- 2 - القول بجدلية الطبيعة (16مكرر ) والعلم المعاصر:
كان العلماء على عهد هيجل وماركس وانجلز يعتقدون أن الطبيعة تتركب من 92 عنصرا ، كل عنصر يتكون من جزئيات هى الذرات فالذرة اذن هى وحدة الكون كله وان كانت هى فى ذاتها غير معروفة الا بخواصها تختلف تلك
العناصر الاثنين والتسعين فيما بينها كيفيا أى فى الخواص . وسمح هذا واختلاف تأثير المواد بعضها فى بعض بالقول بوجود التناقض أو الصراع فى الطبيعة أو المادة . أما فى عصرنا فطالب مدرسة ثانوية يعرف اليوم ما كان مجهولا فى عهد ماركس . يعرف ان الذرة لها تركيب يرتكز على نواه يحيط زراع عدد من الالكترونات تتحرك بسرعة كبيرة جدا . ثم ان الذرة تتكون من بروتونات ونترونات . الالكترون كهرب ذو شحنة سالبة والبروتون كهرب شحنة موجبة . النترون متعادل وقوامه بروتون والكترون ملتصقان . واستطاع العلم أن يقول لنا أن كل اختلاف فى الظواهر التى نراها فى المادة وتركيباتها يرجع الى خلاف فى عدد وتركيب الالكتروونات فى ذرات تلك المواد ولا إذا كانت الذرة تحوى الكترونا واحدا فالمادة هيدروجين واذا كانت تحوى ثمانية فهي أكسيجين واذا كانت تحوى اثنين وتسعين فهي يورانيوم . وتتعدد وتختلف الخواص الكيميائية باختلاف وتعدد هذه التكوينات . أما عدد الالكترونات فهو يساوى عدد البروتونات ومعنى هذا ان الشحنة الموجبه فى
أى ذرة تساوى الشحنة السالبة ومعنى هذا ايضا أن " الذرة من أى مادة فى- حالتها العادية وحدة متزنة مستقرة خالية من التناقض الباطنى والصراع " (17 )
وقد كان معروفا فى العلم ، حسب قانون كولمب ، أن أى جمع بين شيئين لهما شحنتان كهربئيتان من نوع واحد ، أى موجبتين أو سالبتين نتيجته هو التنافر ، واذا كانتا من نوعين مختلفين فالتجاذب . فيبنى على هذا القانون مبدأ اعتبار السالب نقيضا للموجب ولكن العلم - كعادته - لم يتوقف فاثبت وجود مسافة تقدر بجزء من ثلاثين مليون من السنتمتر اى ما يعادل ثمن 8 /1 قطر أكبر ذرة ، يبطل عندها مفعول هذا القانون . والنتيجة من هذا هى بطلان وجود الجذب والتنافر ، وخلو الذرة من التناقض وبالتالى الصراع .
وقد كان العلم لمدة ثلاثة قرون يفسر الحركة اعتمادا على قوانين نيوتن . فالجسم يستمر ، مثلا ، فى حالة سكون أو حركة منتظمة فى خط مستقيم ما لم تؤثر فيه قوة هذه الحالة ، ولما كانت الاشياء تلقى فى الفضاء فتسقط الى الارض كان قانون الجاذبية هو الملجأ لتفسير هذه الظاهرة ولم يشك فيه أحد . واعتبر القصور الذاتى مضمونا للقانون الاول ونقيضا للجاذبية مضمون القانون الثانى .
وعندما يقول الماديون الجدليون بأن كل شئ هو قوة جذب وقوة طرد ، أى يحوى صراعا باطنيا ، نقيضين متصارعين ، فهم فى الحقيقة يستندون الى قوانين نيوتن التى جعلت من القصور الذاتى نقيضا متصارعا مع الجاذبية . وعندما ظهر انشتاين عدل قوانين نيوتن ، واثبت أن الجاذبية ليست قوة وأن القول بأن كل جسمين ماديين يتجاذبان نوع من الخداع غير مطابق للحقيقة العلمية فى تصوير الحركة . فلم تعد الجاذبية نقيض القصور ، ولكنهما وحدة واحدة وكل الظواهر التى فسرتها قوانين نيوتن فسرتها نظرية النسبية " ولكن قوانين نيوتن التى كانت تتضمن التناقض بين الجاذبية والقصور الذاتى كانت عاجزة عن تفسير ظاهرة فريدة فى الكون هي ظاهرة حركة عطارد وانتقاله فى مداره ، فلما استطاعت النظرية النسبية تفسير ذلك اثبتت تفوقها على نظريات نيوتن ، وانها أشمل وأصح منها فا نهار التناقض المزعوم بين ما كانوا يسمونه قوتى الجذب والقصور الذاتى ، وكان علماء الطبيعية يعتقدون أن الطبيعة قائمة على عنصرين هامين : الطاقة والمادة واعتبروا المادة
شيئا خاملا ملموسا يمكن تمييزه بشئ اسمه الكتلة ، واعتبروا الطاقة شيئا نشيطا بدون كتلة ، وبذلك أصبح السكون نقيض الحركة والمادة نقيض الطاقة ثم أثبت العلم وحدة الطاقة والمادة ، والمادة هي طاقة مكثفة ( مركزة )، والطاقة والمادة لا تحتاج لكي نقول عنها أنها طاقة الا أن تسير بسرعة الضوء مربع , فزال ما كنا نتصور أنه تناقض " ( 18 )
وكانت المادة الخفيفة تعتبر نقيض المادة الثقيلة والسائل نقيض الجامد والابيض نقيض الاسود ، والحار نقيض البارد . . الى غير ذلك .
فحاء العلم مثبتا أن المادة تتحول من الخفيف الى الثقيل ، وبالعكس ، ومن السائل الى الحامد ، وبالعكس ، وان كل نوع من المادة يتحول الى ثان ، و يتطلب هذا غير التعديل فى عدد وترتيب عناصر الذرة من الكترونات وبروتونات وأمكن تحويل بعض العناصر الى ذرات عناصر أخرى ( 19 ) :
بهذا عرفنا أن الذرة خالية من التناقض الباطني والطبيعة هى عبارة ، فى كل أشكالها المتكونة منها ، عن ذرات . فالطبيعة حينئذ أو المادة لا يدور داخلها صراع ، فالمادة ليست جدلية . وبهذا تسقط المادية الجدلية كفلسفة منهج تغير عند الماركسيين الارثودكسيين . فلا حاجة مطلقا الى الجدل كى نفسر تحول المادة من نوع الى آخر بعد أن أثبت العلم - وكلنا لا يملك أن يتحدى العلم ان كنا نحترم العلم ونتائجه حقا ، أما أن نكون متمسكين بمجموعة من المعتقدات القبلية فذلك أمر آخر - ان تحولها الى تركيبات مختلفة يتم عن طريق اندماج الذرات ويتطلب ذرتين على الاقل تكون درجة تشبعهما مختلفة لتندمج فتصبح الذرتان ذرة واحدة من نوع ثالث أى لا بد من وجود تأثير خارجي أى تأثير ذرة أخرى كى يتم التحول ، وهذا لا يتفق مع مفهوم الجدل الذي يقوم على التحول من الباطن كما أكد ذلك لينين بنفسه . فالجدل هو
دراسة التناقض فى الشئ ذاته )(20 ) واذا انتقلنا من عالم الذرة الى مركباتها أى عالم الانواع حيث تقسم المادة الى تصميمات حسب خصائصها وتأثيرها وتأثرها بغيرها ، فبعد ان كان مثلا الهيدروجين الكترونا واحدا وبروتونا واحدا ، وكان الاكسيجين ثمانية الكتروونات وثمانية برتونات ، اتحدا فأصبح هناك ماء يحتوى على ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسيجين يعبر عنه كيميائيا ؛ 20 H . ثم يتحول الماء الى جليد أو بخار فنقسمه الى ثلاثة أنواع تبعا لصلابة مظهره ، ونقول عن هذا انه تحول نوعى فى حين أن كل ما حدث هو زيادة فى سرعة الجزئيات بتأثير الحرارة ، فتحول الماء الى بخار ، أو تضعف هذه السرعة فيتحول الماء الى جليد ولكنه يبقى دائما ماء (21 ) ويتحد الماء بغيره
وغيره بغيره والناتج عن هذا الاتحاد ملايين المركبات المعقدة التى تتخذ اشكالا وخصائص لا حصر لها . ومن اجل فهمها نضطر الى تقسيمها الى أقسام ثم الى أجناس . فمن حيث اللون تقسم الطبيعة الى سبعة ألوان أساسية ، ومن حيث الصلابة الى ثلاثة : غاز وسائل وجامد ، ومن حيث الكتلة الى مادة وطاقة ثم الى جماد ونبات وحيوان ثم الى حيوانات مائية وأرضية وبرمائية . . الخ .
ثم نرى تباعد الانواع فى خصائصها ، وبالتالى تختلف وتبدو غريبة عن بعضها البعض فنتوهم وجود تناقضات بين نوع ونوع ويقودنا هذا الى تعميم الحكم فنقول ان كل شئ يحوى تناقضا باطنيا وبالتالى صراعا داخليا أى أن كل شئ جدلى و"نذهب الى بناء فلسفات ومذاهب نكاد نرغم الناس على التسليم بها تسليما " . ونتجاهل عمدا أن نقطة الانطلاق وهي الذرة التى تعد وحدة الطبيعة ليس فيها صراع ولا تناقض . وكل ما فى الامر أن كل الانواع تكونت نتيجة اندماج الذرات وتأثرها وتأثيرها وتحولها فى حركتها الدائمة وناتج هذا التأثير المتبادل تغاير الانواع . وان الكم هو كمية التأثر وان الكيف هو تغيير الخصائص والمظاهر فى عملية التحويل على وجه يتفق وتقسمينا الطبيعة ومظاهرها وخصائصها المتعددة .
والجدير بالملاحظة ان العلماء الروس قد انتبهوا فى دراساتهم الى عدم جدلية المادة ( 22 ) جاء فى طبعته الاولى باللغة الانجليزية لا تحمل تاريخا للنشر ، ص 82،81 ، تحت عنوان " الحتمية والعلم الحديث " ما يلى : " كان علم الطبيعة فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر المقصور على دراسة عالم المرئيات ( الماكرو - فيزياء ) أى عالم الاجسام الكبيرة نسبيا وجزئياتها , والمؤسس بشكل رئيسي على ميكانيكا نيوتن ، تسوده الحتمية الميكانيكة وكان مميزه الذى هو فى الوقت ذاته عيبه . انه يجعل من كل سبب ميكانيكا ومثال ذلك كرة البيلياردو عند دفعها بالعصا ، فقوة الاندفاع فى الكرة مساوية للقوة المنقولة اليها من العصا . والقول بألا شئ فى الاثر يتجاوز السبب يمثل نموذجا للحتمية الميكانيكية ، ويترتب على هذا أننا اذا عرفنا حالة جسم أو مجموعة من الاجسام في أى وقت أمكننا عن طريق قوانين الميكانيكا التقليدية ( قوانين نيوتن ) ان نحدد مقدما حالتها فى أى وقت فى المستقبل .
وقد تأيد هذا المبدأ وتأكد بدراسة الحركة والتأثير الميكانيكى المتبادل فى الاجرام السماوية وكذلك فى الاجسام المرئية فى الارض والجزئيات . . ففى المرئيات تتميز حالة الجسم المتحرك بموقعه فى المكان وبسرعته فى الوقت المعين ويمكن تحديد هذه الخصائص تحديدا دقيقا ، وبمجرد معرفتها نستطيع أن نحدد بدون أى لبس حالته فى أى وقت فى المستقبل وعلى اساس قوانين المكانيكا الكلاسيكية " ان هذا الكلام يسقط كل ما بذله انجلز فى كتابه " ضد - دهرينج " و " جدل الطبيعة " كي يثبت امكانية تطبيق الجدل على المادة .
ويضيف هؤلاء العلماء السفيات " أما فى العالم غير المرنى ( الميكرو فيزياء ) فنظرا للمميزات الخاصة لظواهره نجد أن حركة المادة فيه أكثر تعقيدا , ويبدو هذا على وجه خاص من أننا نستطيع ان نحدد بأي درجة مطلوبة من الدقة اما وضع الجسم واما سرعته . ولكن قوانين الميكانيكا الكلاسيكية غير كافية عند تطبقها فى العالم غير المرئي ، اذ لا نستطيع بها أن نحدد مقدما كلا من موضع وسرعة جسم غير مرئى ومع ذلك فمعرفة قوانين الميكانيكا الكوانطية ( أى قواعد الميكانيكا الخاصة بحركة غير المرئيات ) يمكن تحديد وضعها المحتمل فى أى وقت فى المستقبل " .
والنتيجة التى نخرج بها من هذا الكلام المنقول هو استبعاد الحركة على أساس قانون التناقض الجدلى من عالم المادة المرئى وغير المرئى ، وان تحديد وضع المادة فى المستقبل أى غاية تطورها يقع على وجه الدقة مقدما حسب قواعد الميكانيكا التقليدية ( ميكانيكا نيوتن ) فى عالم المرئيات ، وعلى وجه الاحتمال حسب قواعد الميكانيكا الكوانطية ( قواعد الميكانيكا الخاصة بحركة غير المرئيات ) فى عالم الذرة .
ونظرا لما فى هذا الكلام من خطورة ايديولوجية بالنسبة للماركسية فان هاتين الفقرتين اللتين اوردتهما قد حذفتا من الطبعة الثانية لذلك الكتاب 1963 وما بعدها من طبعات وجاء الحديث عن " الحتمية والعلم الحديث " خلوا منهما ومن بديل عنهما .
ومع هذا يمكن ان نورد ما جاء فى طبعة 639 1 من كلام يوحى بشئ من التفريق بين الحركة على المستوى الانسانى والحركة على مستوى الطبيعية والمادة يقول مؤلفو الماركسية اللينينية " ما يلي " ان الطبيعة والمجتمعات لا تعرف السكون المطلق والجمود " وهذا صدق غير انه " يتغير شكل الحركة تبعا لتغير شكل المادة . أبسط أشكال الحركة ، الحركة , الحركة
الميكانيكية فى المكان ، وأكثر من هذا تعقيدا التفاعل الحرارى أى الحركة التلقائية للجزىء التى تؤدى الى الجسم الطبيعى . وقد أثبت العلم ان الضوء والاشعاعات الكهرومغناطيسية والنشاط الداخلى فى الذرة أشكال خاصة من حركة المادة . وثمة نوع من الحركة نجده فى التفاعل الكيميائى ، الذى تتحول به المادة عن طريق الاتحاد والانفصال بين الذرات والجزئيات والنشاط الفسيولوجى فى النبات والحيوان وتطور الاحياء ، تعبيرات خاصة فى الطبيعة العضوية عن الحركة التى هى خاصة عامة للمادة . . وهناك شكل للحركة أكثر تعقيدا بكثير مما سبق نجده فى حياة الانسان الاجتماعية . . . الخ . وكل أنواع الحركة غير منعزلة بعضها عن البعض الاخر بل متداخلة ويتحول بعضها الى بعض . وهكذا يمكن أن يؤدى النشاط الحرارى الى تحولات كيميائية وظواهر حيوية . . . " .
١ ان انجلز كان صادقا عندما رد على دوهرنج بقوله : " لا توجد المادة بدون حركه ولا يمكن أن توجد " . والعلم يثبت اليوم هذا القول ويؤكده وان المادة فى حركتها تلك تتحول بعضها الى بعض لكن هذا كله لا يفسر تحول اعادة من الماضى الى المستقبل او تطورها او الحصيلة المستقبلة لحركتها ، وتأثيرها المتبادل وتحولها لماذا ؟
- ان السبب بسيط ، لانه لم يكن هناك اينشتاين فى عهد ماركس وانجلز ذلك الرجل الذي أضاف البعد الرابع كحد لتعيين الاشياء والظواهر وكانت قوانين نيوتن والحتمية الميكانيكية هى كل ما يعرفانه فى عصرهما ولذا لم يكن من الممكن تفسير حركة المادة فى الزمان الا بتصور قوة تدفعهما من الخلف كما ذهب الى ذلك الفيلسوف الايرلندى بركلي ) Berkley أو قوة تشدها
الى الامام كما ذهب الى ذلك هيجل hegel أو قوة من ذاتها تصل الماضي بالمستقبل بشكل قفزات كما قال ماركس الشئ الذي يحتم القول بجدلية المادة اى وجود تناقض وبالتالى صراع داخلى فيها . تقدم العلم وقال أصحاب واسس الماركسة اللينينية " تتم الحركة فى المكان والزمان كل ما هو موجود فى العالم متغير ، كل جسم وكل ظاهرة من الطبيعيه لها ماض وحاضر ومستقبل وتلك اوجه الزمان . ان الزمان كالمكان طريقه كونيه لوجود المادة . لقد أثبت هذا واحدة من أعظم النظريات العلمية فى عصرنا وهى النسبية غRelativ لاينشتاين " .
هل يحب أن نفهم من هذا أن حركة المادة من الماضى الى المستقبل أو تطورها يتم بالزمان دون حاجة الى الصراع الباطنى داخل المادة ذاتها . قالوا :
" يجب أن لا يفهم هذا الامر فهما مبالغا فى بساطته - أى صراع الاضداد أو التناقض الجدلى - ان " الصراع " بين الاضداد بمعناه الحرفى المباشر يحدث بصفة رئيسية فى المجتمعات الانسانية ، لا يمكن على أى وجه ان نتحدث دائما ممن الصراع بمعناه الحرفى بالنسبة الى العالم العضوى . أما بالنسبة للطبيعة غير العضوية فيجب أن يفهم هذا التعبير على وجه اقل حرفية وهذا هو السبب الذى من اجله وضع لينين ذلك التعبير بين قوسين ان هذا التمييز لازم لفهم صراع الاضداد فهما سليما " . وشهد شاهد من أهلها . أليس من المنطق أن نعيد النظر في قبليات ملأت عقول الكثير وحبست عنهم امكانية مواكبة التطور الذى يطرأ على معارف الانسان فليس من الممكن أن تعطى للمادة خاصية النمو التركيبى الذى هو خصصية العقل فتطبق مقولات الدياليكتيك على المادة قسرا وقهرا .
ان العلم بمنطلقاته ومناهجه ومبادئه هو نقيض الدياليكتيك . فأداة العلم التحليل وهدفه دائما ارجاع المعقد الى البسيط بينما يعد التركيب من مقومات الدياليكتيك . واذا استعمل العلم التركيب فان استعماله له يكون من باب المجاز أو من أجل مدلول اخر . فالماء مثلا ليس كلا حقيقيا يتحكم فى أجزائه بل هو حالة شكل . فعالم الكيمياء يستطيع فى كل مرة اعادة تحليل الماء الى عناصره . والتسليم بديالكتيك الطبيعة يحول الانسان الى مجرد " كائن طبيعى " يخضع للقانون الموضوعى الذى تخضع له المادة . وبديهى أن الانسان ليس هو الاشياء المحيطة به . لانه لو صح ذلك لما كان فى مقدوره أن ينتزع نفسه من مجرى التسلسل الطبيعى للموجودات من أجل أن يعطى معنى لتلك الموجودات .
فديالكتيك الطبيعة مرفوض اذن . وكان من قبل قد رفضه الفيلسوف الماركسى المجرى جورج لوكاتش ( 24 ) فى كتابه المشهور " التاريخ والوعى الطبقى " الصادر عام 29 19 . وككل المحبين للحقيقة العلمية والمخلصين لها لا المتزمتين والحرفيين اتهم المسكين بالتحريفية كما يتهم الروس اليوم بعض أقطاب الماركسية فى العالم أمثال جارودى . وبالاضافة الى لوكاتش هذا فان كثير من الفلاسفة الآخرين رفضوا جدل الطبيعة امثال كوجيف وهيبوليت وميرلوبنتى وسارتر وغيرهم حتى فى الصين .
لقد أثبت العلم مجموعة من القوانين العلمية الكلية التى تخضع لها كل بمناصر الكون بما فى ذلك الانسان وهى فى اعتقادنا كافية لتفسير حركة المادة دون حاجة الى الجدل وهى :
1)التأثير المتبادل بين الاشياء والظواهر ، فكل شئ متأثر ومؤثر . 2 ) الحركة الدائمة للمادة 3 ) المادة تتحول دائما من نوع الى نوع 4 ) أما الجدل فهو قانون الانسان والانسان فقط تسألني كيف ذلك ؟ أقول لك للحديث بقية . والى اللقاء فى موعد آخر . مدنين فى 1977/1/10
ان خبرتنا التربوية تجعلنا ننصح بالاهتمام بالضبط وبالصلابة الاخلاقية بكل تأكيد . ولكن المهم هو ان ننمى فى الطفل الضمير الاخلاقى عن طريق الترغيب او الترهيب اولا وعن طريق التوعية والمحاكة العقلية ثانيا حتى يصبح الضبط انضباطا ذاتيا فيلقوم الطفل بوعى تام وبدافع داخلى بعمل الخير ويعرف الشر ويتجنبه . ثم الارتقاء بالطفل الى الوازع الديني الذى يجعل الفرد يعيش دوما فى حضرة الله تعالى يعمل بأوامره ويتجنب نواهيه وهذا هو جوهر الاصالة التى نرجو ان تصبح اساسا للبناء الاخلاقى فى الاسرة .
4 - اعداد الوالدين : ليست مهمة التربية الاخلاقية فى الاسرة بالامر البسيط . انها تتطلب اعدادا خاصا للوالدين ، ولذلك فنحن نقترح تنظيم دورات دراسية فى صفوف مسائية اذا اقتضى الامر للاباء والامهات لتوعيتهم بواجباتهم نحو ابنائهم وتعريفهم بأنجع الطرق التربوية لاتباعها فى تربية ابنائهم تربية اخلاقية قويمة ومساعدتهم على حل مشاكلهم التربوية والنفسية ان وجدت . هذا وان المربى السويسرى الكبير بستالتسى يبدأ برنامجه التربوى باصلاح الاسرة وتكوينها تكوينا تربويا . ففي كتابه الروائى لنهارد وغرترود ينقذ الاسرة من الفقر والفساد الاجتماعى . فغرترود الام بطلة الرواية تحاول انقاذ زوجها العامل فى القرية من براثن سلطة شيخ القرية : صاحب الحانة التى يجبر العمال على ارتيادها لتناول الخمر ولعب القمار وذلك ليبتز أجورهم اليومية ويعودوا الى عوائلهم مفلسين لا يحملون قوتا ولا متاعا . ولما تيأس غرترود من امكان تحرير زوجها من هذا الشقاء . تذهب الى مركز الولاية وتقابل الوالى فتقص عليه مأساتها . وبعد أن يقوم الوالى بالتحرى يزيح شيخ القرية عن مهامه وينقد عوائل القرية جميعهم من براثن الفقر والفساد . ثم ان بستالتسى يلحق كتابه " كيف تعلم غرتر ترود اطفالها" بكتاب لنهاردو غرترود " وبذلك يكمل المنهج التربوى الذى يضعه للاسرة . هذا وان التربية الحديثة قد اتجهت الى التأكيد على أهمية تعليم الراشدين حتى ان البعض من المفكرين يرجح الاهتمام بتعليم الوالدين على الاهتمام بتعليم الاطفال . ذلك لان تعليم الوالدين يؤثر رأسا على تربية الطفل . ومن الصعوبة بمكان تأمين التربية الصحيحة للطفل اذا كانت الاسرة جاهلة ومتخلفة .
ثم اننا نقترح ادخال دروس خاصة فى المدارس الثانوية بعنوان " التربية العائلية لاعداد الشبان والشابات الذين ستتكون منهم الاسر . وهذه الدروس تشتمل على مبادئ تربية الطفل وعلم نفس الطفل بصورة نظرية وعلمية تطبيقية . ولذلك نقترح الحاق " دار حضانة " للأطفال بكل ثانوية يتدرب
فيها الفتيات فى اوقات معينة على العناية بالاطفال وتربيتهم . ولا حاجة للقول بان التربية المتكاملة تتطلب نقل الفكر الى الفعل فى كل نواحيها . فلا يكفى ان ينصح الاباء والامهات نصائح نظرية مجردة بل لا بد من التطبيق والارادة باعداد القدوة الصالحة والنموذج الحسن .
5 - تهيئة البيئة الاخلاقية للاطفال نقترح انشاء حدائق يلعب فيها الاطفال فى كل محلة وفى كل مدينة على أن يكون لعب الاطفال تحت مراقبة مسؤولة. ان اهم مشكلة تعترض تربية الطفل هي بين البيت والمدرسة أى فى البيئة لثالثة فالاطفال الذين يقضون اوقات فراغهم فى الشوارع هم عرضة لاخطار مادية ومعنوية . ان الاشراف على هذه الحدائق بعد ان تؤسس يمكن أن يكون عن طريق تبرع الامهات المتعلمات بالتناوب . المهم هو ان تشعر الاسرة بمسؤوليتها عن تربية اطفالها تربية اخلاقية سليمة . فتحميهم من اخطار الطريق ومن اخطار التحديات المعاصرة ولا سيما ما يأتى عن طريق السنما والاعلانات والحانات والتلفاز وصحبة السوء .
وأخيرا أختم حديثي بتلاوة للشاعر العراقى المعروف معروف الرصافى حيث يقول :
الأم مدرسة اذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق
وأضيف بأن عصرنا هذا يتطلب اعداد الأب والأم معا فلا يقتصر على اعداد الأم وحدها . ومن الله الهداية والتوفيق
