" جميع الاسماء الواردة في هذه القصة خيالية "
نشأ قاسم فى بيت لا يفصله عن المسجد الحرام الا زقاق ضيق صغير وكان ابوه رجلا محافظا تسيطر عليه نزعة دينية قوية فهو سليل اسرة اشتغل افرادها بالدرس والتدريس فى المسجد الحرام ، وفي المدارس الاهلية العديدة فى البلد الحرام ، ولذلك كان الشيخ زكريا حريصا على تنشئة نجله قاسم نشأة دينية صارمة فارسله الى الشيخ الشنقيطى وهو ابن سبع سنوات ليحفظ القرآن الكريم وما اتم صاحبنا الثانية عشرة الا وكان قد اتم حفظ القرأن وتجويده الى جانب ما قرأه من دروس اخرى فى التوحيد والاصول والتفسير والحديث والنحو والمنطق . وكان الطفل كثير الذكاء قوى الذاكرة لا يميل الى ما يأخذ به لذاته انفسهم من ضروب اللهو البرئ . . واللعب المباح فقد كانت حياته تسير على نمط رتيب لا يكاد يختلف . .
يوقظه والده قبيل الفجر ويتوضأ ويأخذ سجادته ومحفظته وينطلق خلف والده الى بقعة لا تتغير فى مقام الحنفى تجاه الكعبة المشرفة فيضع المحفظة بما فيها من كتب فوق السجادة المفروشة وينطلق الى المطاف فيطوف بالبيت سبعا ثم يقف تجاه
الكعبة فيدعو الله بما حفظ من دعوات ثم ينطلق الى المقام او الحجر فيصلي ركعتين ويعود الى موضعه مرة اخرى فاذا بموعد الصلاة قد اذن فيصلي الفجر ثم يذهب متأبطا محفظته الى حلقة الشيخ البسيوني فيستمع الى درس التفسير فى النسفى ويظل حتى تشرق الشمس فيصلى صلاة الشروق ويعود الى البيت فيترك المحفظة والسجادة ويأخذ الزنبيل المعلق فى مسمار كبير فى المطبخ لينزل الى السوق وهو لا يبعد عن المنزل فيشترى طعام الافطار الذى لم يكن يختلف فى كثير من الاوقات اناء صغير به مقدار من الفول المدمس من حمزة الفوال ، ومقدار مناسب من السمن يضعه العم حمزة كما يدعوه زبائنه الصغار وشئ قليل من التوابل التى تحفل بها الاوانى النحاسية المحيطة به وهو على عرشه العتيد ، ثم سلطانية كبيرة من اللبن الزبادى ، او العسل الاسود من دكان قريب ، ويعود قاسم الى البيت بحمله الخفيف فيجد والدته وقد اعدت السموار النحاسى الاصفر الصغير ، والى جانبها الكانون وعليه بكرج الحليب الذى قامت بحلبه الخادم العجوز من العنز التى يملكونها والتي
اتخذت لها محلا مختارا فى دهليز البيت وكذلك يجد العيش وقد وضع على النار وظهرت رائحة التقمير بشكل ملحوظ ، ويكون الوالد فى هذه الاثناء قد عاد من المسجد ايضا وخلع جبته وأوى الى الروشن المشرف على الزقاق وفي يده مسبحته السوداء من اليسر الدقيق ، وتتحلق الاسرة الصغيرة المكونة من الزوج والزوجة والولد حول طبلية نظيفة وضع عليها الطعام فيصيبون منه حظهم ثم يتبعونه باكواب الشاى الممزوج بالحليب او الخالية منه ، ثم ينفض الجميع . . اما الوالد فالى مدرسة الصولتية التى يعمل بها مدرسا منذ خمسة عشر عاما ، والتي عمل بها ابوه مدرسا منذ ثلاثين عاما واما قاسم فالى الخطاط يوم كانت المدرسة تعتبره صغيرا على الانخراط فى سلكها ، ثم الى مدرسة الفلاح بعد ان بلغ السابعة واعترفت به هيئة المدرسة كتلميذ من احدث التلاميذ ، والخطاط كما ينبغي ان نقول هو عزت افندى وهو تركى عجوز اتخذ له مكانا فى باب السلام الكبير مطلا على المسجد الحرام وهو يعلم الاطفال الخط وشيئا من الحساب ويقوم بالنسخ وعمل الالواح وما الى ذلك مما يكلف به من اعمال ، وهو رجل صالح الا ان فيه حدة ، وحسبك بشيخ تركى يعيش فى مكة ويعلم الاطفال . . وعزت افندى لا يعترف باقلام الحديد ولا حتى باحدث الاقلام الامريكية فهو لا يكتب الا بالقلم البوص ويلزم تلاميذه الكتابة بهذا النوع من الاقلام وهو كذلك يثور اذا ما رأى هذه الاحبار المعبأة فى الزجاجات والتي يلوى التلاميذ السنتهم حينما ينطقون
