الصهاريج الثلاثة هي أول ما يظهر من القرية . نصبت على المرتفعات برؤوس مستديرة ضخمة من الصفيح اللماع فى شبه مثلث ، تغطيها عواصف الزوابع التى تنطلق في فصل الخريف . لكنها تتعالى دوما ، وتتحرر كلما كانت الشمس وضيئة
الوافدون من الدواوير وراء الجبل يستهدون للقرية بصهاريج الصفيح . والطيور العطشى التى تفد من أعالي الجبال لا تنى محومة باجنحتها تلوب حول رؤوس الصهاريج ترتوى بالوهم من خرير المياه الذى يصاعد فى مواسيرها
فى الشتاء يغفل القوم الصهاريج ، لكنهم في الصيف يزدادون تعلقا بها ، يصحون فى الصباح على انقباض الحنفيات تقتر قطراتها فى اسطالهم ، فيرفعون أكفا ضارعة يستسقون . ويتذكرون أنه الصيف .
منذ عشرات السنين ، عرفت القرية هذه الصهاريج الثلاثة : الأبناء لم يسألوا آباءهم في أمرها . والآباء لم يسألوا الأجداد وتتعدد الخرافات والأساطير عن مهندسين اغراب ضلوا طريقهم في التاريخ البعيد ، وهم يقومون بمسح جغرافي فوقعوا بين أيدى العشائر فاكرموهم . واراد المهندسون أن يكافئوا هؤلاء فمكثوا بضعة أشهر بينهم وبنوا تلكم الصهاريج التى استلفتت نظر العابرين بتلك الطرق وأغرتهم بالاستقرار
ومهما يكن فإن الذى يتناقله القوم بتقدير بالغ هو الوصايا المتوارثه التى تحث جميعها على الحفاظ بكل الوسائل عن تلكم الصهاريج ، بعد أن سدمت الآبار . وشح ماء المطر ، وتبخرت برك المياه فى شعاب الجبال
ومظاهر الوفاء والتكريم التى لاقتها الصهاريج تند عن الحصر : تحتها كانت توقد النيران ليلة بأكملها كل سنة ، وتنحر الجزور ، وتبسط قصاع الطعام . وفي المناسبات الجليلة تخرج العجائز بكوانين الفحم والمباخر
وبين العشائر جرت خصومات شتى ، خربت ديار وعروش ، إلا أن هذه الخصومات لم تمتد بحال إلى الصهاريج ، وأصيبت القرية بعديد الكوارث . ومع شدة ما كان يحصل فإن الصهاريج ظلت بمنأى عن الكوارث حتى أن بعضهم لج في الاعتقاد بأن هناك قوى خفية تسهر على حماية الصهاريج
الصهاريج الثلاثة ترفع اليوم رؤوسها فى اكتئاب ، يخيل لمن يدقق النظر في هيئتها أنها تتأهب للانطلاق نحو الفضاء ، فقد قل ماؤها واستطالت أعناقها وبدا عليها الهزال
والقوم منذ أن حل فصل الصيف وبدت الحنفيات دامعة شحيحة البذل ، أصبحت الصهاريج شغلهم الشاغل
على المنابر كان الأئمة يجأرون بالدعاء أن يرفع المولى عليهم مخاوف ما يهددهم من العطش والرجال آخذوا فى التوافد على عمدة القرية ليدبر الأمر . وامتلأ الدكان الوحيد الذى يشتمل جزء
منه على مركز البريد بأولئك الذين وضعوا آمالهم وراهنوا انهم بمجرد ان يتصلوا بالسلطات العليا فى العاصمة سوف لن تخيب رجاءهم فى ارسال من يتبين علة نضوب الماء في فصل الصيف
وتتبدد كل هذه الآمال لأن الحكومة لا تأبه لهم كعادتها ، ولأن صلوات الاستسقاء والدعاء على المنابر لم يسفرا إلا عن المزيد من غيضان الماء والعطش
الصهاريج الثلاثة تزيد الان تباعدا وتنحل أعناقها بين يوم واخر وامسى الناس ينتظرون اللحظات التى يفتحون فيها اعينهم ليروا الكارثة الحقيقية
كثر رواة الأحلام الذين شاهدوا الصهاريج تعرج إلى الفضاء . وروى البعض أنه رأى هذه الصهاريج وقد أصبحت في حجم نبات الفقاع ، أقزاما صغيرة ضامرة رخوة فقدت لمعانها فى الشمس
سجلوا كل هذه الرؤى فى شكاية أمهرها العمدة بخاتمه ، ووجهوها إلى رئيس الحكومة واصفين حالهم والكارثة المنتظرة وترقبوا الاجابة أسبوعا باكمله كانوا يسافرون خلاله كل يوم إلى البلدة المجاورة حيث مركز البريد يتطلعون إلى رد فما وصل إليهم شئ مما أملوه
بينهم وبين العطش لم يبق شئ ، عين القرية الوحيدة تقف منهم ولاول مرة هذا الموقف الغريب ، تحلقوا حولها وتدافعوا بالمناكب كعادتهم ليفوزوا بالقطرات القليلة التى دأبت في الأيام الأخيرة على التكرم عليهم بها . لكنها ظلت واجمة فاغرة الفم .
