صفحة بيضاء بين يدى والقلم الرقيب .
أى لذة فى تأملها عارية " عاطلا " ولازينة الا بشرتها الغضة وجسدها العفيف ! الزاهدة الحسناء قد تعرت تبترد .
أن تديم النظر الى صفحة بيضاء وتستغرق فى تأملها . هيهات . الا أن تحبس تيار فكرك وتلجم نبع احساسك
وهل بوسعك ألا تمس زهرة الطهر وبكارة الفجر الا أن تلقى عنك هذا القلم النهم ، هذا الفحل النزق الجسور الذى يتهددها فى كل حين ، يريد ان يقطع عنك لحظة السحر ويجمد لجة الفكر المتموج المتلون فى دفقه الدائم وتجدده المتصل ؟
ألا يمكن أن تنظر اليها صورة حلما كأنك بإزاء بحر فسيح فسيح ، أو مرج يمتد بخضرته ويترامى الى اطراف الافق ؟
وتظل هكذا ساعة بعد ساعة فى لعبك المجنون وعبثك الأخرق السخيف مبهوتا أمام صفحة لاشئ فيها ؟
نعم ! ما أكرم هذا العرى وما أنبله . ما أشهى الصفاء يكاد يلمس لمسا . يصافح بصرك يصدمه صدما . يلاطفه ويعشيه بهرا .
ولكن ! ماذا وراء هذا البياض ؟
لاشئ وكل شئ . جم غفير . . حصاد وافر لا يحصى من الامكانيات .
انه المجهول عند بابك ، غيب غير مرتقب قد يكون هناك حذوك ، من حيث لا تشعر ، هازئا بك غير عابئ ، أو لعله يتطلع اليك متوسلا منتظرا أى حركة ، أدنى اشارة منك ليبرز ويزف نفسه اليك
صفحة بيضاء . . بارق أمل ، بسمة صامتة بليغة . جدار عنيد تتشبت به ، تريد أن تخرقه بيديك ، بأظافرك . رمز لصحو فاتر راكد . لاريح ولا شراع . لا بذر ولا لقاح . قحط مؤيس وخواء جحيم
كلا ! لاشىء من ذلك . بل هى الراقصة " فارستك " الحسناء تقول هيا ؛
هيا بنا ! هاك رقصة الكلمات تنط كالمحمومة السكرى ، تدور تتجاذب وتتدافع فى أوج لذتها القصوى
الصفحة شىء حى يتحرك ، كيف لاتحس بنبضه ، كيف لاتشعر بجوعه وصراخ الظما فيه ؟
العجين الناشف الأملس ، العجين الرصين يموت وجدا
لقد شغفت الحشرة العجين بسحرك ودسك حبا .
فلتهطل القبلات ضما وشدا . البدار . فلنغمرها لثما وعضا . ولنزدوج . هذا الجسد المسكين يختنق وحشة . . يغص ويشكو الوصال . فلننضم وجها لوجه . الجسد الى الجسد . وليطفح الاناء طفحا ويتفجر فى كل صوب . عطش الهاوية ليس له من قرار
صفحة كالجبهة العمياء . كوجه الضرير الوسيم . أعين مطبقة . أزهار خرساء مقطوعة الجناج . خصاء الحسن . وعقم الأبد . رمز حى لوجودنا . نحن عميان . أجل ، عميان . عوالم معزولة منقطعة . نتقابل ولا نلتقى . نتناظر ولا نتصل . عبثا نتراسل ونتشاير من كوة الجسد . ما ان يدرك أحدنا الآخر فعل اليائس الشامت
ينظر بعضنا الى بعض بل نتماس ولايرى الواحد منا صنوه وأخاه .
عميان . ما لم نلجأ الى سحر الكلام وخدعة الحوار . ومن يدرى ، حتى فى هذه الحال ، من يتبين الحد بين الوهم والحقيقة ، بين الصدق والكذب ؟
ما أيسر أن تتكافأ الاشياء فى أعيننا ، ما أسرع أن تتساوى وتلتبس . نحن عميان .
كلا ! لا مفر الا أن تعانق " الملهاة " وتدخل فى " الدور " . دع بهرج الألوان والاضواء يفعل فعله فيك . دع روح " اللهو " يتخللك وينفذ اليك . البس " شخصك " لبسا . وتلقف حركاتك وسكناتك لقفا . فالملقن لجوج والوقت قصير . والمأساة شبح لك بالمرصاد
صفحة بيضاء . انها مصيرك تبنيه ، تخلقه أنت بيديك خلقا . رغم المخاوف والحدود . رغم العقائد والاساطير . ستبجس ذاتك من العدم دفعا ، وستلد وجودك كما تريده فرضا . كأنك الاله ، مطلق السؤدد وتمام التصرف
الصفحة بساط سحرى يمتد الى غير غاية . " مجرة " تبهرك برمال الدر وحصى اليواقيت . سفينة تمخر عباب اللانهاية والفكرة فى اثرها ، كأنها الطائر يقتفى سيرها ، عابثا بين أزهار أمواجها
أنا والصفحة البيضاء والقلم الرقيب . ها هى ذى أمامى صبية عارية ، كالعذراء الخجول ، صغيرة صغيرة حتى لا تكاد تملأ كفى . ولكن . . ما أعظمها . ما أشد امتناعها . رائعة شهية على فقرها . عزيزة متعالية فى تواضعها . رسم حى وتناقض مجسد
ما عسى أن يصدر منها ؟ بأى مخلوق ستتحفنى ؟ أى ملاك ، أى مسخ سينجم عنها ؟
ماذا أرى ؟ ها هى ذى فكرة فرضت نفسها قسرا . وآستلت من زحام الحلم شخصها جهدا . ها قد أخذت تتضح وتتصور
ماذا خطت يدى ؟ ما معنى هذه الرموز ؟ من همس بها الى ؟ من لقننى اياها ؟
دع عنك ! ماذا يهمك من أمرها ؟ لقد اسفرت الغاية وانفتح الطريق . فلنقتحمها اقتحاما . ولينقض القلم على الصيد هويا .
وا أسفاه ! لقد كنت أغنى ما أكون . لقد مات الوهم وانقطع السحر