اسماءها ولذلك فهي محرمة فى مدرسة الخطاط ، انما يجب ان يكون الحبر من من هذه المادة السوداء الناشفة التى تحل بالماء وتوضع بها هذه الخيوط الرقيقة المسماة " بالزية " ولذلك فان كل تلميذ من تلاميذ عزت افندى يشترى حين دخوله المدرسة العتيدة عودا من قلم البوص يصلح لان تصنع منه عدة اقلام ، وهو لا يشترى اقلام مدرسته الا من تركى آخر فى باب اجياد اسمه - عبد المجيد افندى - فهو الوحيد الذى توجد لديه الاقلام الحسنة والجيد من الحبر و الزيات ، وهو يشترى ما يلزم لمدرسته جملة ويبيع تلاميذه اجزاء مفرقة وهو يربح من وراء هذا ربحا يعتبر فى نظر الاطفال غير يسير ، ولكنهم يقبلون على الشراء من استاذهم راضين مغتبطين .
وفي مدرسة الخطاط يجلس التلاميذ على حصير اصفر من صنع الهند اخذ منه الزمان مأخذه ، ويتعلم الاطفال فيه الخط والحساب والاملاء ، اما حينما غادر قاسم الخطاط الى مدرسة الفلاح فقد كانت الدروس احفل واكثر تنوعا ولم يكن هناك عزت افندى ، وانما كان هناك اساتيذ كثيرون ، لم يكن هناك الحصير الذي يفترشه الطلاب . وانما كانت هناك مقاعد خشبية يجلس اليها التلاميذ وامامهم المناضد كما هو الحال فى كل مدرسة منظمة ، ويعود قاسم الى البيت بعد ان يصلى الظهر فى مسجد المدرسة جماعة مارا فى طريقه بالفرن القريب من البيت فيأخذ لوح العيش الذى احضره خادم من اتباع والده يتعهد شئون الدار ويشترى ما يلزم لهم من طعام كل يوم
أو يوما بعد يوم ، وتجتمع الاسرة الصغيرة مرة اخرى حول مائدة الغداء المكون من الخضار والارز واللحم وشئ من التوابل والافاويه التى تجيد صنعها سيدة الاسرة ثم اكواب الشاى الاسود الممزوج بورق النعنع ويعود قاسم كما يعود والده كل منهما الى مدرسته فاذا ما أذن المؤذن للعصر تجمع التلاميذ للصلاة في المدرسة ثم انطلقوا يحملون محافظهم المملوءة بالكراسات والكتب عائدين الى دورهم هنالك يلقى قاسم بالمحفظة فى ركن النافذة الصغيرة ويتخفف من بعض ملابسه ويهبط الى السوق فيقضى بعض الوقت امام حوانيت الكتبية فى باب السلام ينتقى منها ما يقرأ من مجلات او كتب ، او مارا بالمسعى ، وسويقة مسرحا الطرف فيما تحفل به الدكاكين الكثيرة من الوان التحف والمتاع وقليلا ما ابعد فى سيره الى المعلاة او الجورية ، وقليلا جدا ما هبط جرول او المسفلة فهو مقيد بالعودة الى البيت للوضوء لكى يكون قبيل صلاة المغرب فى المسجد حيث يستعد لدرس الحديث فيما بين العشاءين وبعد صلاة العشاء يحمل لابيه سجادته ولحفظته ويعودان معا الى البيت ليتناولا عشاء خفيفا يقضى قاسم بعده ساعة او بعض ساعة في مراجعة ما عليه من دروس واعداد ما عليه من واجبات وكثيرا ما استعان بوالده فى حل ما يعترضه من مشكلات الدروس او تفسير ما تعقد عليه فهمه من كلمات او نصوص ، وما ان تتجاوز الساعة الثالثة ليلا حتى تأوى الاسرة كلها الى مضاجعها بعد ان تطفئ والدة قاسم القمرية التى كانوا يسهرون
عليها او الفانوس الزجاجى الكبير ، وتحتفظ الى جانب فراشها بشمعة من شمع العسل وعلبة من الثقاب لتشعلها فى الليل ان اضطرت للقيام اما قاسم فكان يحتفظ بمشعل كهربائى صغير الى جانب فراشه لنفس الغرض ، وما ان يأذن الفجر بالاقتراب حتى تستأنف الاسرة برنامجها الذي سبق وصفه من جديد . .
