الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الصحراء صلة بين إفريقيا السمراء، وأقطار المغرب الكبير

Share

ثبت على ضوء مكتشفات عرضية عديدة وتنقيبات نظامية علمية أن الصحراء لم تكن قفرا خلال العصور الحجرية بل كانت مهدا لحضارات بدائية تشهد بعمرانها . فلا تخلو المتاحف المغربية وغير المغربية من أدوات سبكت من حجارة كان يستخدمها سكان الصحراء : مهارس - مطاحن - أسلحة من سكاكين وخناجر ورؤوس رماح وغيرها أكثرها يعود الى العصر الحجرى الحديث (1)  .

ومن بين المواقع الاثرية التى عثر فيها على بعض هذه اللقيات نخص بالذكر منها برج بورقيبة ورمادة والبرمة وجنين وكل هذه المراكز تقع جنوب الجمهورية التونسية . وعند الحديث عن حضارات الصحراء العتيقة لا بد من الاشارة إلى مخلفاتها الفنية تلك الرسوم التى تحلت بها المغارات وضلوع الجبال فى صحراء الجزائر (2) وصحراء الجماهيرية الليبية (3) بفزان أو بجبل

ونات في عمق الصحراء الليبية وتمثل هذه الرسوم البديعة ألواحا من حياة الريف كما تمثل مشاهد لها صبغة حربية : فهذا قطيع من البقر يرعى تحت مراقبة رعاته وهذه معركة استخدمت فيها العربات والنبال وهي أسلحة هجومية كانت إذ ذاك عصرية وفتاكة (4) .

فبدون دخول فى التفاصيل التى نتركها لأهل الاختصاص والذكر فى هذا القطاع اردنا الاشارة إلى ما كانت عليه الصحراء من ظروف مناخية وحضارية وعمرانية خلال العصور الحجرية . لقد كانت المساحات الصحراوية الشاسعة اليوم أراضى صالحة للزراعة وتربية الماشية بالامس : قطعان البقر لا يمكن تواجدها إلا فى أرض توفرت فيها المياه والاعشاب وطاب فيها العيش لبنى الانسان - وليس هذا الكلام اعتباطا ولا مجرد تخمين بل أساسه نتائج أسفرت عنها أبحاث المختصين فى هذا الحقل من الدراسات الانسانية : البقايا الحضارية تثبت تواجد الانسان وعظام الحيوانات فضلا عن الرسوم التى كنا أشرنا اليها تشهد بوجودها وتمكننا من تشخيصها ومعرفة سلالاتها . أما النسيج النباتى فيمكننا معرفته على ضوء المحفورات غبار الطلع المتكلس حيث أصبحت في مقدرة المخابر المجهزة بأحدث التقنيات تحليل غبار الطلع المتكلس وتشخيص النباتات التى اليها ينتسب غبار الطلع ذلك فمن الطرائف التى كثيرا ما ترد فى الكتب الخاصة بحضارات العراق القديم انه وجد فى بعض القبور القديمة ما يكن من معرفة الزهور التى قدمت قربانا للميت عند دفنه ومهما يكن من أمر فثابت أن تحليل غبار الطلع المتكلس يلقى نورا ساطعا على الوضع النباتى وبالتالى على الظروف المناخية التى كانت سائدة آنذاك ثم انحسرت .

على أن تغييرا جذريا طرأ تدريجيا على الظروف المناخية وتمثل ذلك التغيير أو التحول التدريجى فى سيطرة الجفاف منذ العصر الحجرى الحديث وما انفك الجفاف يسيطر حتى بلغ درجة ضايقت الحياة البشرية فكانت الهجرة وترامت كثبان الرمال واسدل الستار على بقايا الحضارات الصحراوية ولم يكشف الغطاء الا عن القليل منها حتى يوم الناس هذا .

خلت الصحراء تدريجيا حتى أصبحت قفر اليوم وذلك منذ أقدم العصور التاريخية كذلك عرفها القدامى ، فعندما يتحدث المؤرخ اليونانى هيرودوتوس عن الصحراء يقول : إنها " منطقة رمال ذات جفاف مريع " ( 5 ) ويشير المؤرخ نفسه الى منطقة رمال تترامى أطرافها من طيبة المصرية الى أعمدة هرقل .

