الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الصمت و الاشياء

Share

قصة

مذكرات مجنون بدون ترتيب ولا تواريخ ، مجنون يبحث عن نفسه بين فوضى الاشياء وجهل المصير ...

... « دفعت الباب ودخلت.. كانت الحجرة مظلمة لان ستائر النافذة مسدولة .. حاولت ان استطلع شيئا فى الظلام ... فلم ار الا عقارب الساعة اللامعة ... تقدمت في حذر نحو النافذة وازحت الستائر ببطء فتسرب ضوء الخريف الفاتر الى الحجرة . تذكرت امي ... اين تكون الساعة ؟؟ ربما تظن اننى ذهبت لزيارة عمى كما اخبرتها بذلك البارحة ؟ ؟... توجهت الى غرفة نوم امى ... فتحت الباب وفجأة احست بحركة ... اشعات النور ... كانت امى على السرير مرتدية بدلتها الحريرية التى لم تمسها منذ وفاة ابي ... وبحذوها رجل . رجل مستلق ، نصف عار . أزعج الموقف امى فأرسلت آهة لفت على صدرها بالملحفة . اما الرجل فقد قام متثاقلا وهو لا يفارقنى بصره وارتدى سروال وكاد يخرج حاف القدمين لولا انه تفطن الى حذائه الذي تناوله وغادر الغرفة دون التفات.. . اما انا فقد جلست على اريكة غرف النوم الوحيدة التى كان ابي يضع عليها معطفه قبل النوم ... جلست انظر الى امى التى اسدلت رأسها وراحت تجهش بالبكاء ... اخرجت سيجارة اشعلتها واخذت اتأمل دخانها المتصاعد في ارجاء الغرفة . كانت امى تبكى بصوت مختنق متكلف . قمت ببطء وجلست بجانبها على السرير ثم وضعت يدى على كتفيها . لم تنقطع عن البكاء . تكلمت بصوت ضعيف :

- لماذا تبكين ؟ ؟ . ماذا حصل بيننا ؟؟ ...

انقطعت عن البكاء وحدقت إلى وجهي فى حيرة وقلق ... وظهرت لى عيناها محمرتين وتقاسيم وجهها المبكة بالدمع كأغوار فى جذع شجرة ... مددت يدى واخذت امسح دموعها بأطراف اصابعي ... قالت:

- لاشك اني حطمت سعادتك ياولدى ...

... ولم اجبها ... تركتها تشرح موقفها ...تبرره . وقمت من حذوها لازيح ستائر النافذة واتأمل الشارع المقابل لبيتنا ... كان الشارع فى هذا المساء ككل آخر يوم من الاسبوع غاصا بالمارة . وكان العجوز اليهودى لا يزال جالسا امام دكانه ، يصارع النحاس ، وبجانبه زوجه الضخمة البطن مشتغلة بمداعبة قطها الذى لا يتمالك من حين الى آخر عن تقبيلها بلسانه... وعدت انظر الى امى التى كفت عن البكاء واخذت تشخر دون كلام ... وعندما احست بنظراتى المصوبة اليها قالت:

- اظنك تفهم موقفي اكثر من اي انسان آخر . . عشر سنوات مرت... عشر سنوات ولم ار حتى في حياتى الزوجية طعما للسعادة...

وتدفقت الدموع من عينيها من جديد ... وجلست انا قبالتها ... كانت امى تحبني كثيرا ... كانت تعطف على من يوم ولادتي الى ان توفى ابي ... ولكنى احسست من يوم ان بقيت وحيدا معها احسست بقلقها من وجودى ... فكأنى اصبحت الحاجز الذي يمنعها من اخذ نصيبها من الحياة . لم يتقدم رجل الى طلب الزواج من امى رغم ان ابى كان ذا صيت وذا شأن على الاقل فى حارتنا . فقد كان ضابطا بالجيش تلمع نجمتان ذهبيتان على كتفي بدلته العسكرية . وكنت دائما اففكر فى مصيرها . فاني احس عليها واسعى الى اسعادها . كانت ملامح شبابها تظهر على وجهها رغم القسمات... حاولت ان ارد على كلامها ولكنها كانت تنطق بحيوية واندفاع... وحين انهت كلامها قلت لها :

