(التجربة الثالثة ) (*)
أ ) - القــــــاعـــــــــدة : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حـــــديــــث المـــــدينـــــة
- (( جاك )) : سرجان فى أحد فيالق اللفيف الأجنبى . . أرسلوه الى حامية (( البرج )) بمدينة قفصة . - فى الخامسة والعشرين أو الثلاثين من عمره . طويل القامة ، أشقر ، أزرق العينين .
- اذا لم يكن جاك فرنسيا ، فهو من أحد بلدان أوروبا القريب من فرنسا . - ... متغطرس ، متحجر القلب . - يكره السكان ، ويدعوهم بـــــــ (( الكرب )) ، و (( السوفاج )) - يستدرج ( بطرق غامضة ) أحد الرجــــال ، ويحمله فى سيارته الى الخلاء ، او الى احدى الغابات النائية ، او الى سفح جبل ، او الى الطرميل . - السرجان جاك .. ( تفو ! ! ) يثير الاشمئزاز .
ب ) - الاطــــــــــــــار :
ملعب الأمواه
ربما توارث أهالى قفصة اسم (( الطرميل )) من البربر أو الرومان ، وظلوا يطلقونه على بناء غائر فى الأرض شيد من جلاميد الصخور ، يغمره الماء .. وطرميل الرجال به عدة مقاصير مسقفة يـملأ الماء ثلثيها ، ويتسرب اليها من (( مشاتير )) ( أى انفاق ) يؤدى بعضها الى بعض ، فيغيض فى المقاصير حتى يكاد يغطى قامة الرجل .
وينبثق الماء الزاحف نحو مقاصير طرميل الرجال من عيون محفورة داخل (( البرج )) الذي يروى الصغار أن (( غولة )) عظيمة شيدته ، وكانت ترمى بثدييها خلف ظهرها ليرضع منهما أبناؤها .. فى حين يؤكد الكبار أنه من منجزات الرومان لعظم مقاطع حجاراته ، ويذكر المؤرخون انه انتهى الى أخذ شكله النهائى على يد الحفصيين ، ولم يكن الأهالى - مع هذا - يجسرون على النظر الى قلاع البرج الضخمة ، فقد اتـخذ منه الاستعماريون ثكنة تعسكر فيها قواتـهم المؤلفة من فيالق مختلطة من مختلف الاجناس الـمجندة فى كتائب الجيش الفرنسى ، ما بين : (( ڤومية )) ( من مراكش وجنوب الجزائر وتونس ) وسينغاليين ومرتزقة ( من مختلف الأقطار الأوروبية ) .
وبطريقة لا يدركها أهالى ڤفصة ينفجر الماء من فتحة بأسفل البرج ، وينصب فوارا من حوض بوسطه حجارة ضخمة ينزل اليها الواردون لغسل (( قلالـهم )) وملئها ، أو المصلون ( لسبغ ) وضوئهم .
ويسيل الماء - وقد همد حسه - داخل ( طرميـــل الرجــال ) ، فيغمر المقاصير ، ثم يخرج من (( مشتير )) الى ( طرميل النساء ) الذي شيد بنفس حجارات البرج على شكل بـهو مـحفور وسط الدكك ، تتوسطه زاوية منحوتة فى الحجارة بـها ما يسميه نساء ڤفصة : (( لاله العوينه )) ينبع منها ماء أعذب من ماء الطرميل ، يفيض على حواشى الزاوية الموشاة ببقايا الشموع الذائبة التى توقدها العذارى وصاحبات النذور تقربا (( للاله العوينه )) فتضئ بأنوارها جنبات الزاوية المصبوغة بالحناء و (( الحرقوس )) . .
وتنزل النساء الى أرضية بـهو الطرميل ، فيصل الماء الى خصورهن ، ويغسلن الثياب والصوف على الدكك الحافة بالماء ، ويودعن حوائجهن فى
دكك - تعلو مباشرة دكك الغسيل - محفورة فى جدران طرميل النساء . ويمضى الماء فى جريانه ، ويخرج من مشتير الى ( طرميل اليهود ) المظلم فيغمر مقصورتيه المـحفوفتين بالدكك . . ثم ينفذ منه الى الســـــاقية الكبيـــــــرة الآتية من سواقى (( بو الأبغال )) .