لقد ورد ذكر الصحراء في مؤلفات الكثير من القدامى منهم ثيوفراست Theohtraste واسترابو Strabon وديودور الصقلي Diodore de Sicile   اشاروا جميعا الى صحراء مترامية الاطراف تسيطر عليها كثبان الرمال يتيمة من الاشجار لا حياة فيها باستثناء بعض الحيوانات كالغزال مثلا .  

لكن الصحراء بحرها وجفافها لم تكن حاجزا بين شمال القارة وجنوبها بل بقيت ممرا يصل بينهما فلم تكن الصحراء عقبة فى وجه القوافل بل هى المصادر القديمة ما يثبت متانة العلاقات التجارية والحضارية بين افريقيا السمراء وأقطار المغرب الكبير . فيبدو أنه كان لقرطاج علاقات تجارية مع بعض الاقطار الافريقية من وراء الصحراء كالسودان والنيجر والتشاد . ومما قد يساعد على اثبات ذلك بعض الروايات التى تتعلق بالرحلات التى كان يقوم بها بعض القرطاجيين عبر الصحراء وجاء فى رواية أن أحدهم يدعى " ماجون " Magon كان يفخر بعبوره الصحراء دون مخافة العطش (6) : يعبر الصحراء ولا يتناول ماء : وردت هذه الرواية عن اليونانى أثيني : Athenee وهو من أحياء القرن الثالث بعد الميلاد وكان مشهورا بجمعه  لطرائف الاحداث والروايات الواردة في الكتب التى تسقط بين يديه .

هذه الرواية تبدو وكأنها صدى ضئيل للاتصالات البشرية والحضارية والاقتصادية التى كانت تربط العالم القرطاجى والبونيقى عامه بأقطار ما وراء الصحراء عبر الصحراء .

هناك قضية لابد من إثارتها هنا وهى قضية الشهادات الأثرية . فهل يوجد فى الملف الخاص بتجارة القوافل بعض الوثائق الأثرية تعود الى العهد القرطاجي أى الى ما قبل الغزو الرومانى ؟ الواقع أن البحث فى هذا القطاع ما زال فى خطواته الاولى ويحق للباحثين أن يحيطوه بعنايتهم واهتمامهم ويسلطوا المزيد من الاضواء على هذه القضية التاريخية .

على ان بعض المنتجات او المصنوعات البونيقية عثر عليها فى قبور الجرميين بفزان التى تم الكشف عنها وحفرها من قبل بعض الأثاريين الاطاليين (7) فهذه " البضاعة " البونيقية المتواجدة فى عالم الجرميين تثبت الصلة التى كانت تربط بين قرطاج والمصارف البونيقية من جهة والقبائل الجرمية من جهة اخرى واذا تذكرنا الدور التجارى والحضارى الذى كان يقوم به الجرميون والنساميون بين المغرب وأقطار ما وراء الصحراء كالسودان شعرنا بضرورة التعرف الى هذه القبائل الصحراوية .

* الجرميون : Les Garamantes

لقد قيل الكثير عن الجرميين ولعل أقدم النصوص التى تتعلق بهم هي التى نجدها في السفر الرابع من تاريخ المؤرخ اليونانى هيرودوتس ويعود الى القرن الخامس قبل الميلاد . يقول هيرودوتس : " انطلاقا من أوجله Augila وعلى مسافة عشرة أيام أخرى توجد هضبة من الملح وحولها مياه متوفرة وغابة نخيل مثمرة على غرار المحطات الاخرى . وهناك يقطن أناس يطلق عليهم اسم الجرميين يمثلون أقواما كبيرة العدد يحملون التراب ويضعونه على الملح ثم يزرعون . إن اقصر الطرقات تدفع الى آكلى اللوطس Lotophages ومن ثم الى ديارهم تمتد المسافة على ثلاثين يوما وفى ربوعهم توجد كذلك الابقار التى ترعي مدبرة . أما السبب في ذلك فلأن لها قرونا منحدرة فتراها لا تستطيع الرعى مقبلة فان فعلت غاصت قرونها أمامها فى الارض . فلا فرق بينها وبين غيرها من البقر الا فى هذه الظاهرة وكذلك فيما تتميز به جلودها من حيث سمكها ومتانتها .