فى هذا الجو الهادئ المحافظ نشأ الاستاذ قاسم نشأة دينية صرفة . . كلها جد ودرس ، وكلها حب وبر ، حب من جانب والديه ، وبر من جانبه ولكن اباه لم يكن يظهر له من الحب بقدر ما تظهر له امه ، وان كانت هي ذاتها لم تكن تسرف فى اظهار هذا الحب الى الحد الذى يجعل من صاحبنا طفلا مدللا ، فقد كانت سيدة عاقلة حصيفة وقد رزقت من زوجها بقاسم بعد سنوات طويلة من زواجهما ولم تنجب غيره ، ووجدت فى قاسم ووجد فيه والده حسبهما من الولد ، فقد كانت حالتها المالية لا تسمح بالانفاق على الكثيرين من الاولاد ، ولولا حصافة هذه الزوجة وهدوء طبع الشيخ زكريا وقصده لما كانت مواردهما الضئيلة من مرتبه فى المدرسة وما يصل اليه من هدايا الحجاج الذين يستمعون الى دروسه فى المسجد الحرام بين العشاءين فى ايام الحج لتكفى فى سد مطالب الاسرة ونفقاتها ، ومع هذا فقد عاش الجميع حياة بر وتعاطف تقوم من جانب الرجل على السعى والكدح في حياته العلمية الهادئة ، ومن جانب المرأة على الاقتصاد والتدبير فى شئون المنزل الذي آل نصفه الى الشيخ زكريا من
والده والذى يؤجر قسما منه فى زمن الموسم للحجاج ليستعين بما يرد اليه من هذا المورد على شراء ما يلزم للبيت من مؤونة وكسوة فى مطلع المحرم من كل عام ، وليدفع نصف الاجرة المستحقة عليه للمالكين للنصف الآخر كل عام ، وكانت للشيخ زكريا الى جانب هذا وظيفة اخرى تدر عليه شيئا من المال ، هي وظيفة اضاءة القناديل ، وقد ورث هذه الوظيفة فيما ورثه عن والده يوم كان المسجد الحرام يضاء بالقناديل ، وقبل ان تدخل اليه الكهرباء بانوارها . . وعجائبها ، وقد ذهبت الوظيفة ولكن راتبها الضئيل بقى ليدفع للشيخ زكريا باسم الاشراف على الحرم ضمن اعضاء هيئة الحرم الشريف وهو يذهب الى هذه الهيئة ساعة فى كل يوم ويعتمد عليه الاعضاء فيما يتصل بامورهم من مسائل فقهية او دينية وخاصة فى ايام الموسم . .
