تعليق : سمر روحى الفيصل
يؤمن المثقفون العرب أن أولى خطوات الوحدة العربية وأكثرها رسوخا فى الارض ، هى الوحدة الثقافية ذلك ان الفكر يعكس اهتمامات الانسان وطموحاته وآماله ، كما يعكس وجدانه الجمعى فى الوقت نفسه . ومن البديهى ان اهتمامات العرب ، مهما تعرق فى خصوصية كل قطر على حدة واحدة ، أو قل انها متقاربة تقاربا شديدا ، تبعا لتقارب البيئات والمشكلات وطرائق التفكير ، تبعا للاصل الواحد من حيث التاريخ واللغة والدين مرورا بأمان مستقبلية واحدة .
وعلى الرغم من الحواجز الثقافية المضروبة أمام المثقف العربى ، تلك التى تمنعه من التواصل الحقيقى ، فان المثقفين العرب ما يزالون يحاولون اختراق الجدر الصم لتحقيق خطوات صغيرة على طريق الوحدة الثقافية .
لعل هذا هو السبب الذى - يجعلنا نهلل للمجموعة الشعرية الصادرة حديثا بعنوان ( الطائران والحلم الابيض ) لانها تحاول تقديم صوتين أحدهما من سورية وهو الشاعر الحلبى مصطفى النجار والثانى من المغرب وهو الشاعر
محمد على الرباوى . ولقد كانت طريقة الشاعرين فى تجاوز الحواجز الثقافية ذكية . اذ طبعا المجموعة فى حلب ووجدة وبذلك اختصرا الزمن ، وقفزا فوق العقبات .
تضم المجموعة سبع عشرة قصيدة ، منها تسع قصائد لمصطفى النجار ، و ثمانى قصائد لمحمد على الرباوى ( الطبعة الاولى السورية ) ، غير ان الاتفاق على الاشتراك فى مجموعة واحدة لم يقتصر على أمور الطباعة وما الى ذلك ، وانما كان هناك - فيما يخيل الى - اتفاق على اختيار قصائد ذات دلالة معينة ، حيث تعبر عن اهتمامات واحدة للطرفين ، مع بقاء الصوت الخاص لكل منهما .
وعلى هذا النحو يلمح المرء اشتراك القصائد فى ثنائيه الحب والقهر ، ذلك ان الحبيبة والعزيزة والانثى لا تعنى المرأة - الجسد ، وانما تعنى المرأة - الرمز رمز القهر والعذاب والخوف وانعدام التواصل مع العالم ، كما تعنى الفرح والامن والاستقرار فى الوقت نفسه ان لفظة (( المرأة )) من أكثر الالفاظ المرموزة فى الشعر العربى الحديث ، لان الشعراء ينظرون الى التواصل معها على انها ميزان الحياة المعاصرة ، فان مالت الكفة ذات اليمين راح الشاعر يغنى الفرح القادم والخصب والامل ، وان مالت ذات الشمال راح الشاعر ينكر الخوف ، وانعدام حسن الامن ، والظلم ، والاستبداد والضياع ، ليس غريبا اذن أن تنتظم قصائد النجار والرباوى فى خيط واحد ، فيكون غناؤهما للمرأة تعبيرا عما يحتمل فى نفسيهما .
ولقد يكون حسنا لو راح المرء يلتفت الى تكرار لفظة (( الغناء )) ومشتقاتها فى قصائد المجموعة كقصيدة (( الكلمة الاخيرة لاسير )) للشاعر مصطفى النجار ، وقصيدة (( مذكرات فلاح أتعبته القفة )) للشاعر محمد على الرباوى . غير أنه من الواحب الالتفات الى أن هذه اللفظة يكثر ورودها عند النجار ، بحيث نلمحها فى أكثر قصائده ، مما يشير الى الصوت التفاؤلى له وارتفاع نغمته على نغمة فرح صديقه الرباوى .