- ماذا فعلت لك ؟؟ ... هل ثرت في وجهك ؟؟ ... انا اعرف موقفك وافهم ما ستقولينه ولهذا يكفيني شرحا ... هل اعددت لي شيئا من الطعام لانى احس بامعائى تتمزق جوعا . صوب امى نظراتها الحادة الى وجهى.. وساد بيننا صمت عميق واخيرا قمت واخذت اربت على كتفيها قائلا:

- لا بأس ... لا تفكرى كثيرا ... هذا لا يهمني... وقامت امي متخاذلة وارتدت فستانها ثم خرجت متثاقلة ... وخطر لي ان استوقفها عند الباب ... ففعلت ... وسألتها :

- نسيت ان اقول لك من هو ذلك الرجل ؟؟... وهمهمت امي بكلام لم افهمه . ..ثم سكتت لتقول بعد لحظة من التفكير :

الخباز ... انه خباز الحي ... وخرجت مسرعة...»

« ...منذ ساعة وانا جالس هنا . لم ادر ماذا انتظر ... كان الطقس باردا وكان الضباب قد بدأ يغمر الحديقة شيئا فشيئا ... لاحظت اني الوحيد لا ازال قابعا بالحديقة حتى هذه الساعة . تذكرت سعاد عندما مرت بقربي فتاة تضاحك رفيقها . لم اتذكر متى قابلتها آخر مرة . وفكرت في ان اذهب لمقابلتها . . اين تكون فى مثل هذا الوقت ؟ ؟ اتكون نائمة مع احد الرجال ام فى الحانة التى اعتادت الجلوس فيها عند المساء لتتحصل على زبون او اكثر ؟ ؟... قفزت من مكاني واخذت ابحث عنها . كان البرد يلسع جسدى من حين لاخر . تلهيت بالنظر الى المارة وموكب الحافلات التى لا تنفك فى المساء تعطل حركة المرور . وصلت الى الحانة ودخلتها . كان دخان السجائر يملأ الحانة الغاصة بالفارين من المأساة . بحثت عن سعاد فلم اجدها .. خطر لى ان اجلس واتناول شيئا من الخمر لاخفف من وطأة البرد . طلبت من الجرسون ذلك . ورحت اتصفح دفتر مذكراتى الصغير الذي لا يفارق جيب سترتى . واحسست بيد باردة توضع على كتفي رفعت رأسى فوجدت سعاد تنظر الى مبتسمة ... وسألتني :

- اين كنت طيلة اسبوع ؟ ؟ ... ماذا جرى لك؟ ؟..

اامرتها بأن تجلس ... ففعلت ... واخذت اتأملها . كان المعطف الاخضر والقبعة الخضراء لا يزالان يحتضنان جسمها . سألتها مبتسما :

- أتكونين فى رحلة الى الجنة ؛ ؟ ؟ قهقهت سعاد مليا ومسكت بيدى لتضغطها وقالت مداعبة :

بل في اجازة من جهنم...

جلب الجرسون الينا الخمر ... قدمت كأسا لسعاد واخذنا نشرب... وعادت سعاد تسألنى من جديد عن سر اختفائى . اجبتها :

- اردت ان استريح فترة من الزمن ... مجرد خاطر فقط ...

- وهل نسيت وجوب احترام اوقات العمل ؟؟.. . انسيت انك مجرد موظف بشركة تأمين ؟؟.. .

علقت على كلامها :

- ارجوك . لست في حاجة الى درس اخلاقي ... لقد احسست بالحاجة الى الراحة وكفى ... اليس من حقى التمتع بذلك ؟؟..

- ومن حق المدير ان يطردك ...

- ليطردنى اذا اراد ذلك ... وعلى كل فسوف لن اعود الى العمل الا اذا قررت العودة ...