إن هؤلاء الجرميين يطاردون سكان المغارات من الأثيوبيين على متن عربات تجرها خيول أربعة ذلك أن الأثيوبيين سكان المغارات أسرع فى العدو من كل الأقوام التى ورد ذكرها فى بعض الروايات " ( 8 ) .

يعتبر هذا النص للمؤرخ اليونانى هيرودوتس من أقدم النصوص المتعلقة بالجرميين ففيه اشارة الى وطنهم أو الديار التى كانوا يسكنونها وفيه اشارة الى اقتصادهم الذى كان يرتكز على الزراعة وتربية الماشية وكانوا يعيشون فى مناخ تغلب عليه ملامح الواحة وكانوا يقاومون الملوحة بجلب التربة الصالحة وكلما أصيبت أراضيهم بداء الملح غطوها بقشرة جديدة من تراب ينعم بالخصوبة . فما هى المزروعات التى كانوا يتعاطونها ؟ لم يذكر المؤرخ اليونانى سوى النخلة مثبتا انها من النوع الذى يثمر على أنه ليس من المجازفة افتراض وجود بعض الاشجار المثمرة التى يمكنها التعايش مع النخلة مستفيدة من ظلها ومن المياه التى ترويها وكذلك بعض الخضروات على غرار ما نجده عامة في الواحات كواحة تقابس بالبلاد التونسية والتي عرفها القدماء بمزروعاتها المختلفة ذات الطوابق الثلاثة ( 9 ) .

والى جانب الزراعة وغراسة الاشجار المثمرة كان الجرميون يعيرون اهتماما لتربية المواشى ولا سيما الأبقار مستفيدين من لحومها وجلودها وطاقتها وكان يدافعون عن أوطانهم أو يهاجمون جيرانهم من الاثيوبيين سكان المغارات وكانت وسيلة التنقل عندهم العربة التى تجرها خيول أربعة . تلك بعض ملامح دنيا الجرميين كما تصورها هيرودوتس استنادا الى روايات أخذها عن بعض الذين تمكن من الاتصال بهم ممن كانوا يعرفون أخبار الجرميين . وتجدر الاشارة إلى التطابق الملموس بين ما ورد فى النص اليونانى وبين بعض الرسوم والنحوت المكتشفة فى منطقة فزان والتي تعود الى العصور الحجرية . إن هذه المعلومات القيمة حول الجرميين تصور وضعا عله كان يسود القرن الخامس قبل الميلاد مع اعتبار انغماس جذوره ماض سحيق ومعنى ذلك أن الجرميين كانوا إذ ذاك مستقرين فى ربوع فزان وليسوا فيها بحديثي عهد . مع العلم أن هيرودوتس يعتبرهم من اللوبيين أى من سكان شمال القارة الاصليين اولائك الذين نطلق عليهم اليوم اسم البربر ( 10 ) .

لا يتسع المجال هنا لسرد كل النصوص القديمة التى تتعلق بالجرميين وهى كثيرة ومبعثرة فى مؤلفات عديدة ومختلفة من حيث هويتها ومن حيث محتواها

وزمنها نكتفى على سبيل المثال بالاشارة إلى ما أورده إبلينوس الاكبر واسترابو وكلاهما من أحياء القرن الاول بعد الميلاد على أننى أومن جازما بضرورة جمع تلك النصوص جميعها وتصنيفها واستنطاقها حتى يتيسر التعرف الى واقع الجرميين على مختلف مظاهره العرقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية بوجه عام .

وفضلا عن النصوص والشهادات المكتوبة يتوجب الرجوع الى المخلفات الجرمية أى الى الشهادات الأثرية من عمارة للأحياء أو للأموات وزخارف وتحف وأدوات مختلفة كما يتوجب تصنيف هذه الوثائق المادية من حيث الغرض ومن حيث الزمن حتى يتهيأ لنا تصور ثابت حول الجرميين له صفة الشمول والدينامية كذلك يتيسر التعرف الى مختلف أوجه الواقع الجرمي ومتابعة تطوره مع مر الزمن .

*النساميون :  Les Nasamons

لابد من جمع الوثائق المتوفرة حول هؤلاء النساميين وعلى غرار ما قلناه حول الجرميين فان أقدم النصوص المتوفرة حاليا فى خصوص النساميين هى التى كتبها المؤرخ اليونانى هيرودوتس خلال القرن الخامس قبل الميلاد .

ففي حديثه حول منابع النيل أشار هيرودوتس الى حوار دار بين بعض القورينيين وملك الأمونيين أتايرخوس Etearchos ومضمونه أن بعض النساميين أقبلوا يوما على الملك أتايرخوس ويضيف هيرودوتس أن النساميين من الشعوب اللوبية يقطنون على ضفاف السرت وبالربوع الشرقية القليلة الامتداد . سألهم أتايرخوس هل لهم حول صحراء لوبيا أكثر معلومات مما لديه فأجابوا : إن عندهم بعض الشبان الطائشين وهم من أبناء كبار القوم فلما أدركوا سن الرجولة تصوروا لونا من ألوان الطيش وهو أن يعينوا عن طريق القرعة خمسة منهم يخرجون لرؤية صحارى لوبيا مع الحرص على تجاوز البقاع التى تمت معاينتها من ذى قبل ثم يأتي الحديث عن المغامرات التى عاشها الفريق النسامى حيث عبروا الصحراء حتى أدركوا ربوعا تنعم بالاشجار المثمرة والمياه الجارية فلما اقتربوا وأرادوا قطف بعض الثمار هجم عليهم جمع من الناس قامة الواحد منهم قصيرة دون المعدل العادى فألقى القبض على الشبان النساميين وأخذوا الى مدينة عبر مستنقعات فسيحة ويشير النص الى أن سكان هذه المدينة من ذوى البشرة السمراء ( 11 ) .

وفي فقرة أخرى من تاريخ هيرودوتس نجد معلومات ثمينة حول النساميين فيثبت انهم قوم كثيرون وفي فصل الصيف يتركون حيواناتهم على شاطىء البحر وينطلقون نحو أوجلة لقطع عراجين التمر والمنطقة معروفة بوفرة النخيل فيها لما تجده هذه الاشجار من أسباب اليناعة . ويتعاطون صيد الجراد وبعد صيدها يعرضونها الى أشعة الشمس حتى تجف ثم يجعلونها سحيقا يتناولونه مع اللبن .

ومن تقاليدهم تعدد الزوجات على أنهم لا يعرفون الاستئثار بالمرأة ولو كانت زوجة فاذا ما أراد أحدهم الاتصال بامرأة غرس عصا أمام مكان الاتصال ويمارس معها العملية الجنسية . وعند زواج الرجل لاول مرة من العادة أن تمر العروس بين يدى كل المدعوين وتتصل بهم جنسيا ويقدم لها كل منهم الهدية التى أقبل بها من بيته ( 12 ) .

وفي فقرة ثالثة يشير هيرودوتس الى بعض التقاليد الدينية منها قضية التكهن أو التنبؤ فتراهم يقسمون بالذين يفوقون غيرهم بالصدق وحسن الخلق يقسمون بهم واضعين أيديهم على قبورهم . وعند اللجوء الى التنبؤ يزورون قبور أجدادهم وبعد الصلاة ينامون عليها . فان كانت لهم رؤية فى نومهم عملوا بمقتضاها . وعند المعاهدة ترى كلا من المتعاهدين يشرب من يد صاحب واذا لم يتوفر الماء عوضاه بالتراب لحسا ( 13) .

تلك بعض المعلومات حول النساميين فهيرودوتس يعتبرهم من القبائل اللوبية التى تقطن قرب البحر على ضفاف السرت الأكبر أى بمنطقة برقة وعرفنا المؤرخ اليونانى على بعض أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والدينية فيبدو أنهم كانوا من المخضرمين أى من أهل المدر وأهل الوبر في نفس الوقت ولهم اقتصاد مخضرم كذلك حيث يستند الى الفلاحة في الواحة وتربية الماشية فكانوا يتنقلون بين منطقة السرت وواحة أوجلة Augila وكانوا من الذين يفهمون لغة الصحراء ويعرفون مسالكها وأسرارها مما ييسر لهم القيام بدور الوسيط بين الاقطار المتوسطية وأقطار ما وراء الصحراء وفيما أورده هيرودوتس حول النساميين اشارات الى بعض المناطق التى كانوا يترددون عليها منها أوجلة ومنها مملكة الأمونيين بسيوة .