قاسية الملامح . ولمح أحدهم دمعتين في عيني صبى على وشك أن تفلتا إلى الأرض فعرض كفه ليعيدهما إلى محجريه . الأمهات اللآئى كن يشاهدن الصغار بحاجة إلى جرعة ماء يرضعن ما تبقى من الحليب فى أثدائهن ليقاسمن أطفال القرية المصة الوحيدة . الرجال لم يذهبوا إلى أعمالهم سوق القرية امتلأت بهم زرافات ، خرجوا إلى الجبل بالقرب والاسطال والمواعين يفتشون عن برك المياه القديمة والينابيع الغائرة
وفى المساء حين تأكد بما لا يدع مجالا للشك بأن الصهاريج يابسة ، نادى منادى القرية ودقت طبول الفزع : . وهرع من تبقى من الرجال والأطفال والنساء خرجوا جميعا حفاة عراة وقد حملوا أوانى المياه وسار على رأس القافلة العمدة وإمام المسجد يبتعدا بالناس عن القرية إلى الخلاء ، ويقضى الأهالى ليلتهم متضامنين حتى إذا كان هناك بينهم من أضر العطش به ، فلا أقل من أن يسعف أو يموت على مشهد من الجميع ، فيتعلم الناس الصبر على المكاره التى سوف تزيد بينهم
فى الليلة الأولى نكبت القرية في ثلاثة من الرضع ، وعاد بعض الرجال من رحلتهم إلى الجبل منهكى القوى خائرى العزائم ، يبست حلوقهم وقربهم وآرهقهم المشي والسهر
اقترح العمدة أن تهيأ المدافن بسرعة قبل أن يفقد الناس القدرة على عمل أى شئ ، واقترح الامام أن تقتلع هذه الصهاريج ويتبين ما إذا كانت ما تزال بعض القطرات عالقة بها . لكن أحدا لم يتحمس لكلا الاقتراحين : فهم لا يريدون تصور الموت ويخشون
أن يخدشوا بشئ وصية آبائهم في النظر إلى الصهاريج نظرة إجلال وتقديس
الصهاريج الثلاثة تشمخ الآن ، تطول أعناقها ، تسطع الشمس حادة عليها كالإبر . لقد أصبحت رؤوسها بعيدا عن متناول الأعين . وفقدت القرية العشرات من أبنائها وجلس الإمام للموعظة ، وجلس العمدة يلخص في رسالة مطولة إلى السلطات ما حل بمواطنيه . ولم يبق من الأفواج التى خرجت تبحث عن الماء إلا فوج واحد تعلقت به آمال كل الذين ما زالوا على قيد الحياة إنهم يعيشون الآن على وهم أن يعود
ولم يطل الانتظار طويلا إذ ما عتم أن عاد راعي القرية رافعا لحفته البيضاء في رأس عصاته يلوح من بعيد وكأنما لينتشل القرية من وهدة اليأس . عرف الناس صوته حين أخذ ينادى بأبناء القرية ، وهبوا مندفعين نحوه لكنهم خذلوا حين رأوا انه لا يحمل لهم شيئا ، غير أنه عرف كيف يعيد الثقة إلى النفوس باعلانه أنه عثر على مسرب يؤدى إلى مغارة قديمة كانت كل شعاب الجبال المجاورة تصب فيها ، وانه طالما سقي منها غنمه وان الفوج الذي صاحبه إلى المغارة بدأ يجوس المسالك داخلها .
