من أطلق عليه لقب (( الضبع )) ، فى البداية ، لم يفطن الى كون هذه اللفظة مؤنثة ، فالخبال الشعبى نادرا ما يتأثر بالقواعد اللغوية الجامدة عندما يعبر عن ذاته هناك امران اثنان وراء هذا اللقب :
الاول ظاهر للعيان يتمثل فى جسمه القصير العريض حيث يختلط التربيع بالتدوير على نحو فوضوى ، وفي رأسه الضخم الملتصق برقبة قصيرة تبدو كقاعدة تمثال هائل الحجم ، وفمه الكبير ذى الشفتين والاسنان الناتئة جميعها نحو الفضاء الخارجي ، وقدمية المفلطحتين اللتين تدبان فوق الارض دبيب الصخر الهابط من عل .
والأمر الثاني يتمثل فى حكاية يقسم الراوى بالله وبأنبيائه وبالأيمة جميعا بأنها حقيقية لا ريب فيها ومفادها أن صاحبنا التقى ذات ليلة عاصفة بضبع حقيقية . والضبع من السباع المتهمة بنتن رائحتها وبأنها تخدر فريستها بتلك الرائحة الحادة فتشل مقاومتها ثم تهاجمها ، وما حدث تلك الليلة هى أن الضبع الحقيقية فوجئت برائحة (( فريست )) واصيبت هى بالخدر فتمكن من قتلها ، وفي الصباح سحب جثتها الى ساحة القرية متباهيا مزهوا بقوته التى لا تقهر .
هكذا لزمه اللقب لزوما لا يستطيع الفكاك منه ، لا شك بأنه قاوم في البداية وشتم او ضرب القائلين به ، ولكن الكلمة وان كانت ممجوجة فى السمع ، كما يزعم اللغويون ، تصبح مألوفة مستساغة مع تكرار استعمالها ، وقد أصبح يستعملها هو نفسه أحيانا اذا دخل فى جدل صاخب او شارك فى عراك وذلك من باب التأثير السمعى على الخصم فضلا عن التأثير الشمى . وغدا اللقب مع الايام اسما ، وبه لا بالاسم الحقيقي تلصق بعض الصفات المعينة ، فهو حينا ضبع (( حشاش )) وهو حينا آخر ضبع 43 619
(( وديوس )) وهو نادرا ، ضبع (( ابن حلال )) .. الى آخر لائحة الصفات التى يراها الآخرون ، مصيبين أو مخطئين ، مناسبة له او معبرة عن تصرفاته فى وضح النهار أو تحت ستار الظلمة .
اما اسمه الحقيقي وهو أحمد رضوان فقد اقتصر وجوده على تذكرة الهوية وعلى سجل النفوس عند مختار القرية فلا يستعمل الا في مواسم الانتخابات العامة .
ومع الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبنانى طرأ على الضبع تحول جذرى ، بارز ، فلسبب ما توطدت علاقته بجنود الاحتلال وبحلفائهم من اللبنانيين حتى كاد أن يكون وحده غير المشتبه به بين شبان القرية ، ثم بدأت هذه العلاقة الجديدة تعيده تدريجيا الى مناخ انسى فأصبح يعتنى بنظافة جسمه ونظافة لسانه ، ويرتدى ثيابا تختلف فى مظهرها عن ثيابه الضبعية السابقة ، ويحاول جاهدا أن يمشى فوق الارض مشيا لا أن يدب كعادته ، وبدا يستعيد اسمه الحقيقي مقرونا فى بعض الحالات بكلمة (( سيد )) . وغزرت فى جيبه الدراهم على الرغم من الضائقة الاقتصادية الحادة التى تعصف بالقرى الجنوبية ، وصار يتردد على منزل خولة الصفدية علنا يحمل اليها انواع الطعام . وبعض الهدايا غير المعروفة فى القرية . ولم يكن يبالي ابدا بالنظرات الحاقدة او بالتساؤلات المعبرة عن حيرة ابناء القرية وقلقهم واشمئزازهم ، فتحول الود الذي كان يقابل به عادة ، وان يكن ساخرا أحيانا ، الى لون من الاحتقار الممزوج بالخوف ، وتمنى البعض ، فى قرارة أنفسهم لو يعود أحمد رضوان ذلك الضبع الشريف الذي كان يمازحهم ويمازحونه وان كان المزاح يؤدى الى عراك فى بعض الحالات . لقد حجب بمسلكه المريب روغان الثعالب ، وشجع خولة الصفدية على توسيع دائرة زبائنها ، وأخرج تجارة ابو قاسم ، مهرب الحشيش ، من السر الى العلن . على سجعان مختار القرية المعروف بنفاذ رأيه لا يبدى ارتياحه لمثل هذه الاتهامات لا لان بعض الظن اثم فقط ، بل لانه سمع الضبع يهمس ذات مساء بنبرة حزينة عاتبة :
- " ليت هؤلاء (( البهائم )) يدرون بأنى غير ما يظنون .
ويقسم المختار بحماس انه سمع هذا الكلام من الضبع بأذنيه الاثنتين . ولكن الناس قلما يرغبون فى الغوص داخل النفوس ، فهم يكتفون ، فى الغالب ، بالحكم على الظواهر الملموسة ، لذلك فان كل مواطن ، فى نظرهم وفي نطاق الواقع 620 44
الراهن ، هو واحد من اثنين : اما مع العدو ، فهو اذن خائن ، واما ضده ، اى مع المناضلين ، وما عدا ذلك فهو هواء بحث لا مجال للخوض فيه . ومهما كانت التبريرات صادرة عن نوايا طيبة فانها تظل فى مثل هذه الحالة مفتقرة الى قوة الاقناع . والزعم بان الضبع بترويجه (( حشيشة الكيف )) بين جنود العدو يقوم بعمل ذي علاقة غير مباشرة بكفاح المقاومة الوطنية فهو زعم باطل جملة وتفصيلا ، فالعدو عدو سواء كان صاحيا او مخدرا ، والمقاومة الحقيقية هى ان تاكل من لحمه ليسقط خوفك منه نهائيا . فالضبع اذن خائن ، وجزاء الخائن القتل . حلاق القرية الحاج اسماعيل الطوبى تمنى اكثر من مرة عندما يكون رأس الضبع بين يديه ، أن يحز رقبته بالموسى حتى يصطدم الحد المرهف بالعظم ، ولكن أمنيات الحاج اسماعيل كلسانه لا تدور الا في الفراغ . شيخ القرية صرح علنا أمام رهط المؤمنين الذين يحيطون به كل مساء في باحة المسجد ، باهدار دمه ، لان الخيانة كفر صريح بل هي اشد هولا من الكفر ، وعندما سمع الحاج عبد الرؤوف تاجر الغلال كلام الشيخ تنهد بحسرة ثم سأل الله بصوت مسموع أن يهدى كل ضال ، والضبع ، مهما كان أمره ، يظل امره منا ، والقتل ليس علاجا . فانتفض الشيخ كمن لسعته أفعي وصاح بالحاج عبد الرؤوف :
- ولكنه خائن يا حاج . . خائن قذر ، أتدرى ما معنى كلمة خائن ؟ .
فأدخل الحاج عبد الرؤوف بعضه فى بعضه والتف بحوقلة شبه صامتة اعقبها تثاؤب صارخ . بضاعة الحاج عبد الرؤوف ملغومة ببعض السلع الاسرائلية . هذا ما يزعمه الحلاق الحاج اسماعيل ، وبين السلع الاسرائلية ، نوع من (( البسكويت )) يميت الرغبة الجنسية عند آكله ، والحلاق يتكلم عن تجربة حصلت معه بالذات ثم يضيف متنهدا : (( اسلوب آخر من اساليبهم الشيطانية للقضاء على الجنس العربي )) .
خولة الصفدية وحدها كانت تدافع عن الضبع بحرارة ، ولكن حماسها في الدفاع يضيع دائما وسط الابتسامات الساخرة والتعليقات الماجنة والنظرات الشبقة ، فتسكت على مضض وتنصرف لشأنها متحسرة وأحيانا دامعة العين .
مع اشتداد ضربات رجال المقاومة وتواترها أصبح ظهور الجنود الاسرائليين نادرا بين الناس حتى من كان مقربا اليهم بات فى نظرهم موضع شك ، لذلك لم يعد الضبع يرى برفقة احد منهم ، وكثيرا ما كانت تحيته لهم ، لدى 45 621
عبورهم في القرية ، تبقى بدون رد ، وبدأ يعود الى سابق حالته تدريجيا سواء فى مظهره أو فى مشيته أو فى اهماله لنظافة جسده ، ولكن موقف أهل القرية منه لم يتغير ، إذا حاول المزاح مع احدهم جاوبه بجفاء يابس ، واذا التقى بموكب الشيخ المتوجه الى باحة الجامع والقى السلام أعرضت الوجوه عنه ، وربما بصق البعض عمدا ، والضبع يبتسم لكل ذلك ، يبتسم على نحو يضئ معه وجهه الضخم ، وقد يرتفع صوته بترنيمة تقول :
يا ديرتى مالك علينا لوم ؟
لا تعتبى ، لومك على من خان !
فيرى بعض من يسمعها ان الضبع أصبح على درجة من الوقاحة لم تعد تطاق . العمليات الجريئة ضد جنود الاحتلال تتضاعف فى عددها وفى فعاليتها ، والآكلون من لحم العدو يزدادون عددا . الشيخ يعظ فى باحة المسجد ويبتسم . الحلاق نزع من فوق المرآة (( اتق شر من أحسنت اليه )) ووضع مكانها (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )) . خولة الصفدية يرتفع صوتها من حين الى آخر بزغرودة رنانة دون ان يكون لذلك سبب ظاهر ، سيئو النية يقولون : ربما أنها التقت بزبون فحل لتكتسب (( قرون )) الضبع مزيدا من الطول .
وبدأ درويش يتذمر علنا من ندرة الزبائن فى مقهاه ولا يدرى ماذا يعمل ليكسب عيشه ويلبى طلبات زوجته واولاده الملحة . موكب الشيخ المتوجه كل مساء الى الجامع يزداد عدد أفراده خاصة من الشباب ، وعبثا حاول الحاج عبد الرؤوف معرفة السبب لهذه الظاهرة الايمانية الطارئة . فهي تحمل من الطمأنينة للمؤمنين بقدر ما تثير لديهم من استغراب . ولكنه " ايمان " من نوع جديد ، يقول الحلاق اسماعيل لزبائنه متباهيا : لذلك أخذت أصوات الناس تخفت وتتحول الى ما يشبه الهمس زغردة خولة وحدها بقيت مع صوت المؤذن شاذة على هذا الصمت الشامل .
فى باحة الجامع تجرأ الحاج عبد الرؤوف وسأل ذات مساء :
- لماذا تزغرد هذه المجنونة ؟ . فأجابه الشيخ بامتعاض :
- اتق الله يا حاج ودع الناس لشأنهم ..
فبهت الحاج عبد الرؤوف من جواب الشيخ ومن نبرة صوته فعقل لسانه ولاذا بصمت قلق . فقبل أسابيع معدودة كانت خولة ، بنظر الشيخ نفسه لعنة القرية ووباءها ، وكان (( الضبع )) خائنا كافرا يجب استئصاله ، فما هو الامر الذي حمل الشيخ على تغيير موقفه ؛ وتحولت الحيرة فى نفس الحاج عبد الرؤوف الى شعور غامض ممض دفعه الى تطهير دكانه من بعض السلع والانصات باهتمام الى همسات الناس ومراقبة حركاتهم .
وفى آخر مرة وقع فيها رأس الضبع بين يدى الحلاق اسماعيل أفرط هذا الاخير فى العناية بشعره الكث ، وعندما انتهى من حلاقة ذقنه فتح قارورة عطر جديدة ، وقال له وهو ينزع الفوطة من حول عنقه ويبتسم له ابتسامة عريضة :
- لكأنك الآن من شباب أهل الجنة .
فألقى الضبع نظرة أخيرة على وجهه الحليق وشعره المنضد في المرآة الصدئة وقال للحلاق :
- الليلة عرس على كل حال .
وانصرف مشيعا بنظرات الحلاق ونظرات ودودة أخرى كثيرة العدد .

