الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

الصفحة، الطبية

Share

عناصر الزمن في الانسان

يروى انه اجتمع عند كسرى أربعة من الحكماء ومن جنسيات مختلفة : أولهم عراقى ، وثانيهم رومى ، وثالثهم هندى ، ورابعهم بدوى . . فقال لهم : ليصف لى كل واحد منكم الدواء الذى لا داء معه . .

فقال العراقى : أن تشرب كل صباح على الفريق ثلاث جرعات من الماء الساخن .

وقال الرومى : أن تسف كل يوم قليلا من حب الرشاد .

وقال الهندى : أن تأكل كل يوم ثلاث حبات من الهليلج الاسود .

وقال البدوى ، وكان أصغرهم وأحذقهم : الماء الساخن يذيب شحم الكلى ويرخى المعدة . . وحب الرشاد يهيج الصفراء ، والهليلج الأسود يهيج السوداء . فقال له كسرى : وما تقول أنت ؟ فقال : الدواء الذي لا داء معه الا داء الموت . أن لا تأكل الا بعد الجوع . فاذا أكلت فارفع يدك قبل الشبع فأنك لا تشكو علة الا علة الموت .

فقالوا كلهم : صدق .

وأضاف البدوى : والاحتماء فى وقت الصحة خير من شرب الادوية عند المرض . .

واعلم أيها الملك أن الله خلق الدنيا ومن فيها من أربعة أشياء : من الريح ، والنار ، والتراب ، والماء ، وبيان هذه الأشياء : الحر ، والبرد ، والرطب ، واليابس ، وهى فى الجسد على أربعة أخر : مرارة صفراء ، ومرارة سوداء ، ودم ، وبلغم . أما الخليط الصفراوى وهو حار يابس فأصله متولد من عنصر النار الطبعى ، ومسكنه من الانسان المرارة ، ومسكن المرارة الرأس . والثانى خلط الدم ، وهو حار رطب متولد من عنصر الهواء الطبعى ، ومسكنه من الانسان الكبد ، والثالث خلط بلغمى ، وهو بارد رطب متولد من عنصر الماء ، ومسكنه من الانسان الرئة . والرابع خلط السوداء وهو بارد يابس أصله متولد من عنصر الارض ومسكنه من الانسان الطحال . . فالسرور من الدم ،

والحرارة من الصفراء ، والخوف للسوداء ، والحزن للبلغم . فهذه الاخلاط الاربعة بها قوام البدن وفيها صلاحه وفساده . فدواء الصفراء كل بارد رطب ، ودواء السوداء كل حار رطب ، ودواء البلغم كل حار يابس ،

ودواء الدم كل بارد يابس . فدواء كل علة بضدها . . واعلم ان الزمان أربعة أصناف : صيف ، وربيع ، وشتاء ، وخريف .

فالصيف حار يابس ، تكثر فيه الحرارة الصفراء . والخريف بارد يابس يكثر فيه السوداء . والشتاء بارد رطب يكثر فيه البلغم . والربيع حار رطب لين يكثر فيه الدم .

فاعتمد مقاومة السوداء بالثريد الدسم ، والصفراء بالاشياء الحامضة ، وقاوم البلغم بالموالح . وأما زيادة الدم ، فعلاجه الحجامة ، وأحسن أوقاتها فصل الربيع والصيف .

وزيادة خلط الصفراء ، تأتى من أكل الأغذية الصفراوية الحارة اليابسة كلحم الكبش الحولى فتنحرف الطبيعة من الجوف إلى الدماغ وببخار صفراوى غير معتدل فيحصل منه صداع فى الرأس ، وشقيقة وقلة نوم وشدة نبض العروق ، وحرارة الملمس فاذا أعدلها الانسان بضمد الاصداغ وأكل البارد الرطب مثل السكر الابيض وسمن المعزى والشعير (( السوبياء )) والقثاء والبطيخ والتمر هندى (( الحمر )) - بضم الحاء - اعتدلا سريعا .

وعلامة الصفراء : صفرة اللون والعين ومرارة الفم وجفاف اللسان ويبس المنخرين وظهور دمامل فى الرأس . . ويستلذ صاحبها بالهواء البارد . . ويكثر عطشه ويصفر لونه ويتقيا ماء أصفر ويرى فى منامه النيران ، والحريق ، والصواعق ،

والشمس المحرقة ، والحروب ، والصياح ، والصراخ ، والتهاويل ، ولا يزال مغتما ومهموما بلا سبب . واذا احترقت الصفراء صارت سوداء فاذا بدأ الانسان يحس آثار هذه الصفراء فعليه أن يتجنب أكل اللحم وشرب العسل والثوم والفلفل وكل غذاء

حريف ، وكل ما كان حارا في البطن ، وعليه أن يتغذى بكل غذاء بارد رطب كالألبان مع خميرة الذرة ، والبر ، وخميرة أى نوع كان من الحبوب . . ويتجنب الفطير والعيش ذا اللحم لانه غليظ الطبع . وعليه أن يأكل الفواكه الباردة المرطبة ، مثل الخيار ونحوه . . وقد ورد فى بعض آثار السلف : نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، واذا أكلنا لا نشبع . .

أما مسهل الصفراء فهو : خمسة دراهم من ورق السنامكى ، وينقع فى اناء من الماء يوما وليلة . . ثلاثون درهما من التمر الهندى ( الحمر )- بضم الحاء وفتح الميم- وينقع أيضا فى اناء مستقل يوما وليلة . . عشرون درهما من السكر الابيض ، ويترك فى اناء مستقل يوما وليلة . . ثم يصفى الجميع فى اناء آخر . . ويشرب الجميع على الريق فانه يستفرغ الخلط الصفراوى استفراغا محكما ، ويحتمى مما ذكرناه أولا من الاغذية الحارة ويتغذى بالاغذية الباردة كما وصفنا فانه باذن الله يشفى ( مجرب ) .

أما بقية العناصر الزمنية وأدواؤها وعلاجاتها فسفرد لها فصولا شيقة فى الإعداد القادمة بأذن الله . وهذه المعلومات الطبية القديمة اذ نقدمها دائما على سبيل العلم بالشئ ولا الجهل به ، وهى نتائج تجارب لأناس أسهموا بها فاتبعوها وشفوا . ولا تزال البادية تستعملها مع أضراب لها كثيرة من الطب الذى عالج به اسلافنا العرب من الاطباء ، ولا يزال الطب الحديث العالمى يستلهم بعض تجاربهم وآرائهم وابتكاراتهم فى عالم التجارب والعلاج .

اشترك في نشرتنا البريدية