وكان قاسم بما فطر عليه من الجد والرزانة وما اخذ به نفسه ، واخذته به بيئته من ضروب الحزم اكبر من سنه ولكنه الى جانب هذا كان ذا حساسية مفرطة أورثها من هذه الحياة الهادئة الجادة الرتيبة ومن انزوائه عن الناس الا من اتصلت اسبابه او اسباب ابيه باسبابهم ، وكان يدرك بحسه المفرط ما في حياته من صرامة ولكنه لم يكن يألف من ضروب اللهو ما كان يألفه اترابه من غلمان مكة وشبابها بل لعل الاصح انه لم يكن يألف الضجيج والصخب اللذين يصاحبان الامسيات والليالي التى يتفرغ اليها هؤلاء الغلمان للهو واللعب وانه
ليذكر مرة اتيح له ان يحضر فيها حفلة من هذه الحفلات اللاهية اقيمت فى منزل جارهم الشيخ حسن سماره الذى عاد من جاوى بعد غيبة طويلة ، والتى دعى اليها قاسم ووالده باعتبار كونهما من الجيران الاقربين ، وقد ذهب قاسم الى الحفلة بصحبة والده بعد صلاة الجمعة فادخل الى ايوان كبير مفروش بالسجاد الشيرازى الجميل واحيطت به الوسائد والارائك ودارت اكواب الشاى والقهوة على الحاضرين مثنى وثلاث ورباع ، وكان فى صدر الايوان احد هؤلاء المطربين المشهورين فى مكة من ذوى الاصوات الحسنة فاخذ فى اسماع الحاضرين من المشايخ قصائد ابن الفارض والبوصيرى والبرعى فى الغزل الصوفى والاماديح النبوية ، طرب لها الحاضرون من المشايخ وطرب لها قاسم ضمن السامعين فقد كان المعنى ذا صوت حسن حلو النغمة عذب الاداء ، وكان الشعر جميلا وجو الاستماع هادئا تسيطر عليه روح عذبة رقيقة لاضجيج فيها ولاتشويش
وفرش الموائد للطاعمين ، وكانوا كثيرين فدعى الشيوخ أولا من ذوى الاسنان والمكانة وتأخر الشباب ومن الف لفهم من صغار السن واهل المنزل وصحبهم ، وكان قاسم بحكم سنه وجواره من المتأخرين فانصرف والده بعد ان نال حظه من الطعام وبقى قاسم ليأكل فى المائدة الثانية مع من بقى من اهل المنزل . وما ان انصرف الشيوخ الذين كانوا يفرضون هيبتهم على المجلس حتى استحال المجلس الى مسرح عناء وتطريب ، وحتى استبدل المغنى بغنائه فى الغزل الصوفى ..
والاماديح النبوية ، غناء فى الغزل الذي لا يمت الى الصوفية بصلة ولا الى الاماديح النبوية بسبب قريب او بعيد ، واستبدل النغمة الساجية الهادئة بنغم مرقص مطرب ، وبرز العود والكمان والدف والقانون . . وتحلق الناس حول المغنى وصحبه من المطربين يشاركونهم غناءهم ولهوهم ويملأون المجلس ضجيجا ، وصخبا ، ولو سلم المجلس من هذا الضجيج والصخب الذي يردده السامعون ويشاركون فيه مشاركة صحيحة حينا ومفتعلة فى كثير من الاحيان لما كان هناك ما يدعو قاسما الى الضيق والبرم ، فقد كان معجبا بالغناء على ما فيه من تبذل وبالانغام على ما فيها من ميوعة راقصة ، اذ كان المغني وكان المطربون ممن يتقنون صنعتهم اتقانا لا مزيد عليه فى بلد مثل مكة ولكنه كان يضيق بالمغنى حينما يستثير السامعين الى الضجة بنغمة ممدودة طويلة بين مقطع وآخر تنطلق معها الحناجر بهذه النغمة ذاتها صادرة من عشرات الافواه التى لاميزة لاصواتها النشاز المنكر ، والصخب الكثير واعجبته الاصوات الحجازية بما فيها من صدق فى التعبير وبساطة فى النغم ، وسهولة فى الاداء ، وكأنها انشاد للشعر بلهجة محببة عذبة خالصة من التعقيد ، ولانها غالبا انما تؤدى فى شعر فصيح قصير التفاعيل كما انه اعجب بالنغمة الحزينة المؤثرة فى الاصوات العراقية التى يطول فيها النفس ويمتد ، والتي تفتح للحس أبوابا من التأثيرات الانفعالية المؤسية البعيدة القرار . ولم تعجبه الاصوات
