الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

الصمت والوجود

Share

" الصمت من ذهب " كلمة طالما رددتها الالسن ومع ذلك لم يزهد الناس فى شىء كزهدهم فى الصمت ؛ فكأن الصمت حالة غير طبيعية يضطر المرء اليها اضطرارا ، وضع قلق شاذ ادعى ما يكون الى الضيق والحرج والنفور . الصمت في ظن الكثير من الناس ظلمة وانفراد ووحشة . والكلام - تبارك الكلام ! نور وانس وبهجة .

الصمت ثق وكثافة وجمود . اما الكلام فخفة وانطلاق ورشاقة . الصمت حجاب يضرب دون البشر فترتد البصائر والابصار خاسئة كليلة ، واذا النفوس فى معزل عن بعضها قد تعطلت بينها كل حركة وتعذر كل اتصال .

كذا في الظاهر . على ان الصمت فى نظر كل مفكر متأمل او شاعر فنان حالة خلق وابداع ، وسيلة من وسائل التعبير بل لغة لا تقل عن الكلام - ان لم تفقه - بيانا وعمقا وخصبا .

قد تكون فى قاعة الدرس يوم اختبار ، وقد سكت التلاميذ ، وانهمكوا في كتابتهم ، وخيم السكون على المكان شاملا عميقا نفاذا . لا حس ولا حركة فكأن القوم فى شرود او ذهول ، او قد عرتهم بهتة لولا انفاس عميقة تتردد من حين الى حين ..

ومع ذلك فما اوثق صلة الاستاذ بالتلاميذ وما اقربهم اليه ! انه ماثل منتصب في الاذهان والنفوس ، ولو اختفى شخصه ، يحاور ويناقش ويشير ويوجه ويعترض عليه بل ويخالف عمدا ويعصى حرية وابتكارا .

هم فى نظر العين فرادى ، اشخاص شتى ، كل انصرف لشأنه وانغلق وآنطوى على نفسه ، عالما مستقلا قائما بذاته . ولكن النفوس ! اى حياة زاخرة بالخواطر والاحاسيس تدفق فيها وتصل بينها صلة الحوار والجدل والمنافسة والغلاب ؟! لا حس ولا حركة سوى رقصة الاقلام المتصلة وانين الورق الخافت المكتوم .. سوى نقر الاقلام الخفيفة الفارهة لا تنى تدغدغ الورق فيسمع له خشخشة محبة مانوسة تتلقفها نفس المدرس فى شغف وعطف كانها بشرى لحصاد وافر وغلة مباركة محمودة .

ما اروع هذا السكون وما امتعه . نابضا خفاقا كالقلب الحى ، كالقوة الكامنة كالطاقة الهائلة تهدر فى الاعماق تحت قناع من الوداعة والاحتشام . كأنه السيل الدافق او البحر المزمجر تسمعه من كثب يملا عليك نفسك ولا تراه .

وتاخذك الاريحية ويستفزك الصلف والغرور كانك بازاء معزوفة لك مبهمة اللحن ، غامضة الاتجاه . همهمة ولا شكل . رنين كالصدى البعيد ، كالهمس ولا وزن ولا ايقاع .

واذا بك وسط دائرة أنت مركز الاشعاع منها ، او جوقة تؤلف بين شتاتها وتشرف على انسجامها بسحرك المهموس وكهربائك الخفية .

ذا شأن الصمت فيما بين الانسان واخيه الانسان ، حالة الاجتماع والصحبة ، فقد يجزىء الصمت ما لا يجزىء الكلام اذ يكون صلة مباشرة عفوية حميمة بين النفوس ، جسرا وواسطة ، او عينا ورقيبا عليها من حيث لا تدرى ولا تشعر .

فاذا انصرفنا الى النفس فى مجتلاها الخاص ومحيطها الادنى ، حال الوحدة والعزلة ، فهنالك يجل امر الصمت ويعظم ، ويتأكد ويتحتم فكانه الاطار او المسرح الذى لابد منه للنفس كى تبرز من مخدعها وتعرى من استارها . كانها الحسناء المتابية المنوع صادفت فرصة تتملى فيها محاسنها على انفراد فى مأمن من عين الرقيب ، فهى تتبرج امام مرآتها تستعرض على مهل زينتها ، تنظر فى تيه الى اعطافها وتتجرد من اثوابها فاذا هي تنظر مشدوهة الى صورتها قد اسكرتها فرحة الاكتشاف لذاتها .

واذا هى تتمطى فى نشوة كسلى ، تتلمس فى شغف اعضاءها وتختبر مدى لينها واكتنازها .

مثل هذه الحسناء التياهة الصلفة تأبى الا ان تعبد ، كالالهة ، فى السر والخفاء ، دون ان تنهب الاعين المغتلمة شيئا من جمالها ، او تبتذل الانظار الوقحة بعضا من حرمتها وجلالها .

فالضوضاء تزعجها والنور الساطع يؤذيها ولن تفوز بلمحة من حسنها الا بان تتجسس عليها وتسارقها النظر فى غفلة منها .

فى قلب السكينة الشاملة ، بين امواجها الآمنة الساجية المطمئنة ترسل النفس موسيقاها التى لا تعيها الاذان بل تدركها القلوب .

وان قلبك ليشف ويلطف ويرق فاذا انت تتشرب نكهة الصمت الغريبة وسيلة اللذيذ بمسام كيانك .

اذ ذاك يشعر الانسان بانباض الحياة تملا بصداها المتجاوب ارجاء نفسه ، اذ ذاك يكتنه الحياة ويتذوقها قطرة قطرة .

نعم . وانه ليقتات بالصمت قدر ما يقتات وينتعش بالكلام والحركة . ما الفعل ؟ ما العمل ان لم يكن ينبع من التامل الصامت والفكر المركز الهادى العميق !

وهل استطاع الانسان يوما ان يسع فى فضاء الوجود ، فيبدد الظلمات ، ويهتك الحجب ، ويحيط بالعالم ويشرف عليه لولا تجمع روحه وتعاظمها واستفحالها فى هدأة التأمل ، فاذا هو ، فى سكونه الوادع واطراقه الرصين ، البطل الجبار صورة للرب قد طأطأ له الكون بأسره طاعة وانقيادا واستسلاما ؟!

اشترك في نشرتنا البريدية