وتنبع المياه الزاحفة الى ( سواقى بو الأبغال ) من مصب ( وادى السقايين ) وتنفذ الى ( وادى الباى ) حيث تعمق أغوار المياه وقد زكاها ما يفيض من عيون (( عابدين )) المخترقة لديار(( المناريين )).. وتنساب الأمواه التى تتجمع فى ( وادى الباى ) الى مقاصير (( الميضة )) التى يغتسل فيها الرجال ، وتخرج من (( الميضة )) الى ( وادى السيابة ) المطهر الخاص بالنســــاء ، ويــــــــزحف فى سواقى مطمورة مـخترقا مجموعة من الديار ، ويصب فى سواقى (( بو الأبغال )) ويلتقى بمياه ( الطراميل الثلاثة ) ، ويشق جنة (( كرورة )) ، ويلتحم بالمياه الآتية من ( عيون المطوية ) التى يـحمم فيها الفلاحون دوابـهم خلـــــف ســــور (( البرج )) الشاهق .
وتـهرهر الأمواه ، وتؤلف جدولا عارما تتعاون عليه الجماعة من الفلاحين لرى الغابات الشاسعة فى أقل من ساعة .
ج ) - الجو النفسى : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أطفـــــال الحـــــــومـــــــة
أعز (( خديـجة )) ( ابنة عمتى )) كما أعز خذروفى . . أتفانى فى مرضاتـها ، وأسابق أطفال الحومة ( أولادا وبنات ) فى كسب ودها . . أغــار عليها من الطفل (( مولدى )) ( جارنا ) . . يثيرنى تحديه ، فأتصدى له . . يشب بينى وبينه عراك عنيف يثير حماس الأطفال ، فأصول ، وأجول ، وأصرعه تحت قدمى ، فيهتف الأطفال باسمى .
لا يعترف مولدى بالهزيـمة ، ولا يقر - أبدا - بتفوقى عليه ، حتى لو كنت قد انتصرت عليه فى لعبة (( العلم )) التى نقلد بها ما يجرى ( مساء كل يوم ) أمام حامية (( البرج )) حيث تصطف ثلة من (( السينغاليين )) المجندين فيالق
(( اللفيف الأجنبى )) للجيش الفرنسى أمام (( السرجان جاك )) لتحية العلم الفرنسى . أضفنا للعبة (( العلم )) دورا رئيسيا احتكرت تـمثيله :
أتقدم من (( جاك )) الذى يؤدى دوره (( مولدى )) حين يصيح فى (( السينغاليين )) : ( روبو ) بعد أن يتم انزال العلم الفرنسى ، فأصيح فى وجهه : ( تحيا تونس ) وأخطف العلم من الجندى وأمزقه . ويسرع اتباعى الى تطويق (( السينغاليين )) ، وتدور المعركة ، فيصرع الثـــــــــــــوار جنود العـــــــدو ، وأصرع بدورى ضابطهم ، وآمر أتباعى بالاصطفـــــــــاف ، وأصيـــــــح فيهــــــم : ( استعد ) ، ونرفع العلم التونسى بدل العلم الفرنسى ونـحييـــــــــــه ، وننشــد (( حماة الحمى )) ، فتتعالى زغاريد البنات ، ثم نشرع فى القفز ، والرقص ، والصياح ..
كثيرا ما يستميت مولدى فى الدفاع حين أهاجـمه فى لعبــة (( العلم )) ، فينفد صبر الأطفال ، ويضجون فى وجهه ساخطين : ( مت ، يا جاك ! ..) ويكاد مولدى يرفض الانـهزام - وفقا لمقتضيات الدور - فيهددونه بالتدخل لمساندتى ، فيذعن لـهم ( أحيانا ) ويسقط تحت قدمى ، ويتحداهم ( فى الغالب ) فأواصل مصارعته حتى تخور قواى فيتهالك على الأرض ؛ وأدوسه بحذائى ، وينتهى الدور . . فأصعر خدى ، وأمشى بين الأطفال فى خيلاء ، مستعرضا عضلاتى أمام البنات ، ملتقطا نظرات الاعجاب التى تـجود بـهــــا على خديـجة .
غاظ مولدى هذا الذل الذى أفرضه عليه فى لعبة (( العلم )) فلجأ مرارا الى رفض دور (( السرجان جاك )) غير أن الاطفال كانوا يلحون عليه اذا رغبوا فى لعبها ، وكثيرا ما كانوا يستنجدون بـخديـجة اذا أصر مولدى على عدم تمثيله لدور (( السرجان جاك)) ، ولأجلها هى ( فقط )كان يذعن ، وينزل الى الحلبة فى غطرسة واعتزاز !..
أما لعبة (( العرس )) التى كنا نـمثلها أحيانا- وتغيظ مولدى أشد الغيظ - فقد اقترحتها إحدى البنات التى اكتشفت الحب المتبادل بينى وبين ابنة عمتى خديـجة . تبدأ اللعبة باحتلالنا لسقيفـــــة دار عمتى . فتحــــف البنــــــــات بخـــــــديـجة ، يغنين ، ويزغردن ، ويهيئنها للزفة . . ويـحيط بى الاطفال ، فانتخب من
بـيــــنهم وزيرين يـحفان بى يـمينـــا وشــمالا . ونشـــــــرع فى العـــــــــرس ، فيتقــــــــــارع ((الحجابة))أمامى بالعصى على دقات الصناديق،ويأتى الحجام ليحلق لى ويشتد الصخب فيسلط وزيرى الايـمن على كل مشاغب مخالفات تطلب منه انجاز عمل قد يكون مضحكا أو عويصا . وتنتهى اجراءات العرس ، فيصـيح وزيرى الأيـمن : ( عاشق النبى ، يصلى عليه . . ) فأهب واقفا يحيط بى وزيراى ، ويسيـــــر (( الحجابة )) ورائى الى الزاوية التى تعد فيها البنات خديـجة . . ويجلس معى الحجابة للعشاء ، ونفرغ من الطعام ، فيصيح وزيرى الأيـمن : ( العرس دام . . البرانى على برا . . ) فينفض الأطفال من حولى ، وينفرط عقد البنات . .
وأجد نفسى وجها لوجه أمام خديـجة ، فترفع نحوى رأسها وقد أحمر وجهها ومارت فى عينيها نظرة لامعة . . وسرعان ما ينهى مولدى موقفى معها ، هذا اذا لم ينهه دخول أحد الكبار فجأة الى السقيفة ، فتذعر خديـجة وتنفلت هــــاربة ٠٠
د ) - ظلال الصورة : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خديـجة : اغنية !.
طلع النهار .. بزغت الشمس.. هيا ، يا رجل.. - لماذا أنت جالس ( وحدك ) فوق (( دروج العراسة )) تحت سور (( البرج )) ؟ .. خرجت خديـجة من الطرميل .. استحمت ، وازدانت (( بالخلخال ، والنبيلة ، والنواش )) .. ذهل الرجل حين رآها .. طار عقله .. ضحكت خديجة ، قالت له : - ( عيناى مكحولتان بليل (( تايله )) . . . . حاجباى مزججان بـــــ : (( الحرقوس )) .. . . شعرى معطر بقرنفل (( بو سعدون )) . .
.. يداى مخضبتان بحناء أعراس (( كروره )) .. .. إذا أردت خطبتى ، فاصعد الى جبل (( العساله )) .. فوراء أجمات أشواك (( واد ايلو )) يقع منزلنا .. سقفه يقبل نخيل (( الدڤله )) ، وبابه يعانق شوارع (( الدوالى )) .. ) ذهل الرجل .. طار عقله .. أمسك خديـجة من (( حرامها )) ، فطار من يده ، ووقع (( بخنوڤها )) ، فالتقطه ، وإذا هو من حرير مصنوع فى (( الجريد )) . تعالوا ، يا أولاد .. تعالوا نلعب .
- : أولاد . . يا أولاد .. يا أولاد حومتنا .. كنت فى (( المناريين )) ألعب فى دار عمتى بالكجج .. الحوش مترع بشمس الربيع .. ودجاجة عمتى السوداء تقوقئ : قاق .. قاق .. قاق .. الغرفة مغلقة .. أين خديـجة ؟ مفتاح الغرفة ضاع فى حومة (( باب الجبل )) .. صاح الديك فى (( باب ڤسطاليه )) : كوكو .. كو .. كو .. عرفه الأحمر ، كشفتى خديجة ، أحلى من (( الدڤله )) ، يفوح بعطر (( الصخاب )) .. صاحت عمتى :
خديـجة . . خديـجة . يا أولاد حومتنا ، هل رأيتم خديـجة ؟
- يا ابن خالى .. يا ابن خالى .. سعف النخيل ، ظلل شعرى .. وسلسلة (( النواش )) تطوق جيدى . . . أصفى من (( الجمار )) . بستان جارنا فى (( ترتش )) ، به ياسـمين ، وورد ، ورمان .
_ كانت فى غابات (( تايله )) تسرق الياسـمين .
