الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

الطبيعة فى شعر ابى شادى, خاصة, بالمنهل

Share

كان الجمال فى كل زمان ومكان مصدرا غزيرا من مصادر الالهام الفنى وينبوعا ثرأ من ينابيع الابداع . . وليس الجمال مقصورا على الحسن البشرى فقط بل هناك جمال الحيويات الاخرى . . وكلها تتسم بعنصر من عناصر الحسن تكون للفنان مادة وحيه ، ولما كانت الطبيعة فى مظاهرها المتعددة مبعث الغبطة والسعادة كان الفنان ألصق الناس شعوريا بها . فالرسام يقتبس صوره منها والموسيقار يستوحى الحانه منها وكذلك الشاعر فهو يعبر عن اعجابه بها وبجمالها بالشعر الذي يعتبره النقاد الاصيلون أرقى انواع الفنون الجميلة .

 وكما ان الجمال مصدر إلهام الشاعر كذلك القبح مبعث وحى ايضا ، لاننا لا نستطيع أن نقيس الجمال بمقياس محدود ان لم تضع بجانبه القبح ، فكلما تهبط قيمة القبح فى صورة من الصور ترتفع قيمة الجمال هناك وهكذا دواليك واظن ان ابن المعتز الشاعر العباسى اصدق من عبر عن هذه الظاهرة اذ قال :

قلبي ميال الى ذا وذا ليس يرى شيئا فيأباه

يهيم بالحسن كما ينبغي ورحم القبح فيهواه

واذا ادركنا معنى هذين البيتين اللذين قالهما شاعرنا البغدادى قبل اكثر من الف عام عرفنا معنى الأضداد اذا ما وضعا فى كفتي ميزان النقد ، والضد يظهر حسنه

الضد ، وبمقدار تعلق الشاعر بالجمال واعجابه به فى كل شئ سواء كان فى الطبيعة أو فى الانسان أو الجمادات يكون شعره من ناحية الابداع والانسجام . ولما كانت الطبيعة بما تبديه للعيون من صور فنية رائعة فى فصولها المتعددة مختلف مظاهرها فى بقاع العالم حسب موقعها الجغرافي كان سكان المدن الغنية بمناظر الطبيعة الخلابة أعلق بها من غيرهم وكذلك الحال عند الشعراء لذلك فنحن فى الوقت الذى نجد ان الشعراء المعاصرين الذين تغنوا بالطبيعة العراقية نادري الوجود لان الطبيعة العراقية شحيحة بمناظرها الا فى بعض المناطق الجبلية كالموصل والسليمانية واربيل نجد شعراء لبنان ومصر من الكثرة بحيث جاء اكثر شعرهم غناء بها

ولما كانت كلمتنا هذه مقتصرة على شاعر واحد من شعراء مصر الاحرار هو العلامة الكبير الدكتور أحمد زكى ابو شادى رائد الشعر الحديث واستاذ الشعر التصويرى فأننا نترك الحديث عن شعراء الطبيعة فى مصر ولبنان الى فرصة أخرى .

لصديقنا الدكتور أبى شادى شعر كثير موزع فى مختلف مجاميعه الشعرية التى اصدرها وهي تربو على الثلاثين ديوانا كان آخرها " من السماء " لذلك فأنا سنقدم للقراء نماذج من شعر الطبيعة المبثوث بين دفتى ديوانه الاخير

قلت في مقال لي - عن هذا الديوان - نشرته مجلة " المنهل " الزاهرة : ان أبا شادي نسيج وحده فى كل ماقدم من شعر للقراء فهو وان كان ينتمى الى مدرسة خليل مطران التى قام على اكتافها تجديد الشعر العربى . . إلا انه شذ عن هذه المدرسة بما قدم لنا من شعر تصويري لم تكن العربية مسبوقة به . . فهو اذن مبدع هذا اللون الجديد . . والتصوير فى الشعر لون حمل أصوله ابن الرومى ثم ذهب بذهابه . وان كان ابن الرومى يعتمد فى التصوير على ترابط معانيه واخذ بعضها برقاب بعض كالسلسلة المتماسكة المترابطة ، فأن ابا شادى كشف عن معانيه بسلاسته المعهودة فهو إذن كالمصور الذى يرسم مناظره ببساطة يفهمها كل مشاهد رغم ما فيها من عمق . . وابداع .

( اما فى شعر الطبيعة فهو ينقل ما يراه بمتخذ من ذلك مادة يبنى عليها صوره فهو شبيه بالمثال الذى يسوي من المرمر المسنون صورا لاشياء تعج بالحركة والحياة وتنطق عن احاسيس النحات ومشاعره . . ففي قصيدته ) على صخرة سيدي بشر ( برمل الإسكندرية تراه يخاطب كل ذرة من عناصر الطبيعة : الرمل ، والاشعة ، والموج ، والصخر ، فتنطق عما يكنه لها ، ولاعجب فروح الشاعر متجاوبة مع الطبيعة :

هل كان قربى منك غير حفاوة أو كان صوتك غير صوت مقادر

أولا ففيم تأملي وتفهمى نجواك وهى عميقة بسرائرى ؟

والكلام هنا موجه الى البحر

وعلام اصحب كل موج واثب واعد ذرات الندى المتناثر ؟

وعلام أشغف بالصخور روانيا وكأنها قامت عروش قياصر ؟

وكأنها عشقتك مثلي حرة فتولهت بمظاهر وضمائر

قد جئت سباق الربيع وطالما أنشقت منك هوى الربيع الناضر

وضمتنى بأشعة فرحانة مثلي كأنك بالاشعة آسرى

حتى تناسيت الربيع وزهره وقطفت من معتاك حلو ازاهرى

متصوفين كأننا لم تفترق يوما ولسنا من غريب عناصر

فهذه الصورة التى ابدعتها مخيلة الشاعر هى صدى التجاوب الروحى بين الطبيعة الباسمة على البحر وبين روحية الشاعر التى امتزجت بكل عنصر فكانت هذا النغم الرتيب

