لن ابدأ معكم بيحكى أنه . لن أقول لكم كان يا ما كان فى قديم الزمان ، وسالف العصر والاوان ، أن شابا فقير الحال ، يعمل من شروقها الى غروبها راعيا ، يرعى أغنام سيده يعيش الخصاصة ، يقتني القليل ، يمني نفسه بالكثير . وفي ليلة باردة ، كتلك الليالى التى نشهدها هنا . لم يلعب بالطين ، لم يبن القصور ، بل تمنى لو يصادف " عن قيسون " ) * ( مرة فى حياته . أو يعثر على مفتاح البيت السابع فى ليلة قمرية ، بينما تكون أصابعه تنبش التراب . ألم تقل أمك "خديجة " إن المفتاح فى حوزة جنى خرج من تحت الارض . طار بعيدا . وقد يكون القى بالمفتاح فى أرض خالية ، لا طائر فيها يطير ، ولا سائر يسير . فكر الامور تتجاوزه . لذلك عزف عن كل ذلك
هذه التعب . جمع بعض القطع الخشبية . طاف بين المقاهى . جالت عيناه تحت الكراسي والتقط بعض سدادات قوارير المشروبات ، جعلها عجلات لعربته التى شكلا لتلك القطع الخشبية . صعد العربة ، التى انطلقت بسرعة مذهلة . تجول فى شوارع البلدة ، اخترق انهجا وأزقة لم يكن يخطر بباله انه سيزورها يوما وربما حدود معرفته ببعضها تجعله لا يعتقد فى وجود غيرها . لكن ها هى الدنيا تتفتح فى عينيه : وها هى المدينة التى لم يكن يتصورها هكذا ، كما يشاهدهم الآن ، تفتح له صدرها ، وتستقبله كاحسين ما يكون : العربات تمرق من جنبيه
فى سرعة مذهلة ، فتكاد تدهس هذا او ذاك . شاحنات شخير محركاتها قد ثاق سرعتها الطبيعية ، تصم الآذان . فتقرقع الدنيا وتزلزلها ، اناس يمرون دون أن يعيروا ما يحدث من حولهم أى اهتمام . وها هو يمرق من هذا النهج و . .
كم تمنى لو يخترقه مرة فى حياته . يذكر انه أقر العزم يوما على اجتياز حدود الحومة ، التى لا يعرف غيرها لا أذكر ان كنت قد وصلت الى تنفيذ ما عقدت العزم عليه ، أم لا ، أو ان كنت قد اقتربت من ذلك . أذكر أن العصا ألبت مؤخرتى ، واحمرت عيناى من كثرة الدموع . وسال مخاطى . قرأت والدتي في عيني ، يدا تمتد تستعطفها ، تتوسل اليها ، ترجوها أن تتدخل . عندما حاولت ، كادت أن تنال ما نالنى ، فجلست ترضع أخي الصغير مغلوبة على أمرها ، وحزن فى عينيها لا يفارقنى . ولم يكن والدى شرسا الى الحد الذى تتصورونه ، فلا استطيع الهروب خارج البيت ، فى غفلة منه
قبل أن أمرق الى النهج المجانب لحومتنا ، سألني أخي الصغير أين أذهب ؟ قلت : أللاحق " عنز قيسون " وأعرف ما معنى أن أخبره بذلك . أى أن اكون على موعد مع عصا والدى ، عند المساء . كنت لا أفلت من ذلك الا اذا صاحبنى اخي الصغير فى تنفيذ مشروع ما . ودوره دائما أن يخبرنى اذا كان والدى قد علم بشئ من أمري ، فينبهني الى ذلك . وحتى اذا علم والدى بذلك ، كان يتدخل لفائدتى . كان يتمتع بحظوة كبيرة ، مرة سألني ، ان كنت سابقى طول العمر اطارد هذه العنز ؟ ! تساءلت بدورى ان كان والدى هو الآخر يطارد " عنزه " ؟ !