يضاف الى ذلك اشتراك الشاعرين فى استخدام أداة توصيلية واحدة هى طريقة المونولوج ، وهى تختلف فى استخدامها هنا عن القصة والرواية . انها صوت مسموع يعلنه الشاعر عاليا ويستخدم له ضمير المتكلم ، كما فى قصيدة (( الكلمة الاخيرة لاسير )) للنجار :
أدخلونى القوقعه
ها . . دخلت
(( ربما كان يغنى
ربما كان يسب ؟ ))
على نحو قريب من استخدام النجار للمونولوج بروح الشاعر الرباوى يستخدمه كما فى قصيدة (( الحلم الابيض )) :
أحلم يا عزيزتى بغرفة وسط سنابل القمر
فراشها الوثير من خيط غلائل الزهر .
هناك أداة أخرى يستفيد منها الشاعران فى قصيدتين ، هى استخدام الرمز التاريخى واسقاط الماضى على الحاضر ، كما فى قصيدة النجار (( أبحث عن قيس آخر )) وقصيدة الرباوى (( حلم فارس من بنى عبس ))
يحس المرء أن صوت الرباوى الشعرى ملىء بنعمة الحزن الداخلى ، بحيث يتعاظم انعكاسه على الالفاظ المنتقاة للتعبير ، فتروح تملىء بزخم وجدانى ، وتنعكس على خيال يطرحها صورا محسوسة مباشرة ، ولئن كان الوجدان صفة يمتدح الشاعر بها ، فان ضعف الخيال ، وبالتالى قرب تناول الصور يضعف من تدفق هذا الزخم الوجدانى . ونحن لا نعتبر الخيال كل شىء ، ولكننا فى الوقت نفسه لا ننكر دوره فى الارتفاع ، وسوف يلحظ القارىء اثر ضعف الخيال فى نفسها لا من حيث ضعفها عن أداء المعنى كاملا ومن حيث موسيقيتها فى أحايين أخرى كما يلحظ ان قصيدة ( الحائط الطينى ) ذات مستوى رفيع يختلف عن القصائد السبع الباقيات للشاعر لان الخيال ارتفع الى درجة السند الحقيقى للوجدان فخدمه دون أن يسىء اليه .
الحقيقة أننا لا نستطيع تفصيل الحديث عن هذه المجموعة اكثر من هذا ، ولكننا ما نفتأ نلحظ فى هذه النقرات السريعة تطورا فى شعر مصطفى النجار بحيث امتلا صوته فرحا ، أو قل انه بدأ يقيم معادلة بين القهر الذى كنا نحسه فى مجموعاته السابقة ، وبين الفرح المفقود ، وانعدام حسن الامن لديه . وقد يشير ذلك الى تساوى الكفتين ، كما يشير الى أن الاحتجاج على القهر لا ينفع ان لم يدغدغه أمل فى فرح مستقبلى .
ثقافى فى اوسع مفاهيم الثقافة من حيث أنها مجموع تصورات ومواقف وسلوك . فالانسان الذى لا يعى كافة أوجه المشكل الديموغرافى ولا يشعر بالتالي بما تمليه عليه مسؤوليته ازاء ابنائه واسرته ينتمى الى اطار ثقافى معين قل وندر أن تتفتح فيه طاقات الانسان فى الحياة والخلق والابداع ولذلك يتضح ان الدعوة لارساء قواعد سياسة سكانية ولاهم مكوناتها واداة تحقيقها وهو التنظيم العائلى ، لا تستجيب فقط لمتطلبات التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعى بل هى تندرج فى اطار ارادة الرقى بنوعية الانسان وخلق نمط ثقافى جديد يبشر بالحياة ويدعو لها ولعل ابلغ مثل لذلك فى الممارسة اليومية لعملية اعادة بناء الاسرة التونسية حيث يكتشف الانسان وهو يتحرر من ضغوط الطبيعة واجحافها ابعادا جديدة لانسانيته ولذاته .
الاختيار بين مالتوس وابن خلدون هو فى الواقع وضع تجزيئى للمشكل والمشكل أعم وأشمل فالواجب اليوم هو اثراء ما تقدم وتجاوزه . وان فى الموضوع السكانى محكا جديدا الصدق عزمنا فهذا التحدى المهول الذى تواجهه الامة العربية اليوم سيكون له بعيد الاثر فى مصيرها فاما أن تجابهه بحزم وجدية فيمكنها أن تروض قدرها واما ان تتجاهله فى موقف نفى جبان فتبتعد اكثر فأكثر عن حركة التاريخ والحياة .

