الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الصحيفة التائهة

Share

صفحة بيضاء بين يدى والقلم الرقيب .

أى لذة فى تأملها عارية " عاطلا " ولازينة الا بشرتها الغضة وجسدها العفيف ! الزاهدة الحسناء قد تعرت تبترد .

أن تديم النظر الى صفحة بيضاء وتستغرق فى تأملها . هيهات . الا أن تحبس تيار فكرك وتلجم نبع احساسك

وهل بوسعك ألا تمس زهرة الطهر وبكارة الفجر الا أن تلقى عنك هذا القلم النهم ، هذا الفحل النزق الجسور الذى يتهددها فى كل حين ، يريد ان يقطع عنك لحظة السحر ويجمد لجة الفكر المتموج المتلون فى دفقه الدائم وتجدده المتصل ؟

ألا يمكن أن تنظر اليها صورة حلما كأنك بإزاء بحر فسيح فسيح ، أو مرج يمتد بخضرته ويترامى الى اطراف الافق ؟

وتظل هكذا ساعة بعد ساعة فى لعبك المجنون وعبثك الأخرق السخيف مبهوتا أمام صفحة لاشئ فيها ؟

نعم ! ما أكرم هذا العرى وما أنبله . ما أشهى الصفاء يكاد يلمس لمسا . يصافح بصرك يصدمه صدما . يلاطفه ويعشيه بهرا .

ولكن ! ماذا وراء هذا البياض ؟

لاشئ وكل شئ . جم غفير . . حصاد وافر لا يحصى من  الامكانيات .  

انه المجهول عند بابك ، غيب غير مرتقب قد يكون هناك حذوك ، من حيث لا تشعر ، هازئا بك غير عابئ ، أو لعله يتطلع اليك متوسلا منتظرا أى حركة ، أدنى اشارة منك ليبرز ويزف نفسه اليك

صفحة بيضاء . . بارق أمل ، بسمة صامتة بليغة . جدار عنيد تتشبت به ، تريد أن تخرقه بيديك ، بأظافرك . رمز لصحو فاتر راكد . لاريح ولا شراع . لا بذر ولا لقاح . قحط مؤيس وخواء جحيم

كلا ! لاشىء من ذلك . بل هى الراقصة " فارستك " الحسناء تقول هيا ؛

هيا بنا ! هاك رقصة الكلمات تنط كالمحمومة السكرى ، تدور تتجاذب وتتدافع فى أوج لذتها القصوى

الصفحة شىء حى يتحرك ، كيف لاتحس بنبضه ، كيف لاتشعر بجوعه وصراخ الظما فيه ؟

العجين الناشف الأملس ، العجين الرصين يموت وجدا

لقد شغفت الحشرة العجين بسحرك ودسك حبا .

فلتهطل القبلات ضما وشدا . البدار . فلنغمرها لثما وعضا . ولنزدوج . هذا الجسد المسكين يختنق وحشة . . يغص ويشكو الوصال . فلننضم وجها لوجه . الجسد الى الجسد . وليطفح الاناء طفحا ويتفجر فى كل صوب . عطش الهاوية ليس له من قرار

صفحة كالجبهة العمياء . كوجه الضرير الوسيم . أعين مطبقة . أزهار خرساء مقطوعة الجناج . خصاء الحسن . وعقم الأبد . رمز حى لوجودنا . نحن عميان . أجل ، عميان . عوالم معزولة منقطعة . نتقابل ولا نلتقى . نتناظر ولا نتصل . عبثا نتراسل ونتشاير من كوة الجسد . ما ان يدرك أحدنا الآخر فعل اليائس الشامت

ينظر بعضنا الى بعض بل نتماس ولايرى الواحد منا صنوه وأخاه .

عميان . ما لم نلجأ الى سحر الكلام وخدعة الحوار . ومن يدرى ، حتى فى هذه الحال ، من يتبين الحد بين الوهم والحقيقة ، بين الصدق والكذب ؟

ما أيسر أن تتكافأ الاشياء فى أعيننا ، ما أسرع أن تتساوى وتلتبس . نحن عميان .

كلا ! لا مفر الا أن تعانق " الملهاة " وتدخل فى " الدور " . دع بهرج الألوان والاضواء يفعل فعله فيك . دع روح " اللهو " يتخللك وينفذ اليك . البس " شخصك " لبسا . وتلقف حركاتك وسكناتك لقفا . فالملقن لجوج والوقت قصير . والمأساة شبح لك بالمرصاد

صفحة بيضاء . انها مصيرك تبنيه ، تخلقه أنت بيديك خلقا . رغم المخاوف والحدود . رغم العقائد والاساطير . ستبجس ذاتك من العدم دفعا ، وستلد وجودك كما تريده فرضا . كأنك الاله ، مطلق السؤدد وتمام التصرف

الصفحة بساط سحرى يمتد الى غير غاية . " مجرة " تبهرك برمال الدر وحصى اليواقيت . سفينة تمخر عباب اللانهاية والفكرة فى اثرها ، كأنها الطائر يقتفى سيرها ، عابثا بين أزهار أمواجها

أنا والصفحة البيضاء والقلم الرقيب . ها هى ذى أمامى صبية عارية ، كالعذراء الخجول ، صغيرة صغيرة حتى لا تكاد تملأ كفى . ولكن . . ما أعظمها . ما أشد امتناعها . رائعة شهية على فقرها . عزيزة متعالية فى تواضعها . رسم حى وتناقض مجسد

ما عسى أن يصدر منها ؟ بأى مخلوق ستتحفنى ؟ أى ملاك ، أى مسخ سينجم عنها ؟

ماذا أرى ؟ ها هى ذى فكرة فرضت نفسها قسرا . وآستلت من زحام الحلم شخصها جهدا . ها قد أخذت تتضح وتتصور

ماذا خطت يدى ؟ ما معنى هذه الرموز ؟ من همس بها الى ؟ من لقننى اياها ؟

دع عنك ! ماذا يهمك من أمرها ؟ لقد اسفرت الغاية وانفتح الطريق . فلنقتحمها اقتحاما . ولينقض القلم على الصيد هويا .

وا أسفاه ! لقد كنت أغنى ما أكون . لقد مات الوهم وانقطع السحر

اشترك في نشرتنا البريدية