد الموضوع النفسانية والبدنية والذهنية ، الفردية منها والجماعية . ان رعاية الطفل وهى أول ركائز الصحة العائلية لا تبدا يوم ولادته بل يجب أن تسبقها وان تبدأ منذ زواج الابوين وذلك بإجراء الفحوص الضرورية للخطيبين حتى يقع تجنب ما قد يحدث من عدم تلأؤم بينهما ، ثم عند الحمل باجراء فحوص دورية على المرأة والجنين والعناية بالوليد منذ قدومه الى عالم الاحياء - كما انه من الضرورى الاعتناء بالام من حيث نوعيتها بقواعد الوقاية وحفظ الصحة والتربية حتى تكون على بينة من واجبتها . ان هذه الرعاية الصحية لا تقتصر على الام والطفل بل تشمل كافة افراد العائلة سعيا الى ضمان شروط الوئام والاستقرار وسط الاسرة وهى شروط ضرورية لنمو الطفل ونشاته . كذلك ينبغى ان يشمل برنامج الصحة العائلية الاوجه الاخرى لحياة الاسرة النفسانية منها والاجتماعية ومن ثم تحتم ان يكون هذا البرنامج متكاملا تتفاعل فى اطاره عدة عوامل واختصاصات ، فالبرنامح ينبغى له ألا يقتصر على جانب دون آخر . فاذا وفرنا الخدمات الفنية مثلا دون القيام بالعمل التربوى فان جهدنا يكون منقوصا واذا لم نعتبر غير الجانب الطبى البحت من الصحة العائلية فاننا لن نصل الى تلك النظرة الشاملة المنشودة .

ان الصحة العائلية عمل جماعى ونقطة التقاء اختصاصات واطارات مختلفة التكوين والوجهة ، لكنها متحدة الغاية وهى النهوض بالفرد والاسرة . فبقدر ما تؤكد على ضرورة مواصلة البحث فى الوسائل الطبية والفنية بقدر ما يجب

ان يكون سعيدا حثيثا من اجل ارساء قواعد بيداغوجية جديدة ولا يفوتنا ان نلح فى هذا المضمار على ضرورة تضافر كل الجهود وكذلك على ما يجب ان نقوم به من اصلاح مسالك التفكير والعمل والعلاقة بين مختلف الاختصاصات حتى نجد من وطأة الفوارق المصطنعة غالبا بين العلوم الطبية مثلا والعلوم الانسانية فلم يعد فى الامكان أن نتجاهل ما قدمته علوم الاجتماع والنفس والتربيه من مكاسب ساهمت فى تطوير المعرفة واستجلاء ما كان غامضا أو مجهولا فى نوازع الذات البشرية وعلى هذا الاساس فانه سيكون من المفيد والمجدى ان نعمل على ادماج هذه المواد فى تكوين الاطباء ، وهذا ما سعينا اليه فى تونس فى مستوى برامج كليات الطب ، وفى تدريب ذوى الاختصاصات المختلفة . على العمل معا فى اطار برامج متكاملة وذلك باذكاء جذوة الحماس وتحسيس المعنيين بالامر وتكوينهم .

ان برنامج الصحة العائلية برنامج متكامل فيه الطب والتنظيم العائلى والتغذية والتربية وعلم النفس وعلم الاجتماع ولعل هذا المجال من أرحب المجالات لتفاعل هذه المواد وتكاملها والعمل الجماعى من اجل مواجهة المشاكل واستنباط الحلول لها .

هذا فيما يخص مجال اعداد البرنامج ، واما فى مجال التنفيذ فان التصور واحد اذ العمل متكامل ، مندمج فالبرنامج يشمل كل ابعاد الصحة العائلية بمحاورها المختلفة - فلا يمكن ان نحصر العمل فى جانب دون آخر بل يجب أن يكون عملنا مستوعيا لكل عوامل الصحة العائلية رابطا اياها بالمؤثرات الثقافة والاقتصادية والاجتماعية وواضعا غاياتها فى اطار التنمية الشاملة للرفع من مستوى الانسان .