لا ادرى بالضبط ان كنت فعلا ألاحق هذه العنز ، أم أنها مجرد فكرة عابرة يمرق تم تغيب . أكثر من ذلك ، ليس الآن فقط ، على أنني أطارد هذه العنز الشاردة . تحصد اعشابي . فالاحقها
لم أشأ أن أحدثه أكثر ، فلقد حدثته عن هذه العنز طويلا . وكلما جلست معه على عتبة باب بيتنا ( والحقيقة أن والدتي تأمرنا بذلك . حتى تتخلص من مشاكساتنا وبالليل نلتف حولها ، فتقص علينا مغامرة جديدة من مغامرات " عنز قيسون " . وننهال فى تلهف نلتقط اللؤلؤ بتساقط ( نرقب البغال والبهائم وقطعان العنز وهي تركض نحو حنفية الماء . كنا نتواها حول أشياء
كثيرة . ربما لو سألته ، لكان مثلى هو الآخر ، لا يذكرها ، فتفلت من رأسه كما كانت تفلت العنز الشاردة ، واللؤلؤ يتساقط أمور لم نكن نعدها من قبل ، ولم نكن نهتم بها كثيرا كما يحدث اليوم .
كان لابد أن أمر بالعديد من المنعرجات . عند كل واحدة منها ، بتصبب عرق ساخن من جبيني . يبعث فى حرارة خانقة . كنت قد نسيت أن أجعل للعربة منبها ، وتفطننت الى أن الفرامل لم تكن مركبة على قاعدة وانسى فى كل مرة ، أن أحمل معى مزمارى ، والأحق هذه العنز . كانت تعشق رنة المزمار وكنت أعشق الاستماع للأؤلؤ يتساقط فى أذني لذلك ، وبالرغم من تجنبى للعديد من المنعرجات ، كانت هناك البعض منها التى لا مفر من احتيازها . وفي كل مرة ، أحمد الله على السلامة كل ما كنت أتجنبه ، أن أعود للبيت مخدشا فى وجهى او مجروحا فى ركبتى . لو حدث ذلك ، فانني سأجد نفسى مدفوعا لتلفيق بعض الحكايات . أو فى طلب النجدة من أخي الصغير ، فهو يتمتع بحظوة كبيرة . لكنه لا يقبل الا بشروط .
هذه المرة ، وكعادتى التفاؤلية دائما ، أقول بأنه آن لى أن أتحدث عن مغامراتى قبل ذلك أعانق والدى ، وفى حرارة صدره ودفئه استوحى تمردى ، وتكف ركبتاى عن الاضطراب ساعة المواجهة . كنت اتصورها حاسمة ، ولعلها كذلك
ما من شك انه كان ينتظر هاته اللحظة . لحظة ان يهرب الطفل فى اتجاه بيه . يجثو عند قدميه . فيرفعه ، يضمه بين ذراعيه ، بطبع على جبينه قبلة حارة لكنه يفر من بين ذراعيه .
هذه المرة ، سأحدث اخوتى بمغامراتى . سأرويها لهم بصوت عال . والغرض من ذلك ، ليس مجرد روايتها لهم ، بل ترك والدى يتنبه الى حكايتى . فينتشى لذلك . ويمنحنى ثقته ، وهي خطوة فى تحسين العلاقات . و
وليس ذلك فقط ، بل من حقه الآن ، أن يسعد ، ويثبت للحساد والناقمين بأنه أصبح وله معرفة ثاقبة بأسرار الدنيا والناس .
ترك العربة تسير فى بطء حتى تخالها ستتوقف بين الفينة والأخرى ارتفعت من خلفه صيحات سائقى الشاحنات والعربات ، تحمل أنواعا متعددة من الخضر ، او خليطا من الركاب كل يعيش داخل كوكبه . برسم او يجتهد فى صنع عالم به بل لعل كل واحد من هؤلاء يطارد " عنزه " . ويحلم
نظرات أحدهم تطاردني ، أو كأنها تشد خناقى ، تسحبني تحت عجلات الشاحنة ستدهسنى . . حاولت أن أمسك بشئ ثابت علنى أنجو . عربتى تنزلق فوق الطريق . كدت أصرخ ، بل ربما صرخت . حتما كنت فى لحظة ضعف قصوى لكنى واجهت كل من حولى بنظرات حادة . أردتها كذلك . ولكنها نظرات شاحبة مدقوقة فى وجه اكثر شحوبا . أخرجت لسانى وقطبت جبينى احاول أن أرسم وجه صاحب النظرات " مو... مو .... مو " ضحك . وشاهدتهم يشاركونه الضحك ما ان شاهدوا وجهى على هذا الشكل .