اليمنية رغم ما فيها من ارقاص . . وتطريب فهو بطبعه لم يكن ليميل الى هذه اللهجة اليمنية المائعة ولا الى هذا الضجيج الذي يصاحب هذه الانغام المتأنثة والتى لا تليق فى رأى صاحبنا بمجالس الرجال ، ولكن قاسما استطاع ان يغير رأيه بعض الشئ فى هذه الانغام اليمنية حينما سمعها تنشد فى شعر عصرى لشاعر من شعراء المهجر الذي يعجب الاستاذ قاسم بما فى شعورهم من روعة فى الاداء وصدق فى التصوير ، ولم يكن الراديو قد عم انتشاره فى ذلك الوقت كما هو الآن ، ولكن قاسما اتيح له الاستماع اليه مرات كثيرة بصحبة والده فى منزل احد كبار التجار الذين يستمعون الى دروس الشيخ زكريا فى المسجد الحرام وكان الاستماع قاصرا على تلاوة من القرآن الكريم للشيخ محمد رفعت ، والى بعض التواشيح الدينية فى ليلة الاسراء وما الى ذلك . . مما يلذ للشيخ زكريا الاستماع اليه ، وكذلك اتيح له ان يستمع مرات الى اغاني ام كلثوم فى الحفلات التى يذيعها الراديو والى غناء محمد عبد الوهاب وغيرهما من اعلام الطرب فى مصر ، وكان سروره بهذه الحفلات لا يعد له سرور ، ولكن الفرص التى كانت تسمح له بالاستماع الى هذه الحفلات كانت قليلة متباعدة الاوقات ، اذ ان والده لم يكن يستسيغ هذا اللون من اللهو ، ولم يكن قاسم لبرضى ان يتخطى ارادة والده ، او يتحدى عواطفه فهو لا يطلب هذا السماع الا اذا تهيأت اسبابه بدعوة من صديق قريب ، او ولى حميم . .
وكبرا ما كان يخفى على الشيخ زكريا جوهر هذه الدعوة فهى انما تجى . فى صورة دعوة الى عشاء او مبيت فى خارج مكة يعتذر عنه الشيخ منيبا ابنه بدلا عنه فى تلبية هذه الدعوات
وهكذا تركزت اسباب الترفيه ، عند صاحبنا قاسم فى القراءة وما اليها وكانت لوالده الشيخ زكريا مكتبة صغيرة ورث القسم الأكبر منها عن والده واضاف اليها بعض الكتب ولسنا فى حاجة إلى ان نقول ان اغلب هذه الكتب كانت ذات صبغه دينيه ولكنها مع ذلك حوت كثيرا من كتب التاريخ والادب والشعر من التراث العربى القديم . وقد وجد قاسم في هذه الكتب كنوزا لا تعد ايما كنوز فهو منصرف الى قرائتها خاصة الكتب التاريخية انصرافا كاد يظن والده انه ملهيه عن دراسته . لذلك لم يكن يسمح له بالأكباب على هذه القراءة الا في ايام الاجازات . والإ بعد ان غادر قاسم المدرسة الى الوظيفة بعد اتمام دراسته بها .
كان الشيخ زكريا يشكو من ضعف فى بصره زادته الايام شدة . وكان يتردد على طبيب التكية المصرية فى مكة وعلى اطباء آخرين فى مستشفى الصحة العامة باجياد فكانوا يعطونه كثيرا من الادوية والقطرات التى لم تكن مجدية فى علاج الحالة التى يشكوا منها . والتي زادتها القراءة المستمرة والدرس والتدريس . وفي حج احد الاعوام وقبيل كتابة هذه القصه ببضع سنوات . استقدم البلاط الملكى طبيبا من اشهر اطباء العيون ، وساقت المصادفة . . . الشيخ زكريا
للاتصال بهذا الطبيب ومعرفته فقد كان يذهب الى التكية المصرية كعادته من الفينة والفينة . فاذا بطبيبها يعرفه إلى طبيب العيون الشهير . . . ويقدم له الشيخ زكريا باعتبار كونه من علماء مكة ومن الناس الصالحين الطيبين . ويفحصه الطبيب فيشير عليه بالسفر الى مصر لانه يحتاج الى عملية صغيرة لا يتيسر اجراؤها فى الحجاز . ويداخل الشيخ زكريا من الهم ما يقلق حياته الهادئة . . ماينشر عليها ظلالا من الافكار والوساوس لم يكن له بها عهد من قبل . ويسر الشيخ زكريا بامره الى زوجه فاطمة فتراع لهذه المفاجاه بعض الشئ . ولكنها تشد من عزم الشيخ . وتقوى من همته وتنصح له بالسفر ما دامت صحة عينيه داعية لذلك . حيث ان الله قد هيا لنصحه هذا الطبيب الشهير ... واستطاع قاسم واستطاعت والدته ان يحولا بين الشيخ زكريا وبين كارثه محققة كادت تحل ببصره لولا لطف الله . فقد زين له بعض مريديه ان يضرب عرض الحائط بنصائح الطبيب المصرى الذى اشار عليه بالسفر . . وان يعيد للبصر ما تبدد من قوته وما أظلم من نوره . .