سكتت سعاد وغرقت في التفكير ... وخيل الي انها تحاول ادراك سري... وتكلمت بعد تردد :

- لست ادرى ماذا حل بك ... لقد وجدت الظروف الملائمة للحياة اكثر مني.. لكن ترفضها ... ترفضها بهذا الهدود...

سكت ... كان كلامها يقع فى اذنى كالصوت المتلاشى البعيد ... واحسست فجاة وانا اعيد النظر الى قبعتها الخضراء بشعور جارف يدفعني الى ضمها الى ولكنني امسكت بيديها . فأحسست بحرارة جسدها تسرى في عروقي ... وسألتها :

- اتحبنني يا سعاد ؟؟.. . اجابت وهي تحدق الى وجهى:

- وهل تشك في هذا ؟؟.. . الم اقسم لك رغم معاشرتى للرجال اني لا احب غيرك ؟ ؟...

كانت نبراتها متدفقة على شفتيها ، تحمل الى قلبي الدفء والشعور

بالراحة العميقة . . . كانت سعاد في هاته اللحظة تملأ وجودي حياة . . . كانت تغدي صمتي . . . تشتت حزني . . . لا يهمني من تكون وكيف تعيش وعلى سرير من كانت . . . انها تحبني . . . واقاسمها نفس الشعور . . . ومزق كلامها شرودي :

- لماذا سألتنى عن هذا ؟ ؟ . . .

ابتسمت مجيبا : - تصوري ماذا سأكون لو تتركينني وحدي ذات يوم . . . تصوري . . . انني افل الانتحار . . .

وعاد الصمت يملأ جونا . . . كانت سعاد تنظر الي . . . ورأيت عينيها تغرورقان بالدموع واجفانها ترتعش . . . ضغطت على يدي واسندت رأسها على صدري . . . وبدأنا نحلم . . . نحلم . . . وما شعرت بها الا وهي تتصفح وريقات دفتري . . . قلت :

- انها مجرد ذكريات . . . مجرد ماض لن يعود . . . قرأت بصوت خافت :

(( لا جديد في حياتي اليوم الا المزيد من القلق . . . اني اتلذذ القلق . . . ))

واغلقت الدفتر لتسألني : - اظنك غير قلق بصحبتى ؟ ؟ . . .

وعدت لاتأملها من جديد . . . ومشينا طويلا ذلك المساء . . . وحدثتني سعاد عن ضرورة الزواج بها لتكف عن مهنتها غير شريفة وتعيش لي . . . وانصت اليها في صمت . . . ولم اجبها . . . ))

(( . . . بقيت انتظر . . . كان المكتب الذي ادخلت اليه غير منظم تماما . . . طاولة في عرضه . . . وراءها كرسي ، اوراق مرصفة على رفوف ودفاتر مغلفة حذوها . . . مقاعد مصففة بجانبي . . . هاتف على الطاولة . . . صور لرجال السياسة على الحائط . . . غاضني هذا التنظيم للأشياء . . . هذا التكلف . . . وفكرت لو كنت مكان هذا العجوز المنهمك في الكتابة التى تقطعها المكالمات الهاتفية

من حين  لآخر لو كنت مكانه لغيرت هذا التنظيم الذي ينثر الحمى في عروقي . . . اضع الطاولة على حافة النافذة لتتدلى كتدلى الامل عند الخيبة واضع كرسيا تحتها على اكداس الورق واذا اردت الكتابة فانني ارفع راسي الى الطاولة واكتب . . . اكتب . . . فأشعر بلذة الصاعد الى قمة الجبل ، حيث يمتلك منه الإشراف . . .

. . . واما هاته الدفاتر فأضعها امام الباب ليدوسها كل من يدخل ويحس برتابة الورق تحت قدميه عوض هذا الجليز الصلب . . . وهاته الصور . . . هاته الصور . . .

كنت غارقا في تأملي حين لفتت انتباهي ضربة على الطاولة التي امامي . . . نظرت الى الشيخ فوجدته يحدق الي بشدة . . . نزع نظاراته ليفرك عينيه مليا ويعيدها وينظر الي من جديد . . . كان منظره مضحكا جدا . . . فهو كالقط الذي يتثاءب عند الصباح . . . ووددت ان اضحك . . . افرغ بطني من الضحك . . . ابتسمت . . . فزاد الشيخ غضبا . . . ثم صاح :

- احضرتك المتسكع . . .

لم افهم لماذا دعاني بهذا الإسم . . . تمنيت السكوت . . . لكن اجبت ببرودة لارضي الحاحه :

- ماذا تقصد بقولك ؟ ؟ . . . اعاد الشيخ فرك عينيه وتثاءب ثم ضرب على الطاولة ، فرقص الهاتف ، وقال :

- لم تفهم . . . لم تفهم لماذا تنام ليلا بحديقة عمومية ؟ ؟ ! . . . وتفطنت الى سبب حضورى هنا . . . ووجدت نفسي في حرج . . . ماذا يريد مني هذا الشيخ ؟ ؟ . . . لقد نمت بالحديقة البارحة لاني كنت في حاجة الى دفء ليالي الصيف . . . وها هو يتدخل في شؤوني . . . ماذا يريد مني ؟ ؟ . . . ماذا فعلت له ؟ ؟ . . . اجبت :

- لا ارى مانعا من ذلك ! اظن انني لم افسد شيئا في الحديقة ؟ ؟ . . . وثارت ثائرة الشيخ وتشنجت عروقه ورفع من صوته مهددا :

- ذلك ادهى وامر . . . الا تعرف ان النوم بالحدائق العمومية محجر بالليل ؟ ؟ . . .

أجبت : - لا افهم لماذا هو محرم ؟ ؟ . . .

وسكت الشيخ عن الكلام وهو يحدق الى ثم نادى شخصا ، فدخل شرطي ، وامره مشيرا الي :

- ثلاثة ايام سجنا لصاحبنا الذى لا يعرف معنى القانون !

ادخلت الى السجن ، كان غرفة ضيقة ، لها كوة يتسرب منها بصيص من نور ، وسرير مشدود الى الحائط ما عليه الاملحفة متسخة . . . وكانت الجدران مخططة ، مزخرفة برسوم وارقام واشكال وصور لنساء عاريات . . . كان الجو ممتعا . . . واحسست بالراحة العميقة عندما اغلق الباب وغرقت في الظلام . . . واخذت اتأمل الاشكال المتعانقة المتشابكة وخيل الي انها تعبر عن عالم آخر . . . عن اشباح ترقص . . . عن افكار غامضة . . . واخذت احلم . . . احلم . . . ))

(( . . . دخلت الحانة وكنت احس بكدر وقلق . جلست كعادتي في زاوية وامرت الجرسون باحضار شيء من الخمر . . . كانت الحانة تعج بالناس ويملأ جوها دخان السجاير . . . جلست افكر فيما سأقوله لامى هاته الليلة التي الحت علي بأن ابحث عن شغل . . . نظرت الى الركن المقابل من الحانة ورايت امرأة بمعطف اخضر وقبعة خضراء . . . كانت تبحث عن شيء داخل حقيبة يدها . . . وكأنها أحست بنظراتي اليها فرفعت بصرها . . . وابتسمت مضطربة . . . وعادت تبحث من جديد . . . لم اكف عن النظر اليها . . . كانت ملامحها جميلة جدا ولم ادر ماذا جلب اهتمامي اليها . . . رفعت بصرها الي من جديد واخذت تنظر الي . . . بقينا هكذا ينظر الواحد الى الاخر في صمت . . . وخيل الي انها تعرفني . . . بل لي معها علاقة متينة . . . قمت من مكاني واتجهت اليها وجلست امامها مستأذنا . . . ابتسمت ولم تجب . . . وبقينا ينظر الواحد الى الآخر . . . تكلمت :

- كأننا على موعد . . .

اجابت : - وكأن علاقة كبيرة تجمع بيننا . . . - لماذا جئت هنا ؟ ؟ . . . - خطر لي ذلك . . . - وانا ايضا . . . - اين كنت قبل هاته اللحظة ؟ ؟ . . . - كنت ابحث عنك . . . - وكنت ابحث عنك . . . - يا له من قدر ! - انه مجرد لقاء ! - انك الرجل الذي ابحث عنه . . . - وانت المرأة التي ابحث عنها . . .  - ما اسمك ؟ - عادل . . . وما اسمك ؟ ؟ . . . - سعاد . . .

وضمنا السكوت . . . كانت تبتسم وكنت ابتسم ، كانت غارقة فى خضرة لباسها وكنت غارقا فى نشوتى . . . ودام الصوت دقائق ثم تكلمت :

- اجئت تستريح بعد العمل ؟ ؟ . . . - مع الاسف ليس لي عمل . . . ربما انت . . . - انا موظفة بشركة تأمين . . . لقد ادركت من أول نظرة اليك انك

رجل عامل ، كادح جدا . . . ولكن خاب ظنى . . .

- المهم انني راض على حالي . . . - فهمت ، فهمت جدا . . .

حدثتني سعاد ذلك المساء عن حياتها . . . وفكرت في ان تتحصل على عمل لي يضمن حياتي . لم اعارضها في ذلك . وتجولنا حتى ساعة متأخرة من الليل . . . وبعد ان دامت علاقتنا شهرا تمكنت من ايجاد عمل في شركة التأمين . . . ولكن اطردت سعاد لخلاف مع المدير . . . ))

(( . . . رميت بالمحفظة ! انكارا لما عرضته علي امي . وانطلقت اقفز متجها الى المقهى التي ارشدتني اليها امي . . . وعندما وصلت الى المقهى بحثت عن ابي . . . فلم اجده . . . عدت اقفز كعادتي وفي طريقي مررت بحديقة عمومية فخطر لي ان اقضي بعض الوقت في اللعب على العشب . . . وحين اخذت ابحث عن مكان خال من حراس الحديقة رأيت ابي فجأة . . . كان جالسا على مقعد وبجانبه امرأة . . . كان قد وضع يده على كتفها واسندت هي رأسها على كتفه . . . لم اعرف المرأة . . . وتذكرت امي التي الحت علي للبحث عن ابي والإتصال به وجلبه الى البيت . . . ايمكن ان احكي لها ما رأيته ؟ ؟ . . . ومن تكون هذه المرأة ؟ . . . اهي عمتي التي طالما حدثتني عنها ؟ ؟ . . . واقتربت من ابي والمرأة . . . واندهش ابي لوجودي ومسك بيدي غضبا قائلا :

- من اتى بك الى هنا ؟ ؟ . . .

ولاول مرة خفت من هذا الرجل الذي احبه كثيرا . . . كان الحقد يظهر على قسمات وجهه وفي نبرات صوته الحادة . . . والتفت الى المرأة . . . كانت وديعة ، هادئة ، لم يتحرك لها ساكن ، ترمقني بحنان وعطف . . . بكيت فأمسكت بيدي واخذت تمسح دموعي حتى هدأت . . . وسألت ابي :

- اهذه عمتي ؟ ؟ . . .

وابتسمت المرأة ولكن ابى لم ينبس بحرف . . . ثم قال :

- نعم . . . هي عمتك . . . لا تذكر هذا لامك وسأشتري لك بدلة جديدة . . . اعلمت ابي بما امرتني به امي . . . فودع المرأة وعدنا الى البيت . . . كان ابي صامتا طول الطريق ، غارقا في التفكير . . . ولست ادري ما جرى ذلك اليوم بين امي وابى . . . فقد علا الضجيج والصياح وفزع الجيران يطلون من النوافذ . . . وعندما خرج ابي ووجدني ارتعد متعلقا بالباب حدجني بنظرة شرسة وبزق على وجهي وخرج . . . وبعد شهر فقط . . . بعد شهر علمت فجأة ان ابي مات اثر سكتة قلبية كما شاع في اسرتنا . . .

- لماذا لا تتكلم ؟ ؟ . . . - اني تعب . . . لا اقدر على الكلام . . . - هل زرت امك اليوم ؟ ؟ . . . - ذهبت ثلاث مرات فلم اجدها . . . لست ادري اين حملها الشيطان هاته المرة . . .

ـ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

- انها لا تقدر على مقابلتي ياسعاد . . . لقد اصبحت تتعاطى الخمر وتسهر حتى الصباح . . .

- كان من واجبها ان تعتني بك . . . - . . . لا اظن . . . انني لا اقبل منها ذلك . . . كل ما ارجوه منها هي ان تتركني اعيش كما اريد . . .

- . . . لقد تسببت في تعطيل حياتك رغم كل شيء . . . - اننا لا يمكن ان نحقق كل آمالنا ياسعاد . . . اتتصورين ماذا كنت انوي ان اكون ؟ ؟ . . .

- طبيبا ! ! . . . - لا . . . بعيد عن هذا كل البعد . . . رسام . . . رسام . . . وها اني فقدت تلك الرغبة . . . بل اصبحت امقت الرسم لانه طلاء . . . طلاء . . . خداع ونفاق . . .

- انك فنان رغم كل شيء . . . )) (( . . . البحر . . . البحر . . .  البحر . . . البحر . . . البحر . . . البحر . . . البحر . . . البحر . . .  البحر . . . ))

(( . . . احسست بتعب شديد . . . شل التعب رجلي . . . سرت الحمى في عروقي . . . واصبحت درجات المدرج وخزا مؤلما لجسدي . . . كنت قد قضيت فترة طويلة في التجول . . . وتذكرت امي فرايت ان ازورها في

هاته الساعة المتأخرة من الليل . . . كان لي مفتاح للباب . . . فتحت الباب فوجهتني ظلمة الغرفة الحالكة . . . اشعلت النور فلاحت لي الغرفة غارقة . . . في حزن عميق . . . عميق . . . وخطر لي ان اجري نحو غرفة نوم امي جريت وفتحت الباب على مصراعيه : امي . . . امي كانت مستلقاة وسط الحجرة ، شبه عارية ، يحيط بها الدم من كل جانب ، انحنيت وضممت صدر امي الملطخ بالدم . . . كان صدرها لاول مرة باردا كالصخرة . . . دفعت جسد امي بعيدا عني والدم ملطخ بصدري ويدي . . . ووقفت اتأمل صامتا جثمان امي . . . ثم اندفعت خارجا . . . اجري . . . اجري . . . جريت في الشارع المقفر ، ركضت كالمجنون . . . واتجهت نحو البحر . . . فلفحتني برودة الشاطئ القارسة . . . اخذت اجري على حافة الشاطئ ودم امي ملطخ على صدري . . . وحين سقطت لم افتح عيني . . . لم افتحها الا على نافذة ضيقة وضياء خافت متسرب من شقوقها . . . ناديت :

سعاد . . . سعاد . . . لم تأت سعاد . . . ))

(( . . . كانت الغرفة التي ادخلت اليها فسيحة الارجاء ، في وسطها سرير وطاولة عليها اسطوانات وقوارير مرصفة . . . اغلق الطبيب الباب خلفى بعدما تبعته الممرضة ، ووجدت نفسي وجها لوجه مع الصمت . . . وتحركت . . . مددت يدي نحو الاسطوانات واخذت اقذف بها من النافذة , اما السرير فقد فككت اجزاءه وكدسته باحد الاركان وجلست على الجليز البارد . . . وغمرتني سعادة لا مثيل لها وانا ارى نور الشمس يغمر الحجرة ويبعث الدفء والحياة في المكان . . . ونمت تلك الليلة على الجليز . . .

اشترك في نشرتنا البريدية