وفى المستوى العملى فان الفرد يصبح جزءا من مجموعة وهي الاسرة ومن خلالها ينظر اليه من طرف المسؤولين عن الصحة العائلية وهكذا يمكن استغلال هذا الوضع لايصال ما نريده من معلومات أو القيام بعمل تربوى هدفه جعل الفرد شعر بمسؤولياته تجاه مشاكله وخاصة منها ما يتصل بصحته وصحة المجموعة التي ينتمي اليها . وبفضل ذلك تصبح الصحة العائلية عاملا من عوامل النهضة بالإنسان وترقبته ووسلة لبناء مجتمع منظم فى سلوكه واعماله ووجوده .

ان الصحة العائلية كما حددناها آنفا ، عمل متواصل ودائب فهى لا تكتسى صبغة " الحملة " التى تنتهى بنهاية مدتها بل هى عمل طويل النفس يندمج فى جملة من الانشطة الدائمة - اذ هى تربية وسلوك ونمط حياتى .

التجربة التونسية فى مجال الصحة العائلية :

بعد هذا العرض الموجز لمفهومنا للصحة العائلية استسمحكم في أن أطلعكم على الخطوط الكبرى التى انبنت عليها تجربتنا فى تونس فى مجال الصحة العائلية ، وأود أن أقدم لذلك بعض المعطيات عما قمنا به فى مجال التنظيم العائلى وهو احدى ركائز سياستنا للصحة العائلية . والتنظيم العائل يرمى اساسا الى النهوض بالانسان وذلك بتبصيره بواجباته فى مجال الانجاب وتوعيته بما توفره له الدولة من حقوق ووسائل لاختيار عدد ابنائه وممارسة مسؤولياته العائلية وسياستنا فى هذا المجال ، كما وضحها المسؤولون وفى مقدمتهم الرئيس الحبيب بورقيبة انسانية الغاية والمنطلق فهى تبشير بانسان جديد وهى كذلك عمل طويل النفس يهدف الى جعل الفرد يسترجع كرامته ويقرر مصيره عن دراية وبكل حرية .

ان التنظيم العائلى فى نظرنا ليس مجرد مجموعة من وسائل تحديد النسل بل هو نظرة شاملة لشؤون الاسرة والمجتمع وانطلاقا من هذا المفهوم كانت خطة العمل التى رسمنا أهدافها واحكمنا طرق انجازها ترتكز على استراتيجية واضحة المعالم تهدف اولا وبالذات الى اعلام المواطن وتربيته ، فلقد قمنا بنشاط واسع المدى فى مجال الاعلام بمشاركة أجهزة الاتصال الجماهيرى من صحافة مكتوبة واذاعة وتلفزة واعددنا الوثائق والافلام ومعارض مدعمة بالصور الثابتة وركزنا هياكل جهوية دائبة الحركة تنشطها اطارات هى على اتصال مستمر بالمواطن حيثما كان ، فى المعمل او المنزل أو الحقل ، وأولينا الشباب عناية خاصة ، فادمجنا التربية فى المجال السكانى فى برامج التعليم الثانوى، اعتقادا منا ان فى ذلك مساهمة فى خلق شباب سليم مندمج فى صلب المجتمع يضطلع برسالته على أحسن الوجوه ، وقد تحرر من كل ما يعطل ذاته أو يمزق شخصيته . واذا كان شغلنا الشاغل تدعيم الانشطة التربوية وتعميمها فلقد اولينا اهتماما بالغا بمسألة الخدمات كما وكيفا .

وكانت الاجراءات التى قمنا بها تتمثل فى بعث مراكز جديدة لرعاية الأم والطفل وتنظيم المراكز القديمة وتجهيزها وتحسين مرافق الاستقبال واتقان التقنيات المستعملة هناك .