فهم صيحاتهم على أنها احتجاج صارخ على سبب وجوده بينهم . ابتسم . وواصل طريقه . ترك عربته تعرج قليلا الى اليمين فاسحا لهم الطريق . فكر قبل ذلك فى مشاكستهم ، وعدم الخروج جهة اليمين . لكنه عزف عن ذلك التفت يمينا ثم يسارا . رحلت عيناه . تجول بين دكاكين تصطف على جانبى الطريق . طابور طويل يمتد من اقصى النهج لينتهى عند احد الدكاكين فزحام فشتائم ، فروائح الاتربة والعرق تنبعث . ويد تخرج عن الصف ، تلتقط شيئا ملفوفا ، وتغيب وهذه مقهي عم تنتصب فى قلب النهج وقد بعثرت الكراسي هنا وهناك تحتل مساحة تفوق المساحة المرخص لها باستغلالها . وهذا صاحبها ، يجلس فى احدى الاركان يلاعب جمعا من الرواد أتوا خصيصا للتبارى معه . فيتناوبون فى ذلك . وهذا الحاج حمودة يطوف بين الكراسي ، يجمع التبرعات لانجاز مشروع ما . وهذا انت يا أبى تضع ساقا على ساق ، ويداك لا تتوقفان عن فتل الحبال . فى الطرف الآخر ، يجلس أحد الغرباء عن البلد ، حركاته وتصرفاته تشير وتثبت ذلك . يتفرس في الوجوه يتابع تحركات رواد المقهى ، ويتتبع احاديثهم
فى نفس اللحظة ، يهزهم دوى هائل ، وقرقعة اصطدام ، وشاحنة تدهسنى تقذف بي الى الجانب الآخر من النهج . حيث هرع كل من كان بالمقهى . شكلوا حولى حلقة ، سرعان ما اضمحلت ، ما ان قدم الشرطي
لكن حركة المرور قد توقفت ، فارتفعت منبهات العربات فى احتجاجها ، بينما كان ذلك الغريب يعاين الحادث ، ويسأل ، وينادى كلا باسمه ) استغربت معرفته الجيدة والدقيقة لكل أهل البلد ( يسألهم ، يعيد السؤال . سمعت أحدهم يستنجد برسول الله . آخر يلعن . وهذا الملتف فى يرنسه وقد قدم لتوه راح يسأل ويستفسر الامر ويلح فى ذلك . ) كدت انهض من بركة الدم واجمع بقايا جسدى المتناثرة ماسكا بخناقه حتى لا يعود الى الحاحه ( وشاهدتهم برشونك بالماء ، وقد أغمى عليك ما ان تيقنت أن المصاب هو أنا ابنك . ساعتها ، خرجت روحي ، طارت بعيدا . حطت على احد الاسلاك الكهربائية تراقب ما يحدث
لم يمض وقت طويل ، حتى عادت الامور الى ما كانت عليه . ودخل كل كوكبه . يتدرع بالصمت
بين الحين والحين ، يجيل ببصره فى الوجوه المتلبدة ، المتراصة حوله يجلس على فرسيه الخشبى . يضع ساقا على ساق . تلك هى عادته من سنين . اصابعه تعبث بحبات سبحته . يجابهه الصمت والاهمال واللامبالات ، لكل ما قاله . ليس الان فقط ، بل ربما من سنين طويلة ، وهو يلحظ هذا . لكن الليلة ربما كان هذا الاهمال المتعمد مثيرا للغاية . بصورة تبعث على القرف والامتعاض تيقن أنهم اكبر سنا من حكاياته .
