- ٤ -
لست أشك لحظة فى ان من معايب نهضتنا الفكرية الحديثة انها نهضة أدبية بكافة مشتملاتها ومدلولاتها وبكل ما تنطوى عليه هذه الكلمة من المعاني والمفهومات فثقافتنا التعليمية ، بله ثقافة العالم العربى أجمع تكاد تكون أدبيه صرفة لا أثر للعلم ولا للمعرفة فيها ؛ والشباب الحي الطامح المتوثب للحياة هو شباب أديب لم يتثقف بالعلم ، ولم يتزود من مناهله ما يخرله حق تسلم ازمة القيادة وسلطان الحكم ، فهو شباب لا يصلح الا للمناقشات الادبية ، المهاترات القولية التى لا يرجى من ورائها ادراك نفع أو غاية ؛ وعلماؤنا ما عدا الدينيين منهم جلهم علماء فى الصرف والنحو واللغة والبديع والبيان . واذكر بهذه الماسية حادثة وقعت للدكتور فانديك فى بيروت فقد قيل ان ثنين ذهبا لزيارته فعرف أحدهما الدكتور بصديقه العالم العلامة و . . . وسرد القابا ضخمة اطول من قائمة المزاد فنظر الدكتور فانديك الى الرجل نظرة الفاحص المتبصر ثم سأله :
- هل تعرف الجغرافيا - لا - والفلك - لا - وهل تعرف علم النبات والحيوان - كلا - وهل تعرف الصرف والنحو - نعم
فقال فانديك : اذن أنت تعرف أن تتكلم فقط . فنحن قوم لا نحسن الا السفسطة وتزويق القول واختيار الجمل ، ومشاكلنا على اختلافها مشاكل أدبية قبل أن تكون شيئا آخر ، ومشكلة اليوم هى ايضا مشكلة أدبية قبل كل شئ ، ولم لا يكون للادب مشاكله كما للعلم مشاكله ؟؟ اليس العالم اليوم مجدا فى بحث أسرار القيود وكشف مستغلقات الكهربائية ، فلم لا نبحث نحن أيضا فى مشاكل الأدب ، فنوسعها بحثا وتحليلا ، ونقتلها تدقيقا وتمحيصا ، ما دمنا لا نحسن من أنواع العلوم كلها الا هذا الضرب الذي يسمونه الأدب ؟؟ لا جرم اننا نتهم انفسنا بالقصور وأذهاننا بالعجز .
فلست أنصح للناشئة اليوم فيما أنصح بدراسة الكتب العلمية فلا أظن من موضوعي اليوم التعرض لها وهى فيما أعلم كثيرة ، كما انني لست من رجال العلم شأنى شأن عامة المتأدبين فى بلادنا ، انما انصح لهم بدراسة الآثار الادبية القديمه كالاغانى وصبح الاعشى وديوان الحماسة ودواوين الشعر القديمة لشعراء العربية النابهين والتزود من الآداب العربية القديمة ودراستها دراسة واسعة مستفيضة تكفل لهم انتاجا جيدا فى المستقبل وعبقرية أدبية خصبة وطبيعة موهوبة لا تقف عند حد فلم تصل اية امة من الامم بآدابها الى الدرجة الرفيعة السامية والمقام الادبى الممتاز الابعد دراسة آثارها الادبية القديمة والتشبع بها . لست أزعم بهذا الاكتفاء بها عن دراسة الكتب الحديثة لاعلام الادب العربى الحديث فانه من الضرورى مسايرة النهضة الادبية الحديثة فى الشرق العربي وتلقيح الاذهان بكل مبتكر جديد ليكون لنا شباب قوى وأدب غرير متماسك ، بجمع الى متانة القديم طلاوة الحديث وعذوبته ،ويجمع فوق ذلك خلاصة افكار الشرق والغرب مدونة فى آثار اعلامه . فنهضتنا الحديثة لم تصل الى ما وصلت اليه ولم تبلغ ما بلغته عن طريق البعوث والاختلاط المباشر ، انما كان ذلك بفضل الموجات