وتوجد بعض المعلومات الاخرى حول النساميين لكنها قليلة مع العلم أن الشهادات الأثرية غير متوفرة اليوم والأمل أن تتكثف الابحاث فى هذا القطاع مما قد يسفر عن اكتشاف بعض المخلفات الحضارية النسامية مهما تواضعت من حيث كمها وكيفها ومهما يكن مستوى معرفتها للجرميين وللنساميين فثابت أنهم كانوا من بين الذين يجهزون القوافل للربط بين أقطار المغرب الكبير وأقطار ما وراء الصحراء فمنهم كانت السيارات الصحراوية وثابت أنه كان لقرطاج وللمدن البونيقية وللممالك النوميدية والموريتانية علاقات مع هذه القبائل الصحراوية وعن طريقها كان التبادل التجارى والثقافى وكذلك العرقي فكانت قوافلهم تأتى ببضاعة الى المصارف الساحلية أو يأتى تجار الاقطار المغربية الى المراكز الجرمية أو النسامية ويأخذون منها البضاعة المطلوبة والآتية من وراء الصحراء ويقدمون مقابلا لها بضاعة يستهلكها الجرميون والنساميون أو يصدرونها نحو الجنوب حيث قد يعسر على البونيقيين الوصول ولعل الجرميين والنساميين كانوا يتعاونون مع قبائل أخرى لم يحتفظ التاريخ بأسمائها وهكذا تتحول البضاعة من مرحلة الى اخرى عن طريق قوافل عديدة مما يقسم المسافات ويحد من شدة العقبات والصعوبات وليس من الغريب أن تكون الطرقات مقسمة الى مناطق نفوذ كل قطاع منها يخضع الى سيادة القبيلة التى تقطن أو تتحرك في الربوع التى يمر منها هذا وذاك الجزء من طريق القوافل ، على أن هذه افتراضات لما تدرك مستوى القطع .

أما عن طرقات القوافل اذ ذاك فلقد قام بعض المؤرخين بمحاولات تستهدف ضبطها ورسم خريطتها : منها المحاولة التى قام بها المؤرخ الفرنسى ستيفان افزال ( 14 ) . Stephane Gsell خلال النصف الاول من هذا القرن ويرجح أن تلك المسالك كانت تنطلق من المصارف الساحلية : تقابس - تجغط أؤه Oea - لبدة الكبرى - صبراطة - متجهة نحو الاسواق الصحراوية ومن أعظمها منذ عهد قرطاج غدامس وجرمة عاصمة الجرميين بمنطقة فزان اليوم . ويعتقد ستيفان افزال ان الطريق تنطلق من المصارف الساحلية كلبدة الكبرى مثلا وتنعرج نحو الشرق حتى يكون التخلص من قسوة الحمادة الحمراء فتمر ببو نجم وسوكنة ثم تعبر الجبل الاسود .

وكانت طريق أخرى شمالية جنوبية لكنها قاسية عبر الحمادة الحمراء وتمر بادرى ومنها الى جرمة ويرجح المؤرخ الفرنسي افزال أن الطريق الاولى كانت أكثر استعمالا . وما دمنا نتحدث عن المسالك التجارية التى كانت متبعة قديما بين المصارف الساحلية والمناطق الصحراوية يمكن أن نشير الى الخريطة التى وضعها الدكتور محمد سليمان أيوب فى دراسة حول جرمة ( 15 ) . وهي من المحاولات التى أشرت اليها وأعتقد أن الأبحاث الجارية على الميدان ستساهم فى تسليط المزيد من الضوء على هذه القضية .