وفى ضحى اليوم الثاني بينما كان الشيخ زكريا يتهيا للوضوء ليذهب الي صلاة الجمعة . فاذا بهذا الصديق حضر ومعه صاحبنا هذا الطبيب ويفحص الشيخ زكريا بعد ان يقفل نافذة الغرفة ثم بدل تشخيصه للمرض . مصر بتلخص في أن عين الشيخ اليسرى بداخلها ماء ابيض . يستطيع هو سحبه على ان يظل الشيخ زكريا
نائما على ظهره واحدا وعشرين يوما ، وعلى ان لا يرى بصيصا من النور طيلة هذه المدة فلا بد من قفل النوافذ والابواب وسد الشقوق التى ينفذ منها الضوء أو الهواء ، وهو يقوم بهذه العملية مقابل ثلاث جنيهات من الذهب لا يتقاضى قرشا منها الا بعد ان يرتد الى الشيخ بصره الحسير . . وبعد ان يبرهن الدكتور غلاب بن ثانى على انه طبيب عظيم ، وتغرى الشيخ زكريا الاجرة التى يمكن انقاصها الى جنيهين وربما الى جنيه ونصف كما أنس من الرجل الذى احضر الطبيب ، ولكن الثلاثة اسابيع التى يقضيها مستلقيا على ظهره فى ظلام دامس معصوب العينين هى التى تزيده وساوس وقلقا ، ولكن الدكتور غلاب يطمئن الشيخ زكريا الى انه سيرى النور حتما حالما يخرج الماء من عينه ، وقد لا يحتاج الا الى ثلاثة ايام ، وربما سبعة او عشرة او خمسة عشر ، ولكن الواحد والعشرين يوما هى اقصى مدة يمكن ان تطلب من مريض ، ويجد الشيخ زكريا في هذا الاغراء بابا من ابواب الفرح فقد لا يحتاج الا الى ايام ثلاثة يعود بعدها الى ما انقطع من دروسه فيستأنفه ، والى ما يغير من نظام حياته فيرجع سيرته الاولى متنقلا بين المسجد الحرام والمدرسة الصولتية والمنزل ، فليس أشق على نفسه من أن يسمع الأذان الى الصلاة وهو قاعد عن تلبيته ، ومن ان يرى الناس يهرولون في اوقات الفجر والعشاء ليلحقوا بالامام وهو جالس مكانه لا يريم ، وهو الذى يحرص على ان لا تفوته تكبيرة الاحرام
ولا يفوته الطواف قبل الصلاة وبعدها فى كثير من الاحيان ، ولكن قاسما لا يترك اباه مسترسلا فى هذه الخواطر فيطلب الى الطبيب البدوى ان يريه الآلة التى يخرج بها الماء من العين . والتى يريد ان يجرى بها هذه العملية الدقيقة لوالده الشيخ فيضحك الدكتور غلاب بن ثانى ملأ شدقيه وينفخ الدخان من غليونه الداكن اللون ، ويسعل ويتنحنح ويعتدل فى مجلسه ثم يرمي الى قاسم بمسمار اسود صغير يخرجه من جرابه الجلدى القذر ويقول : هذا هو الميل ياولد الشيخ ، فيمسك قاسم بالمسمار بين يديه وينثنى الى البدوى والى والده والى الرجل الآخر وقد تحول وجهه الى علامة استفهام كبيرة ، وقد تهدج صوته من الغيظ المكتوم ويقول : ولكن هذا مسمار ، مسمار لا اكثر ولا اقل بل هو مسمار صدىء قديم ! فيضحك الدكتور غلاب حتى يكاد يسقط من فرط ما يضحك ، ويلتفت الرجل الذى احضره الى قاسم فى لهجة تشبه الانتهار . . ليست العبرة يا ابني بالآلة وانما السر كله في الصنعة ، وهذا الطبيب غلاب اجرى كثيرا من هذه العمليات آخرها لتكرورى اسمه آدم كان يعمل بوابا فى باب على . وقبلها لبدوى فى المعابدة من اتباع القائمقام هزاع . والثالثة لامراة فى جرول اسمها زنوبة . وهذه الاخيرة حرمت من نعمة البصر سبع سنوات وها هى الآن ترى مالا ترى انت بعينيك الصحيحتين . .
