صرح (*) على جنباته ينهار بأس الطغاة ، ويقهر الغدار
صلب القواعد ، يا لروعة ما بني ، العزم الحديد ! وشيد الاصرار
هو صرح وحدتنا الأشم ، ودرعنا الواقي ، وحصن كياننا الجبار .
لبناته التحمت ، وجف ، لحامها وترابطت في رصها الاحجار
شبرا ، فشبرا كان سمك بنائه يغزو الفضاء فتبشر الأقمار
فى كل شبر منه قصة محنة رجفت لها الصفحات والأسفار
بهتت لها قصص البطولة ، وانثنت ترتد عن خيلائها الأشعار
وعلا البناء فكان عند نصابه وتركزت أسس ، وقر قرار
ورسا رسو الطود فهو محصن وسما سمو النجم ، فهو منار
ان تقذف الأحقاد من نيرانها فهو الجحيم ، تذوب فيه النار
وان استطارت بالعواصف غلة ونكالبت فهدوءه اعصار
مهما تجبرت القوى ، وتطاولت للفتك ، فهي قواصر وقصار
قد تنسف الدنيا ، ويبقى صامدا هذا البناء ، لأنه جبار
يا أيها المهدى عصارة عمره للغير : لامن ، ولا اشهار
الأسخياء رخيصة أموالهم لكن تعز عليهم الأعمار
منذ انفطامك قد فطمت نوازعا للنفس جامحة بها الأوطار
جاهدت نفسك فانثنت شهوائها وأطاع أمرك طبعها الأمار
كبرت وسطرت المصير لنفسها فبدت طريق ، واستبان مسار
وتملكت أقدارها فاستسلمت لطموحها ، وانصاعت الأقدار
نفس العظيم عظيمة في مهدها ونفوس اشياخ الطغام صغار
عمر كمسبحة التقى : حباتها من بين اكرم لؤلؤ تختار
السبع والسبعون في أحقابها سرج بها ظلم الزمان تنار
محصية لحظاتها ، ما أفلتت في الحصر ثانية ولا معشار
ما ضاع منها فى اللذائذ ليلة أو تاه في مرح الشباب نهار
فضميرك اليقظان يرسم خطها في السير ، لازيغ ، ولا ادبار .
عمر كحد السيف جرد للوغي والموت في ساح الوغي خطار
يخشى ، ويحذر مشرعا أو مغمدا ماضى الصفيحة ، قاطع ، بتار
جردته للخير ، ماشابته شائبة ولا علقت به أوضار
صارعت ذلا مطبقا فصرعته لاحلف ، لامدد ، ولا أنصار
قد كان حسبك ان فكرك عدة ومضاء عزمك عسكر جرار
ولقد تهد الراسيات أنامل ولقد تفت الصخرة الأظفار
يا راكب الأخطار ! هل هانت على أصحابها الأرواح ، والأعمار ؟
عجبا لقلبك ! رقة ورهافة في أحلك الأزمات لا يحتار !