واذا عبرنا هذه القصيدة الى اختها التى دعاها " الربيع " نرى الشاعر يحس . بمولده احساسا مشبوبا فياضا بالبهجة والمسرة بقدوم موكب السحر والعطر والزهر :

إصدحي يا خواطرى وامرحى يا مشاعرى

كل حلم عشقته عاد حيا لناظري

وارقصي رقص حرة غالبت كل آمر

جاء فى موكب سما ( بالربيع ) الحهر

اما قصيدته : ) الصيف ( فاننا نرى الشاعر اشبه ما يكون بزاهد يترنم فى هيكل من هياكل الحب عند ما يرجع الى البحر بعد غيبته عنه اعواما طويلة :

ما للصخور العاريات تدثرت بالعشب حين الغانيات عوارى ؟

فارقتها فى رقصة وتجرد والموج بين معانق وموار

لم يا صخور وقد وصفتك قبلما حياك من وصفوك من اشعارى ؟

إن كنت زاهدة فاني زاهد والزهد لم يسلم من الفجار

الصيف اقبل فاخلعي لحنانه ما ألبستك يد الشتاء الضاري

واستقبلي الامواج مثل مشوق قد عاد بعد لوعج الاسفار

وتشربى الاضواء فهى ذخيرة ومن الضياء ذخائر وعوار

الا ترى معى ان ابا شادى ليس كغيره من شعراء الطبيعة هو لا يصف فقط مرئياته ولكنه يحلل ويستنطق ويجيب كانما كل ذرة من ذرات عناصر الطبيعة تجيبه عن أسئلته التى يلقيها ، وهذه هى ميزة الفنان العظيم

وقد قرات شعر الكثير من الذين اخلصوا للطبيعة . . فمنهم من اجاد فى وصف فصل من فصولها ؛ ومنهم فى وصف جزء منها ولكنني رغم سعة اطلاعى لم اقرأ لشاعر غير ابى شادى احب البحر وامواجه . ولعل قصيدته " الامواج " التى تبين شغفه بالبحر اعمق ما قرأت فى هذا المعنى فلنسمع اذن نجاواه لها . وصفه لهديرها عندما تتراقص على صدرها الأشعة ، أو عندما يداععبها النسيم وهى فى احضان امها البحر :

هدهدى بالهدير أيتها الامواج قليا الى حماك اطمئنا

واسكبى الراحة الحبيبة فيه ، انت برء لمثل قلبى المعنى

تغسلين الحصى وتلك قلوب ، بعثرت فى الرمال حتى دفنا

ثم جددتها نشورا وطهرا ، ثم اشبعتها حنانا ولحنا

وانا الخاسر الذى جاء يستجدى حياة لديك هيهات تفنى

ما ترانيمك الشجية إلا ، ما تمني السلام لما تمنى

تتجلى كثورة وهي أمن ، وأحب الثورات ما عاد أمنا

مهرجان الضوء نشوان فيه وتغنى الهوى به ما تغنى

ما له وليس انتهاء لقلوب تراه حسنا ومعنى

كم رويت الغرام عن سالف الدهر وما زال ما تقصين منا

وتمرين فى ثوان باعمار ، وتلقين بعد شيبك دفنا

وتكرين للصبى وتعودين بأسمى من الجمال واسنى

ورتيب الحياة مهما يحاكى بعضه بعضه تنوع حسنا

أقتبس هذه الابيات من قصيدة " الامواج " لان نظائرها واشباهها قليل فى الشعر العربى الحديث والمعاصر ، فهى بالرغم من بساطتها وتسلسل موضوعها وموسيقية الفاظها الجميلة الاخادة ذات فكرة فلسفية معينة . . واذا ما علمنا ان صديقنا الشاعر الكبير ابا شادى ذو ثقافة فلسفية عميقة ، وذو اطلاغ واسع على الآداب الاوربية الاخرى لا نستغرب منه هذه الفكر العميقة التى يصوغها فى قوالب شعرية رائعة . اذ إن الشعر الحديث ، الشعر الحى الذى يبقى على كر العصور ، وتقادم الاجيال ليس رصف الالفاظ فقط ، وتتميق الكلمات . . انما هو فكر عميقة تتداعى معانيها . كتداعى صورها . . ومن هنا كان لخليل مطران ومدرسته من امثال عبد الرحمن شكرى ، والدكتور احمد زكي ابي شادى وابراهيم المازني مكانة لدى المستشرقين غير المكانة التى لشوقى وحافظ والبارودى مع انهم اصفى ديباجة من الاوائل لان مدرسة شوقي كانت تعتمد على الموسيقية اللفظية وجزالة اللفظ بقدر ما كانت مدرسة مطران تعتمد على الافكار . . وهذا هو السر فى ترجمة اشعارهم الى اللغات الحية فى حين ظلت قصائد مدرسة شوقى بدون ترجمة

وبعد ماذا اقول فى شعر ابى شادى ؟ لا اظنني قادرا على ايفاء حقه ؛ وما هذا الذى كتبته إلا غيض من فيض ، وقطرة من بحر . . والى اللقاء القادم

بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية