الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

الضلال القديم

Share

وقالت أمه فى رضا وغبطة : - أهو الحمد لله حجينا وعدنا . وده كله من كرامات السيدة اللهم ارضى عنها - مشع حنزور الاولياء بقى يا ابنى .

وعقد ابنها بين حاجبيه وأراد ان يقول شيئا الا انها قاطعته : -  ايه ؟ ! ياك تكون بقيت منهم ؟ فستألها : - مين هم دول ؟ قالت : - الجماعة الوهابين بتوعكم

وساد بينهما صمت طويل راح خلالها يستعرض فى مخيلته ما عليه قومه من زيغ وضلال . . اولئك القوم الذين يتخذون اندادا لله عدة . فهذه بزعمهم (( صاحبة الشورى )) وهذا (( باب النبى )) وذاك (( قطب الاقطاب )) وكيف انهم يسوقون الهدى الى تلك القباب الشامخة ثم يطوفونها كما يفعل المسلمون بالبيت العتيق .

وخيل اليه ان امه ستموت من تلك الساعة . . أمه . أحب الناس اليه فشعر بهزة عنيفة فى كيانه .

وكان يعلم أنه من العسير عليه أن يقنع أمه (( بلغة الارقام )) كما يقولون

فلم تكن هى ولا غيرها من النساء أو الرجال ممن يفقهون القرآن . هذا الحكم القويم . والصراط المستقيم . والا لما عمدوا الى كل تلك الآلهات يعبدونها من دون الله .

وراح يسائل نفسه : ( كم من حاج اتى البيت العتيق مثل أمه وهو يعتقد ان حجه كان كرامه لسيد أو ولى ؟ وكم من طائف حول البيت يستعيذ بالله من الشرك وهو واقع فيه . . أجل . . لقد سمع بنفسه حاجا يصيح باعلى صوته ( يا اهل البيت ) . . . ورأى اخرى بكتاب الى مقام إبراهيم وهى تقول ( وربنا بقى تاخد باللك من العيال ) .

لقد كان مثلهم من قبل - وكان له

من يكون كذلك . فلم يدرس القرآن ولا السنة دراسته لكتب التاريخ والكيمياء والطبيعة وكان أجهل ما يكون بسيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وهو الذى يكاد يحفظ عن ظهر قلب سير هانيبال ، و نابليون وفولتير وشكسبير . وتفتحت عيناه على تلك الحلق التى يسمونها حلق الذكر والتى يذكرون الله فيها على أنغام الناى والطبل والزمارة . فانطبعت فى عقله هذه الصورة الشوهاء عن الاسلام حتى هاجر الى هذه البلاد فعرف الاسلام الذى ارتضاه الله لنا دينا بتعلمه على فقهاء المسجد الحرام .

وحز فى نفسه ان تبقى أمه على تلك الحال وهى التى كابدت من مشاق جسمانية ومادية حتى بلغت مكة المكرمة ويذهب كل ذلك هباء منثورا . .

وقطعت عليه حبل تفكيره بقولها : - ابوك كان راجل صالح وانت من يوم ما جيت البلاد دى الحدت

فسألها : - طيب عشان ابويا كان صالح ربنا حيسامحنى اذا عصيته .

فقالت: - لا . . - برضه مش حيسامحى عشان خاطر أى ولى تانى . . اسمعى يا ماما من الذى أوجدنى فى بطنك .

- ربنا . . - ومن كان يطعمنى ويسقينى

وانا فى بطنك .

- ربنا . . . - ومن كان يجرى لى اللبن فى ثدييك .

- ربنا . . . - ثم من الذى يرزقنى عندما كبرت ومن الذى يميتنى ومن الذى سيحاسبنى .

- ربنا يا ابنى . - ان نهايتنا اما الى الجنة أو الى النار والعياذ بالله فمن الذى يدخل الجنة بفضله من يشاء ومن الذى يدخل النار بعدله من يشاء .

- ربنا . . - هل فى الجنة أو النار شقق محجوزة للصالحين يتصرفوا فيها على كيفهم .

- لا . . - طيب : من أعظم مخلوق واقربهم الى الله وأرفعهم درجة عند الله .

- النبى يا ابنى . . - طيب : اهناك ولى او صالح يملك من الله ما لا يملكه الرسول صلى الله عليه وسلم .

- مش فاهمه . . - بصى فى حد من الناس له عند الله اللى مش للرسول من الله .

- لا . . طبعا . . هو فى حد زى حبيبنا النبى يا ابنى يا سلام . . مدد . مدد .

فقاطعها : - استنى شويه : طيب دا ربنا بيقول للنبى عليه الصلاة والسلام . ( قل انى لا املك لنفسى ضرا ولا نفعا الا ما شاء الله ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء ) ,

ويقول له كمان ( وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وان يردك بخير فلا راد لفضله ) . فازاى صالح من الصالحين او ولى من الاولياء يملك النفع والضر لغيره .

ولم يعجبها كلامه . . وقالت : - نحن لا نقول ان الاولياء ينفعون او يضرون . . الضار النافع هو الله يا بنى ولكننا نتوسل بهم الى الله , دول أهل الله . دول احباب الله , طيب انت اذا كنت تريد شيئا من ملك من الملوك الا تتخد اليه الوسيلة من وزير الى وزير حتى تبلغه امرك .

- فقال لها ! - نعم . . - أهو دا زى دا . . وضحك صحكة مشفقة وقال : - نعم . . هذا جايز مع ملك لانه لا يعلم حالنا الا اذا ذهبنا اليه بالوسائل بيد ان الرب تبارك وتعالى لا يقاس بملك من الملوك ذلك لانه يعرف السر والجهر ويعرف ما لم يخطر على بال عبده بعد . . انه يرى ويسمع نبضات قلب النملة ويعرف متى خلقت وماذا ستأكل اليوم وغدا ومتى تموت . . فهل نقيس الله بملك لا يعرف ماذا سيكسب غدا ؟ يا أماه . . هذا هو الكلام الفارغ الذى اضلونا به . . . انت تقولين ان الاولياء والصالحين لا يضرون ولا ينفعون .

فقالت : - نعم . - قال : - من أجل هذا كان دعاؤهم ممنوعا فالرب تبارك وتعالى يقول : ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا

يصرك فان فعلت فانك اذا من الظالمين ) انت فاهمه الكلام دا .

- نعم فاهمه . . وبعدين . - بعدين يا امى اذا وجدت واحد يضر او ينفع زى ربنا معلشى . ادعيله واذبحى له وطوفى بقبره كمان . .

فسكنت برهة ثم قالت فى تفكير - لا . . لا ما يصحش . هو فى حد زى ربنا . . امال ماذا نقول عن الصالحين :

- قولى ( من عمل صالحا فلنفسه  ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ) .

فتساءلت : - يعنى ما ينفعوناش . . - ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) . - ايه الكلام دا - يعنى مايقدروش يعملوا حاجه أبدا .

قال : - ربنا بيقول ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) . ودخل عليهم حاج من وطنهما ينزل فى خيمة ملاصقة وكان يسمع الى حوارهما وسلم ثم قال :

- يا خسارة تعبى وخسارة كل المصاريف الى صرفتها - على كدة مالناش حج . .

ولم يحز عليه جوابا . ورفعت أمه طرف كمها تمسح دموعها وهى تقول

- الحمد لله اللى ما متش قبل ما اسمع الكلام دا . . أشهد أن لا اله الا الله وأشهد ان محمدا رسول الله . .

وفى المساء ودع امه الوداع الاخير وقبرها فى منى والحزن يكاد يقطعه نياط قلبه . . لقد ماتت فجأة .

اشترك في نشرتنا البريدية