الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الصورة الشعرية، (( فى غير العمودى والحر ))

Share

عندما بدأ الشعر الجديد المعروف بغير العمودى والحر يثبت أقدامه فى عالم الأدب التونسى ، لم يكن فى مقدور الفئات المضادة إلا أن تلعب برؤوس الناس باشاعاتها . وقد بدأ الهجوم بتوجيه اعتراض على الشكل الجديد ( التفعيلة - الوزن ) بيد ان بعض نقاد هذا الشعر الجديد ورواده أثبتوا أن قضية العروض مسألة شكلية للغاية وثانوية على اعتبار ان الخليل بن أحمد قنن المرحلة السابقة ولم يضع دستورا للمستقبل بل حتى ولو كان الخليل قد وضع عروضا للمستقبل فلا يصح ان ننظر له نظرة تعظيم وتقديس ... وعندها بدأت الفئات المضادة ترمى آثار الشعراء الجدد بالتفاهة أى أن آثارهم ليست بالعمل الفنى . وغنى عن البيان ان للعمل الفنى شروطا بديعة لا يمكن اغفالها وهى بالقياس للشعر : صدق التجربة الداخلية التى صدر عنها الأثر ، وبلاغة الصياغة البيانية وقوة الايقاع الشعرى الذى يحمل الى الآخرين ما يسمى الغبطة بالشىء الجميل وابتكار المعانى والصور ، وعن الصورة سوف نقصر حديثنا هذه المرة .

تقول المعاجم العربية : الصورة : الشكل ، كل ما يصور . وأيضا : الصفة ، النوع ، الوجه .

ويوجز بعضهم فيقول : انها تعبير يتفاوت من حيث الشكل والحجم ويوحى بأكثر من معنى وقيمة .

والصورة قد تكون لغوية وقد تكون أدبية أو شعرية . وتنشأ الصورة اللغوية غالبا عندما تضاف الى العلاقة التعبيرية الأولى أى لفظ - معنى ، علاقة ثانية أو أكثر ، ولكن لا الشكل الكتابى كالخط الهيروغليفى أو الخط الكوفى ،

ولا الشكل الصوتى يعد صورة لغوية . فكلاهما فى واقع الأمر علامات لغوية ذات معنى واحد نستخدمها فى الاستعمال العادى بمعنى محدد مباشر وبسيط .

أما الاستعمال الأدبى البحث فهو يختلف عن هذا اختلافا كليا . انه يستوهب الصورة ويؤلف ارتباطات جديدة ويجمع بين علاقات ، ويعطى للفظ أبعادا لم نكن فيها مطلقا . غير أن الترجمة والتعبير بالصورة ليس محصورا فى الأدب فحسب بل ان الأدب والشعر بصفة خاصة لا يكون شعرا الا به .

والصورة كلها تقوم على أساس إدراك حسى وبصرى فى المحل الأول وتثير رؤية وتجربة وخبرة بصرية أو لمسية أو سمعية ... فحسب . فالأهم من ذلك أن توقظ فينا الصورة الشعرية رؤى وتجارب فكرية منها ووجدانية ولعل أهم ما ينبغى للناقد فى منهجه لدراسة احدى القصائد ، أن يسجل جميع الصور الواردة فيها ، ويحاول البحث عن أجزائها ومنهج بنائها وانفعالاتها ، ويقدم التأويلات المتعددة التى تحتملها فى السياق . وعندما يبدأ النقد يخرج من الانطباعات السريعة الخاطفة ، ويرضى الناقد بهذا العمل العقلانى الشاق الضرورى ، سيجد ان الصورة التى يستخدمها الشاعر قد تكون أصيلة أو تقليدية ، عميقة أو سطحية ، باهتة أو قوية .

كانت وظيفة الصورة فى تراثنا الشعرى القديم وحتى فى تراثنا الشعرى الحديث ، هى إقناع القارىء وافغار فاه دهشة من قدرة الشاعر على الاتيان بما هو غريب وطريف ، وكانت الصورة تطابق العالم المادى وتتم فى حدود العقل والمنطق وبالتالى فهناك تناسب عقلى مع جميع قوانين المنطق والعالم المادى . فلا يمكن بحال من الاحوال أن تجد مثلا شاعر قديما يتكلم عن ناقة لها ثلاث أعين أو يتحدث على الاقل مثل شاعر شاب - من رواد غير العمودى والحر - عن ضحكة حبيبته وبالاصح ضحكة ممرضته فيقول :

كانت ممرضتى          ترشنى بضحكتها الصباحية أو يقول مثل (( لوركا )) عن القمر فيقول انه :               يحصد ببطء رعشة النهر القديمة

نعم ! لم يقع هذا مطلقا ذلك أن الصورة عند شاعرنا العربى القديم وحتى المعاصر - أحيانا - لا تضيف على المعنى الثابت شيئا . اللهم أن تكون زينة طريفة . لأجل ذلك فانها لا تتصل بحركة النفس . كلا ! ولا انفعال

الوجدان ولا تنفذ الى بواطن الموجودات لتدرك طابعها الفريد أو تلمس نبضها الخفى . ان طابع المنطق الصارم هو الذى يطبع بناء الصورة عند القدماء وحتى عند المحدثين لا فى الشعر العمودى فحسب بل حتى فى الشعر الحديث المعروف بالحر .

هذه دفقة ضوء سريعة حاولت أن أريقها على وظيفة الصورة فى الشعر القديم والحديث . دفقة سريعة أردت من وراءها أن أقول ان استخدام الصورة عند شعرائنا المحدثين من أصحاب غير العمودى والحر تختلف اختلافا كليا عن وظيفة الصورة فى الشعر العمودى والحر .

كانت الصورة - وما زالت - فى الأدب كما بينت تقوم على أساس التشابه بين الشىء والصورة . فاذا قلت على سبيل المثال ان فلانا ثعلب رواغ ، اتضح وجه الشبه على الفور . بيد ان الصورة الحديثة وأعنى الصورة الواردة فى شعر غير العمودى والحر ، أضحت أهم أدوات الخيال المنطلق اللامحدود . انها تقلل من التشابه بين الاشياء ان لم نقل تقضى عليه تماما ؛ وهى لا تعبر عن الترابط بينها بقدر ما تؤلف بين أشياء لا ترابط بينها فى المنطق أو العالم المادى .

ان أهم ما يميزها الآن هو التباعد العظيم بين الشىء والصورة . وهذه لعمرى طفرة واسعة جديرة بكل افتخار وكل تقدير .

(( لوحات من معرض الجريمة )) ، قصيد للشاعر الشاب الطاهر الهمامى ، وهو مبنى من الناحية الشكلية من أربع مقطوعات غير متكافئة فى عدد الأبيات ولا متساوية فى الزمان أو المكان أو الرؤية . فالمقطوعة الاولى تتحدث عن منكوب :

الطائر الحزين (1)

الراجع من خرائب الطوفان

ومن انقاض الطين

داهمه الليل

ظل الطائر يرفرف

يرفرف بين الأغصان

يبحث عن شىء

عن شىء كان .

بقيت ثلاث مقطوعات لن استطيع للأسف أن أوفيها حقها خشية أن أكون قد أطلت بيد انى لا أغفل عن الاشارة إلى ان القصيدة الموحية تنتهى - ربما بغموضها قبل اى شىء آخر - بأغنية :

يا جدار يا جدار

لو تخر آه لو تنهار

يا عدو الشمس

يا أصم يا أصم

   الى القرار

   الى القرار

وجملة القول فالقصيد تتحدد فيه اللوحات كمقطع الزجاج الملون الساحر . وأشير على القارىء أن يتناول أى قصيد من الشعر الحديث أو القديم ويقارن بينه وبين هذا النموذج من شعر غير العمودى والحر . انه بلا شك سوف يعجب لهذه القفزة التى قفزها هذا الضرب من الشعر . نعم ! سيعجب وهو القارىء الذى تعود على الفكر التقليدى وما يؤكده دائما من تلاؤم بين الصورة والواقع وتقارب بين التشبيه والمشبه وتطابق بين الفكرة والشىء .

وأحب أن أقف عند قصيد (( نداءات فى صباح المدينة )) لمحمد الحبيب الزناد ، وهى قصيدة تدل على موهبة شعرية وتنم على رؤية شعرية حقة . ولعل الذى قربها أكثر الى نفسى ، انها تضمنت الكثير من الاصطلحات والكلمات العادية التى تجرى على الألسن كل يوم . غير انه تنبغى الاشارة الى ان هذه التضمينات جميعها ترد داخل نسيج شعرى تحركه فكرة كبيرة وعاطفة صادقة .

وثمة ملاحظة أخرى هى ان القصيدة دسمة - ان جازت العبارة - بالصور الشعرية لذلك أشير على القارىء الحصيف مرة أخرى أن يفعل نفس العمل الذى فعله فى قصيدة الطاهر الهمامى المذكورة أى يقوم بعملية مقارنة بين قصيد نداءات (( فى صباح المدينة )) وبين قصيد - أى قصيد كان عموديا أم حرا - ليرى بنفسه مدى الفرق الشاسع بين صورة واردة فى غير العمودى والحر وبين صورة واردة فى قصيد من الشعر العمودى أو الحر .

انبلج الصباح يا أشلاء الليل (1)

يا أشلاء

وكنت يا ليل فى نفسك الأخير

تباع وتشترى

(( حوائج )) قديمة

وساقط متاع وأشياء

فى أزقة مدينتى :

(( روبا فيكا ، روبا فيكا ))

با فيكا ، فيكا .. فيك فيك ))

وأخيرا أهيب بشعرائنا الشبان أن يدركوا ان الواجب يدعونا الآن أن نعيش عصرنا ونفقه روحه . وأستطيع أن أسجل بارتياح ان أغلب رواد فى غير العمودى والحر قد ساروا فى الطريق الذى أشرت خطوات تذكر . وأكبر دليل قصيد (( نداءات فى صباح المدينة )) الذى أشرت اليه . على ان من واجب كل الشعراء لا سيما رواد فى غير العمودى والحر ان يفهموا ان الطريق لا يزال مع ذلك طويلا وان الاغلال التى تقيدهم بها لغتنا من عاطفة مسرفة ، وخطابية وانشائية ، أغلال ثقيلة وليس من التجديد أن نتخلص منها ببساطة بل ان ندخلها فى تجربة عصرنا وواقعنا وان نتناول اللغة لأنها لغتنا قبل كل شىء بمزيد من الجسارة والشجاعة والمغامرة .

اشترك في نشرتنا البريدية