السماء رمادية اللون وأنسام الخريف الباردة تتسلل الى جسدك النحيف من خلال النافذة المفتوحة ، وأنت جالسة ككل يوم ، تتأملين الطقس . الحياة . . هذه السماء التى بدأت تفقد جمالها ، زرقتها تدريجيا كل يوم وهذه الشمس التى بدأت تفقد شعاعها واشراقتها وتأخذ فى الذوبان تتأملين نفسك . جمالك الذي بدأ ينحدر هو أيضا الى الهاوية . الى الفناء امرأة فى الثلاثين مطلقة ، حتى ثروتك التى تغوى عقول الرجال ضاعت منك ببلاهة وحمق لا شئ معك الآن غير اليأس تقاتينه والندم تدثرين به والدموع تروى ظمأك . ماذا لو قاومت اغراء ذلك الرجل الذي تلهى بك لحقبة من الزمن ؟ وحين استويت بين يديه حطاما وأعقاب سجائر فرغ من تدخينها ، رماك وراح يبحث عن ثروة جديدة وامرأة جديدة
تتنهدين ، وتقطبين الجبين ، تذكرين أمسك الزاهى ، حاضرك التعس وغدك المجهول . تذكرين السنوات العشر التى مرت معه هدرا . كنت فى عمر الورود وكان شابا وسيما تتمناه كل فتاة بلهاء ، غبية تبهرها المظاهر البراقة والقشور الزائلة . وكنت في ذلك الحين تبحثين عن الرجل المثالى الذي يكون حبه لك غاية فى حد ذاتها . لا وسيلة للحصول على ثروة أبيك الطائلة التى ستؤول حتما لك أنت ، الابنة الوحيدة . أحببته بصدق وحين قال : " اني أحبك أحبك أنت مجردة من ثورة أبيك " أحببته اكثر من دى قبل وتزوجته . كنت غبية وبلهاء حين صدقته وصدقت كل مزاعمه وتوهمت انك وجدت الرجل المثالي . كنت جاهلة جاهلة تماما لحقيقة الرجال وبعد تجربتك الاليمة عرفت الواقع وتيقنت أن الرجل دائما يظهر عكس ما
يضمر في دخيلته للمرأة . عرفت عالم الحيوانات الغابية . وعالم الذئاب والخنازير والخرفان الوديعة
مات أبوك ، ولحقت به أمك بعد بضعة أشهر كمدا وحسرة ، وأوكلته على أموالك يتصرف فيها كما يريد . باع الكثير من ارزاقك وحولها الى رصيد بنكى باسمه الشخصى . زال اهتمامه بك وغدوت بعض متاع مهمل لا حاجة له ، وشيئا فشيئا توالت سهراته وتتالت غياباته عن البيت وكان كلما سألته عن السبب في ذلك يطبع قبلة باردة على جبينك ويجيب : " انه الشغل يا عزيزتى " ويسرع فى الخروج
كل ذلك وانت غارقة فى ثقتك العمياء ، فى سلوكه لا تشكين وأقوال الناس التى تأتيك عنه لا تصدقين ! الى أن جاء يوم انقشعت فيه الغشاوة عن عينيك لترى الحقيقة المرة . دمعات ساخنة تنحدر لتغرق وجنتيك تطبقين الجفون وتسدين اذنيك بقوة . عبثا تحاولين منع احداث ذلك اليوم المشؤوم من الارتسام أمام ناظريك . تحاولين منع ذلك الصوت الهادر من أن يطرق مسمعك مرة أخرى . تعود الاحداث ويعود الصوت والكل يستقر في الذاكرة ، فى الجفون المطبقة وفي الأذان المسدودة
يومها ذهبت الى زيارة عمتك وأعلمته بأنك ستقضين الليلة عندها . وجدت البيت مغلقا وعلمت من الجيران بأنها فى زيارة الى ابنتها التى تسكن فى إحدى الضواحي الشمالية للعاصمة . وعدت الى بيتك ، واندهشت حين لاح لك البيت مضاء وقلت في سرك : ما الذي جعله يغير عادته الليلة ! أترى هى التوبة جاءت لتعيد له صوابه " . انتابك شعور خفي ، غامض لم تجربية قبل ذلك اليوم . أحسست بأن شيئا ما سيحدث . وحين فتحت الباب لاحت لك غرفة نومك مضاءة وازدادت حيرتك ودهشتك وتقدمت خطوتين وتناهت الى سمعك ضحكات امرأة . . انتابتك نوبة جنونية . . دفعت الباب بعنف لترى مشهدا خليعا لم يكن يخطر لك فى بال . قفزت الى ذهنك فكرة الانتقام منهما ، قذفتهما بأفظع الشتائم وببعض الاثاث الذي وجدته أمامك . حاولت تمزيق شعرها المتهدل وتشويه جسدها البض الناعم فى الغلالة البيضاء تصدى لك كالوحش . . صاح فى وجهك
- هذى حياتي وأنا حر فيها واذا لم تعجبك فليذهب كل منا فى حال سبيله .
- كلب . . خنزير . . لا يحلو لك الا الماء العكر انهال عليك صفعا ، صحت بأعلى صوتك وسقطت على أرض القاعة بينما تابعث هي ارتداء ثيابها . رمقتك بنظرات ساخرة . شامتة . حاقدة واندفعت الى الخارج واندفع وراءها وسمعته يقول :
- أنا آسف يا حلوة على الذى حصل - لا داعي لذلك . انا غالطة ، وانخدعت فيك وها أنا قد جنيت ثمرة طيشى . - أرجوك لا تغضبي . زوجتى تلك سأطلقها لم تعد لى رغبة فيها سأتزوجك أنت .
ابتعدت أصواتهما وغابا في ظلمة الليل . وبقيت وحيدة شريدة ، تتجرعين الاسى والمرارة التى زخرت بها حياتك . . . طلقته وعدت الى البيت الكبير الذى شهد ولادتك . طفولتك وشبابك الغض . عدت اليه أشلاء ، عمرا ضائعا ، وحطام امرأة يائسة يائسة من كل شئ .
تناولت فنجان قهوتك التى نسيتها فى غمرة التفكير ، أفرغتها فى جوفك دفعة واحدة . كانت باردة ، باردة كالطقس كأيامك كأحاسيسك المحنطة أخيرا اقتنعت بآراء صديقتك منية تلك الفتاة المتطرفة والمتحررة التى كنت تنعتينها بالشذوذ والجنون
اقتنعت بأن الزواج صفقة خاسرة لا تجلب سوى الغم والمصائب وتأكدت من أن الرجال كالنحل همهم الوحيد التنقل من زهرة الى اخرى وامتصاص أكثر ما يمكن منها . تناولت معطفك ، لبسته وحملت حقيبتك اليدوية وانطلقت الى الشارع ، تبحثين عن شغل يوفر لك العيش الكريم