وفيما يتعلق بالوسائل المستخدمة لعبور الصحراء أعني وسائل النقل فالظاهر أنهم كانوا يستخدمون الدواب كالحمار والحصان والثور مع العلم انه لا ذكر للجمل عند الحديث عن التجارة الصحراوية قبل الغزو الرومانى : إن أقدم الوثائق المتعلقة بوجود الجمل فى الاقطار المغربية تعود الى القرن الاول قبل الميلاد والى زمن يوليوس قيصر بالتحديد : ورد في الكتاب الذي ألفه أحد ضباط قيصر حول الحرب الافريقية أن الملك النوميدى يوبا الاول خسر من بين ما تكبده من خسائر قطيعا يعد اثنين وعشرين جملا ( 16 ) على انه من الثابت أن الجمل كان متواجدا فى افريقيا الشمالية منذ أقدم العصور الحجرية وتتكاثف الشهادات حول الجمل واستعماله فى مختلف الميادين الاقتصادية والعسكرية طيلة العهد الرومانى شهادات أثرية ( 17 ) وشهادات أدبية ( 18 ) ومما قد يدعم نظرية عدم انتشار الجمل فى ربوعنا المغريبة قبل العهد الرومانى ملحوظة لغوية ذلك أن بعض الاخصائيين فى اللهحات البربرية يقولون بعدم وجود اسم بربري للجمل ( 19 ) كما لا وجود للجمل في

الزخارف الحجرية ( 20 ) . فالقضية مهمة وما زالت تتطلب المزيد من البحث والتنقيب من تفسير نصوص وعمل على جمع الشهادات الاثرية واستنطاقها بالاستناد الى الدراسات العديدة التى نشرت حول الجمل فى شمال افريقيا خلال العصور القديمة ( 21 ) .

ومما قد يتوجب التساؤل حوله قضية العربات التى تنسبها النصوص الى الجرميين فتقول انهم كانوا يلاحقون الاثيوبيين من سكان المغارات على متن عربات تجرها خيول أربعة فهل كان الجرميون يستخدمون هذه العربات لتجارتهم الصحراوية ؟ سؤال تعسر الاجابة عنه ؟ أما إذ اعتبرنا ملامح الصحراء كما هي اليوم فيمكن الجواب بالنفي ومهما يكن من أمر فان قضية وسائل النقل والتنقل عبر الصحراء من القضايا التى لا بد من معالجتها اذا رمنا التعرف الى تجارة القوافل الصحراوية .

قضية أخرى جديرة بالاهتمام وتتعلق بالبضاعة الموردة والبضاعة المصدرة لقد كتب بعض المؤرخين فى هذا الموضوع لكنها افتراضات فى الغالب تعوزها الدعائم الموضوعية قيل : إن هذه القوافل الصحراوية تأتى الى أسواق المغرب الكبير ساحلية كانت أو داخلية مثقلة ببضاعة ثمينة من ذهب ( 22 ) (ذهب السودان)  وحجارة كريمة ( 23 ) فضلا عما تنتجه أقطار ما وراء الصحراء من اخشاب وحيوانات غريبة ولعل القوافل كانت تأتى بالعبيد أما صادرات الاقطار المغربية وخاصة صادرات قرطاج والمدن البونيقية فكانت تتمثل فى

منتوجات فلاحية وأخرى صناعية منها الزبيب والتين والخمر والاسلحة والمنسوجات ذات الالوان الزاهية والتمائم وغيرها من المجوهرات الزجاجية ولا شك أن للمكتشفات الأثرية وزن كبير فى ضبط هذه البضاعة التى كانت تعبر الصحراء فى اتجاه جنوبى أو فى اتجاه شمالى . فلا شك أن البحث عن المدافن الجرمية أو النسامية ودراسة محتوى قبورها يفيد الدارس ويلقي نورا على بعض الزوايا التى ما زالت تغمرها الظلمة .

انها قضايا عديدة وليست باليسيرة وما زالت تستوجب العناية وطول النفس لكنه ثابت أن لقرطاج وللمدن البونيقية الاخرى علاقات متينة بأقطار ما وراء الصحراء مرورا بالمناطق الصحراوية وبالتعاون مع سكان الصحراء كالجرميين والنساميين ولعل الخصام الذي شب بين قرطاج ومدينة قورينة ( 24 ) كان نتيجة تنافس بين المدينتين فى خصوص مراقبة بعض الخطوط التجارية الصحراوية بالتسلط على بعض المراكز الاستراتيجية الضامنة لسلامة الحركة عبر الصحراء ( 25 ) .

اشترك في نشرتنا البريدية