وقد وجهنا عنايتنا نحو صحة العائلة فى نطاق سياسة الطب الشامل أو المندمج ، وتتمثل هاته السياسة فى القيام بأنشطة ذات صبغة فنية وطبية - اجتماعية ، تشمل الميادين الوقائية والعلاجية المتصلة بوظيفة التناسل أى الحمل والولادة وما بعد الولادة وطب الاجنة والاطفال ، ولهذا الغرض تم فى مراكز الصحة الاساسية تكوين ملف لكل عائلة يسجل فيه الطبيب أثناء الفحوص أو عند الزيارات المنزلية كل الملاحظات الخاصة بصحة الاسرة وحاجيات أفرادها . وهكذا فان الفحوص تشمل فى آن واحد وبصورة مندمجة التنظيم العائلى أى المباعدة بين الولايات والحد منها ومراقبة النساء المقبلات على وسائل منع الحمل لصيانة صحتهن ومعالجة العقم وطب النساء ومتابعتهن أثناء الحمل قصد ارشادهن وفحصهن بعد الوضع . كما تشمل كذلك فحص الاطفال وتقديم ارشادات تخص تغذيتهم ومتابعة تلقيحهم وتقديم تربية صحية تشمل الوقاية والتغذية وكل ما يتعلق بسلامة الاسرة بدنيا ونفسيا . وقد مكن ادماج هاته الانشطة فى بعض الجهات من تحقيق نسبة عالية من الحماية بصفة فعالة ودائمة تهم خاصة عوامل الخطر التى قد تهدد صحة الامهات او الاطفال فى سن ما قبل الدراسة . وقد تدعمت هاته السياسة فى العديد من الجهات واذ تتجلى جدواها يوما بعد يوم فانها ستعمم فى جهات أخرى .

ان التجربة التونسية فى مجال الصحة العائلية تجربة متكاملة ، فبرامج العمل تعد من طرف مجموعة من الاطارات فى اختصاصات مختلفة نجد من بينهم الطبيب والديمغرافى وعالم الاجتماع وعالم النفس والمختص فى الايصال والمربى . ولذلك اتسمت أعمالنا بالشمول فالبرنامج يحاول ان يلم بكل ابعاد الموضوع باعتبار كافة متطلبات الاسرة وحاجياتها وكذلك مستوى تطورها الثقافي والاجتماعى والعمل التربوى يعد فى نفس الاتجاه المتكامل فهو يحتوى على معلومات وارشادات فى التربية العائلية والتغذية والوقاية والاقتصاد .

ولقد حرصنا فى المستوى العملى على احترام نفس المبادئ ونفس الطرق حيث ان الفرق التى عهد اليها بتنفيذ برامجنا ميدانيا مكونة من اطارات متنوعة الاختصاص قد سبق لها أن ساهمت فى التربصات وحلقات " الرسلكة " أى التكوين المستمر ، التى ينظمها الديوان القومى للتنظيم العائلى والعمران البشرى بصفة دورية والتى تحتوى الى جانب المعلومات الفنية على مبادئ فى علم النفس والاجتماع ووسائل الايصال والتربية وذلك حتى يكون الاطار متعدد الوظائف قادرا على تنفيذ برامج الصحة العائلية واثرائها بحكم الممارسة .

هذا فضلا عما دأبنا عليه من تركيز أسس علمية للتقييم المتواصل قصد الوقوف على نقط الضعف واستجلاء آفاق المستقبل لنبقى دوما على اتصال حى بالواقع .

ولقد مكنت هذه السياسة الصحية من بلوغ عدة اهداف منها ما هو نوعى ويتصل بالتحول الحاصل فى العقليات والسلوك واقبال المواطنين على نمط جديد من الحياة ومنها ما هو مرقم ويدل دلالة واضحة على بروز سلوك ديمغرافى جديد لدى المواطن التونسى ويبين ان حالته الصحية قد تحسنت وان نسبة الوفيات قد انخفضت بصفة محسوسة . كما انخفضت نسبة الخصوبة .

هذه بعض ما سعينا وما زلنا نسعى الى تحقيقه فى تونس من اجل خلق اجيال سليمة ، متوازنة مندمجة فى صلب المجتمع قادرة على تحمل مسؤولياتها والاضطلاع برسالتها فى هذا الوجود اضطلاعا يمكنها من ان تبنى مجتمعا راسخ الاركان قوى البنيان .

اشترك في نشرتنا البريدية