تبعه على الأثر كل الرجال الذين بقى فيهم رمق من جهد . مشوا خلفه إلى أن وصلوا باب المغارة فاقتحمها الأول ثم الثاني إلى أن دخل جميعهم وعاد الراعي مرة أخرى ليقود وفدا آخر
وفي اليوم الثالث استفاق الناس على المياه تتفجر بعنف وتطير رؤوس الصهاريج فبقيت اعناقها فى شبه نافورات . كان الماء
يتدفق منها وينزل من المرتفعات ليلتقى فى شبه بحيرة عند عين القرية الوحيدة ثم يغور متدافعا من جديد
خاف الناس بادىء الأمر من فيضان متوقع ، لكنهم رأوا أن الأشياء تسير وفق نظام بديع الماء سرعان ما يتبدد ويغور فى الارض والنافورات دائمة التدفق . شربوا من النافورات الثلاثة فتبين لهم أن مذاق كل نافورة يختلف عن الأخرى وأن طعم واحدة غازى والأخرى ماء قراح ، والثالثة لها مذاق مشبع بالملوحة مع قدر من الحرارة
بقى عليهم أن ينتظروا آفواج العائدين ليقيموا احتفالات خاصة بهذه المناسبة . ومر اليومان الاول والثاني وبدا القلق فى اليوم الثالث يستولى على النفوس . فالراعي الذي يعرف المكان لم يعد ليدلهم عليه ، والشيوخ والأطفال أعجز من أن يستطيعوا تسلق الجبال ولما عيل الاصطبار قرر النسوة الخروج بأنفسهن إلى الشعاب القريبة ، فقصدن الجبل ومشين طويلا في شعابه وكن يزغردن ليسمعن بعولهن الاشارات . الجبل صامد واهن الأصداء وأصوات النافورات الشديدة التدفق طغت على كل صوت عداها . كانت كل مواقع الجبل تعيد أصداء الخرير لحنا متعدد الطبقات
وعادت النسوة يجررن خيبتهن وجلس الإمام يضرع كعادته ، أما العمدة فكتب إلى السلطات العليا بالعاصمة التى لا ترد على مكاتيبه واصفا ما من به المولى على قريته من معجزات ، والنفوس الكسيرة التى عكر صفوها غيبة الرجال الذين لم يعودوا بعد
ولأول مرة استجابت السلطات لمكتوب العمدة ، وأرسل
رئيس الحكومة بعثة من المهندسين حملت إليه تقريرا عاجلا بالأمر . . قرر على اثره أن يقف رئيس الحكومة بنفسه على غرابة هذا الوضع
وكان يوم زيارته يوما مشهودا آمل فيه السكان ان يكون يوم عودة أبناء القرية إلى أهليهم ، فرئيس الحكومة هو الذي يملك السلطات الواسعة ليفعل ما يشاء ضمن حدود بلاده وآسفرت زيارته بالفعل عن أمرين : الأمر الأول ارسال دورية من رجال الأمن لتجوب الجبال . وقد فعلت ذلك دونما طائل أما الامر الثاني فهو قرار الحكومة بأن تحال هذه القرية برمتها إلى ادارة السياحة واجلاء السكان عنها فى أقرب الآجال
لم ينتظر الأمر الثاني كي يدخل حيز التنفيذ طويلا ، ذلك أن الجادلات والرافعات كانت قد أطلت منذ الفجر الموالى على القرية بخياشيمها العملاقة لتزيح طوابي الهندى وبيوت الطين . وحمل السكان امتعتهم وتقدم الموكب جمع من غلمان القرية وهم يرفعون على الأعمدة رؤوس الصهاريج التى اطارها تفجر الماء
إن العمدة قرر أن يبتني السكان قرية جديدة بظاهر الجبل ، ترفع عليها تلكم الرؤوس المقطوعة فى شبه مثلث ، عل الرجال الذين اختفوا عن القرية منذ أمد يستهدون فى عودتهم إليها برؤوس الصهاريج