الضد فيه يستقيم بضده فهما به الألآف والأجوار
قد يجمع المتناقضان بمهجة فيكون مالا تدرك الأفكار
ويكون سر العبقري ، وآية الأسرار : ألا تفهم الأسرار
يا راكب الأخطار ترغم أنفها ! ان الجرىء تهابه الأخطار
كم موعد للفاجعات ضربته وأتيته ، وجبينك استبشار
فوجدته نارا يزف زفيفها ودخلت : لا برم ولا استنكار
ياللمواعيد الرهيبة ! أنسها نار الجوى ، ومتاعها إسعار
من حمأة الغسلين يطعم ضيفها أما الشراب فعلقم ، ومرار
فى حين موعد بعضهم مقصورة يلهو بها ويعربد السمار
والغانيات يبعن من سلع الهوى بيع المزاد فترفع الأسعار
وضمائر الأحرار في غيبوبة والعود ينقر ، والكؤوس تدار
وكذاك شأن العابثين فليلهم لهو ، وسكر دائم ، وخمار
واذا أطل صباحهم فزعامة مزعومة ، ومهابة ، ووقار
أرأيت عدل الدهر في تصريفه ؟ يشقى التقاة ، ويسعد الفجار
سبحانك اللهم ! هل هي حكمة خفيت ، فما نفذت لها الابصار ؟
يا جامعا للشمل ، وهو مشتت ومكتلا للشعب ، وهو غبار
ومقيل عثرة تونس في سيرها حين المسيرة كبوة وعثار
من كان يحسب ان اشتاتا تقاسمها صراع مزمن ، و شجار
تلتف حولك مثلما تلتف حول عميدها الانساب و الاصهار
من كان يحسب ان تونس ، وهي "دوار" به متربص "دوار"
تلقي العصى وتستجيب كتائبا لما دعاها القائد المغوار
وتسير خلفك فيلقا متلاحما فإذا قلاع الغاصبين دمار
واذا فصول المسرحية تنتهى وعلى"الحماية" تسدل الاستار
هذا نضالك : مغنم ، وكرامة وأولاء قومك : سادة أحرار
ونضال غيرك : خطبة نارية و"مقولة" مسعورة ، وشعار
أرأيت قوما يبذرون لوحدة ؟ والبذر شر ، والحصاد خسار
باعوا لابليس ضمائرهم وقد اثرى الوسيط ، وأتخم السمسار
قد بيتوا في كل قطر فتنة يا شؤم ما بليت به الاقطار !
لاحكمة الحكماء ردت شرهم عنا ، ولا التحذير ، والانذار
صم : فمن ذا يستطيع حوارهم ؟ ومتى أفاد مع الاصم حوار ؟
ليكاد يضحكني النداء لوحدة الجوق طبال لها زمار
والشمل اشتات تنافر ودها ونأت بها الاضغان والاوغار
وشعوبنا تنساق صابرة على أوجاعها وسعيرها موار
تمضى سنون وهمها هو همها وتلي سنون وحالها استقرار
خلصت من الدخلاء واستعمارهم فأصابها من اهلها استعمار
لكأنها الحملان إن امنت ذئاب الغاب شد وثاقها جزار
وكأن مأساة العروبة وهي فى جبهاتنا ننكيسة وصغار
صارت مهازل كلما عرضت على ركح الفضائح صفق النظار
فلأى جمهور يقدم عرضها المزري ؟ وكيف توزع الادوار ؟
ولمن يعود الربح من صفقاتها ؟ ومن الزبائن ؟ من هم التجار ؟
هذى عروبتنا ، وهذى حالها نحو الضياع يجرها التيار
كالمركب المهجور اسلمه إلى أقداره الربان و البحار
يا كاشف الأضرار ! كم مرت على ضرر يداك فزالت الاضرار !
أرأيت بستانا تبسم للضحى ؟ وتمايست بعطائها الاشجار
وتطارحت أطياره نغم الهوى وتعانقت ونهامست أزهار
يأتيه من همج الفجاج محرب وبقبضتيه الفأس والمنشار ؟
غرته أهواء ، ووهم حالم والوهم يخدع والهوى غرار
فاذا هواه يشده بخباله وبها يصاد كما يصاد الفار
ونظل نعقد كل فصل حلقة تتلى بها الاوراد واذكار
يسعى اليها الطيبون على الهدى ويؤمها الخلصاء والابرار
ولربما ساءت نوايا بعضهم فتشابه الاخيار والاشرار
وتغيرت قيم ، وولت للورا شيم ، وحل محلها استهتار
حلو الكلام يجب كل خطيئة وعلى الجرائم تقبل الاعذار
يلتام جرح الغدر تحت ضماده لكنما تبقى له آثار
سيظل يكسو الغادرين معرة نكراء ، منها يشمئز العار
ويظل يحيا فى ضمائر شعبنا غضبا يؤجج ناره التذكار
مأساة قفصة سوف لن ننسى وإن غبر الزمان ، وبدلت أطوار .