ولكن هذا المسمار الساقط في الارض لم يكن ليبعث الطمأنينة فى
نفس قاسم ولا في نفس الشيخ زكريا وكانت السيدة فاطمة زوج الشيخ زكريا تنظر من خصاص باب الخزانة الى كل ما يجرى داخل المجلس وهي تكاد تذوب شعاعا خشية على عين الشيخ واشفاقا على بصره ان يضيع والتفت الصديق يسأل الطبيب : ومتى تتوكل على الله وتجرى اللازم للشيخ ؟ قال : الآن ! هنالك وقف قاسم فى وجه الطبيب وصاحبه . واقسم بكل محرجة من الايمان ان لا يعمل ابوه شيئا اليوم ، وارتفع نشيج السيدة فاطمة من الخزانة فبلغ اذن الشيخ فصرف الطبيب ومرافقه على ان يجتمع به بعد صلاة المغرب تجاه بئر زمزم فى المسجد الحرام ليتحدثا فى الامر من جديد ، وانصرف الطبيب البدوى ومرافقه مشيعين بدعوات الشيخ زكريا وبلعنات قاسم ووالدته . . وخرجت فاطمة من الخزانة وهي تقسم ايمانا مغلظة ان لا يمس هذا البدوى عين الشيخ ، وان لا يطأ عتبة الباب من جديد ، ووجد قاسم فى ثورة والدته ما يزيد موقفه تأييدا فابان لوالده خطر ما هو مقدم عليه ، وزين له السفر ، وابدى استعداده ليكون في خدمة والده مصاحبا له فى هذه الرحلة المرتقبة ، والتى يرجون فيها الشفاء للشيخ المحبوب ، ولكن الشيخ زكريا لم يكن ينظر الى الامر بالسهولة التى ينظر بها اليه الابن وزوجه فهو يعرف ما تكلفه هذه الرحلة من مال لا يقدر عليه ، ومن غربة لا ترتاح اليها نفسه ولا تطمئن . ومن بعد عن بلده وبيته وزوجه وهو الذى لم يغادر مكة الا الى المدينة او الى الطائف
وبصحبة اسرته الصغيرة على الدوام وقد كان دائما يعود الى مكة وهو اشد شوقا اليها . ويعود الى الحرم وهو اكثر حباله وحنينا اليه . ويعود الى المدرسة وهو اكثر رغبة فيها .. وولعا بها . فكيف يخلف هذا كله الى بلاد بعيدة لا يعرف شيئا عنها الا ما يتناقله الناس عن هذه الفتنة الضاربة اطنابها فيها ، والتي ما كان يستمع الى اخبارها الا واستغفر الله واستعاذ به والا حمده تعالى ان جعله من سكان بلده الامين . وان خصه بالاقامة فى هذا الجوار الطاهر الكريم . .
وقال قاسم لوالده : ان الضرورات تبيح المحظورات . وان الله تعالى يقول ( ولا تلقوا بايدكم الى التهالكة ) وان فى مصر الى جانب صور الفتنه صورا محببة اخرى ، فيها الازهر الشريف وفيها العلماء الاتقياء وفيها المساجد التى لا تعد لها مساجد فى الآثار والأذكار . واخيرا ذهب الشيخ زكريا الى احد صحبه الذين زاروا مصر من قبل وترددوا عليها فشد من عزم الشيخ وهوون عليه الامور . واكد له انه ذهب إلى مصر بعد انقضاء موسم الحج وعرض عليه مرافقته فى الرحلة ان احب . وتكلفت السيدة فاطمة بتدبير ما يلزم لسفر الشيخ وقاسم من ملابس ومتاع وتهيئة ما تحتاج اليه رحلتها من نقود . ولم تكتف فى ذلك الموسم بتأجير مجلس واحد وانما اجرت البيت كله واستقرت هي وزوجها وابنها فى غرفه صغيرة في ا على البيت وهكذا تسنى للشيخ زكريا وابنه ان يغادرا مكة الى جدة وان يركبا البحر الى وادى النيل
