درج اعلام الكتاب وكبار الصحفيين على نعت الزعيم الهندى الراحل ( المهاتما غاندى ) بانه السياسي المتصوف
فماذا يعنون بهذه الكلمة ؟ حين يضيفون (الصوفية) ، الى شخصية عالمية لعبت دورا سياسيا مرموقا . . اعتقد ان اولئك الكتاب والصحفيين انما يعنون بهذه الصفة التى يطلقونها على ذلك الزعيم السياسي الكبير ، هي ما كان معروفا عنه من نظرته المثالية الى مشاكل الانسان وقضايا الانسانية ونزوعه الروحى الى تناول الأشياء تناولا انسانيا عميقا وانصرافه عما تعرضه الحضارة المعاصرة من مظاهر براقة واصداف زائفة .
الشفيفة - بفعل ( الدروشة ) و( الدراويش )
ونحن حين نرى انسانا ينزع نزوعا مثاليا ويسلك سلوكا روحيا فى تصرفاته واخلاقه أخذا وعطاء وقولا وعملا فى شئون الحياة وامور الدنيا نقول عنه : " انه صوفي النزعة ".
نخلص من هذا التقديم الوجيز الى حقيقة جوهرية نحب ان لا تطمسها ضبابية المفهوم الخاطئ الذي طرأ على مدلول هذه الكلمة
فشوه معناها في العقول وظلها فى القلوب . هذه الحقيقة هي ان ( الصوفية ) بهذا
المعنى الانساني الشريف والمفهوم المثالي الصحيح تؤيدها الاديان وتدعو اليها الكتب المقدسة ولذلك تجد ان هذه الظاهرة الانسانية الكريمة وجدت في اغلب شعوب العالم كتابية ووثنية قديما وحديثا وتجلت فى
افراد عباقرة اصبحوا اعلاما بارزة ومنارات وهاجة .
ذلك لان النزوع الروحى المتسامي لا يكون صبغة عامة ولا طابعا شاملا ينسحب على عموم افراد الجنس البشرى . وانما هو صبغة فردية تجلى فى نفوس حصيلتها من المواهب السامية - والملكات العليا وكثر واوفر من حصيلة المجموع . وتلك سنة من سنن الحياة توجد فى كل زمان ما دام في الدنيا نور وظلام وحق وباطل وقناعة وطمع وانحطاط وسمو وخير وشر . ولا شك فى ان مغالبة الشهوات والزهد في الملذات ونكران الذات وتصفية النفوس من شوائب المادة وتطهيرها من ادران المطامع مثل عال من مثل الانسانية دعا اليه المرسل وجاهدوا في سبيله ، ولا تزال الانسانية تحاول الوصول الى ذلك المثل العالى في جد وكفاح وتصميم. ان صوفية ( عمر بن عبد العزيز ) الخليفة الاموي العادل الحقته بالخلفاء الراشدين والسلف الصالح من هذه الامة وجعلته علما فردا في تاريخ اسرته لا يساميه منها متقدم ولا يلحقه متأخر.
وان صوفية ( غاندي ) هزمت بروحيتها مادية اكبر امبراطورية فى العالم كانت الشمس لا تغرب عن ممتلكاتها الى وقت قريب.
وان صوفية ( تولستوى ) الاديب الروسي هى التى رفعته الى تلك الذروة الشامخة فى سجل الخالدين من قادة الفكر ورجال الاصلاح.
وان الرجال الذين وقفوا في وجوه الطغاة بالرأى الشجاع والكلمة الباسلة والنصيحة الحقة كانوا ينزعون في حياتهم نزوعا صوفيا هون عليهم كل خطر وقلل لديهم كل كثير ولولا ذلك ما استطاعوا الوقوف في وجوه
الطغاة فى ثبات راسخ وايمان عميق . وما سيرة ( جمال الدين الافغانى ) فى العصر الحديث و ( الحسن البصرى ) فى العصر القديم الا مثلان من الأمثلة العديدة فى هذا الشأن الجليل.
ان الانسان ( الصوفي ) بالمعنى الصحيح والمداول الدقيق لهذه الكلمة هو الانسان ( السوبر مان ) الذي يراود احلام الانسانية من قديم الزمان.
ذلك مفهوم اساسي وحقيقة جذرية للمعنى السامى لكلمة التصوف من حيث هو ( مخبر ) لا مظهر و( لباب ) لا ثياب و ( تأمل ) لا تسول ( وورع ) لا رقع.
وكم كنت اتمنى لو ان صديقى الاستاذ ( العقيلي ) حين قام بتأليف كتابه عن ( الصوفية فى تهامة ) لو انه قام بتجلية هذه الحقيقة الشريفة وتصفية هذا الجوهر النفيس مما علق بهما من شوائب ( الجذب ) واوضار ( المجاذيب ) . وظني بالاستاذ انه كان في استطاعته ذلك لو اراد . ولكن يخيل لى ان صديقى - وكلنا ذلك الرجل - وقد نشأ فى بيئة تتردد فى جنباتها هذه الاسماء اللامعة ( ابن علوان ) . ( الزيلعي ) . ( ابن العجيل ) محفوفة بهالة فخمة من التقديس والتأليه رأي من واجبه وقد انتشر نور العلم ورفرفت رايات التوحيد وشعت اضواء الثقافة وتسرب نور المعرفة الى السهل والجبل والقصر والكوخ - رأي من واجبه ان ينطلق توا الى شجب وتفنيد ما احيط بهذه الشخصيات الفاضلة من غلو ومبالغة اخرجتها من مرتبة الانسانية الى مرتبة الألوهية فكان همه الوحيد ان ينفض الغبار الكثف الذي تراكم على عقول البسطاء ومدارك العامة ويزيح الغشاوة الصفيقة عن مفاهيمها الخاطئة واوهامها الباطلة . فكان ان قدم لها ترجمة
وجيزة وعرضا سريعا للملامح البارزة من حياة هذه الشخصيات التى كان لها أثر كبير في تكييف الحياة الاجتماعية والسياسية
والفكرية والاقتصادية في ذلك العصر الغارق في ظلام الجهل وسحب الاوهام .
والكتاب يقع في ( ٩٤ ) صفحة من القطع المتوسط ويشتمل على ثلاثة فصول : الفصل الاول ( حول الصوفية والتصوف وما يشجب ذلك من الكتاب والسنة ) . الفصل الثاني ( فى كيفية وصولها الى اليمن فى عهود الدول الزيادية والنجاحية والصليحية والمهدية
والأيوبية والرسولية ) . والفصل الثالث يتضمن الترجمة لأشهر زعماء التصوف فى تهامة .
وبعد فقد وضع الاستاذ في يد الجيل الصاعد نورا كشافا يسير على ضوئه فى دروب الحياة العقلية بعيدا عن متاهات الخرافة ومزالق الترهات .
وتحية للاستاذ على هديته القيمة وتهنئة خالصة لمجهوده الثقافي الكريم .
( جازان )