- ساقية (( واد الكبير )) تغنى .. رأيت فى مائها الصافى لون عينى .. ذوائب ضفيرتى غمستها فى (( لاله العوينه )) .
كانت فى غابات (( تايله )) تسرق الرمان . ماء حبات الرمان ، صبغت فمها . يا بنات ، انظرن صدرها ، خبأت فيه رمانتين . أفيقى ، يا خديـجة ، ستمطر السماء .
- انـهمرى على شعرى ، فابن خالى سيجففه .. انـهمرى على شعرى ..
انـهمرى .. انـهمرى .. تعال ، يا آبن خالى . هيا إلى الطرميل .
ه ) - الصورة : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فى الطـــــــــــــرميــــــــــــــــــــل
سقيفة دار عمتى تغرق فى ظلامها المعتاد .. والشمس فى كبد السماء تشوى الوجوه بضيائها الساطع .. - خديـجة .. خديـجة .. انكمشت فى مكمنى خلف الدكة لئلا ترانى عمتى سالمة .. فى يدها قلة ..
تبحث عن ابنتها خديجة لتأمرها يملء القلة من الطرميل .. لا شك فى أن وقت الآذان لصلاة العصر قد قرب . - خديـجة .. خديـجة .. - تشو .. تشو ..
غلبنى العطاس ، فعطست . وسريعا ما فطنت عمتى لمكمنى ، فتنحنحت وقالت فى ارتياح : - من ؟ : يوسف ! أأنت هنا ؟ ! تعال ، هداك الله . . املأ لى القلة من الطرميل لأتوضأ .
حدثتنى نفسى بأن أطلق ساقى للريح ، غير أن عمتى - وقد ألفت فرارى المفاجئ من وجهها كلما طلبت منى قضاء حاجياتـهـا - بادرت الى سد باب السقيفة .
- سأعطيك بيضة مسلوقة إن أنت أسرعت بالاتيان بـها مملوءة . أيصدق الوعد ، ولا تتعلل عمتى - فى الدقيقة الأخيرة من التسويف الذى قد يدوم أياما - بأن الدجاجة لم تبض ، وأن على أن أنتظر ؟ ! لكم يحلو فى
أشداقى مح البيض ! إنه أرطب من شعر خديـجة ، وهو يفوق حلاوة الدرڤلة بدفئه إذا أخرج من قشرة البيضة الساخن .
قلت : - عمتى ، احلفى براس النبىء الطاهر . - ورأس النبىء الطاهر .. خطفت القلة من يدها ، وطرت بـها أطوى الأنـهج والأزقة .. كثيرا ما كنت أجدها قد انتهت من عبور السقيفة الطويلة المظلمة حين أخرج من أمامها بـهذا الاندفاع ، فتدهش ، وتثنى على ، وتؤكد لى مرتين أو ثلاثة أنـها لم تكن تتصور أننى سأحضر قبل أن تعود الى الجلوس فوق جلد الخروف الذي تبسطه فى ركن بيتها ..
(( بر .. برم .. بربربر .. )) . كان ذاك صوت محرك السرعة الذى تبرطم به شفتاى .. وصلت البطحاء ، فلاحت لى ظلال (( البرج )) تنطرح فوق الارض على قيد ذراعين من حجاراته الضخمة . وقد انعكست فى ظلال تعاريج الشرفات خوذة الحارس السينغالى .
هبطت درجات الطرميل وثبا ، وقد أسكت مـحرك سرعتى وأخذت أدندن : (( يا وألاد حومتنا .. )) كنت فى (( المناريين )) ألعب فى دار عمتى بالكجج .. وأطبقت بسرعة شفتى .. كان مؤدبنا الشيخ يونس يقرفص فوق حجارة ضخمة مفروشة وسط حوض الماء .. يبدو أنه يبحث فى الحوض عن شئ .. ربما سقط منه (( دورو )) ، أو مفتاح الكتاب ، أو زر قميصه ..
وأخرج يديه المغموستين الى المرفقين فى الماء ، ورفع رأسه ، وأداره لى .. خرير الماء المنبثق من فتحات جدار (( البرج )) يهرهر .. وشعرات ذراعى المؤدب تنفلت منها القطرات .. خفض اكمامه بسرعة ، ووثب من الصخرة الى حافة الحوض ..
- مساء الخير ، سيدى . _ ... ... اجتازنى دون أن يرد على تحيتى ، وطوى بـخطوات سريعة مسافة المترين الواقعة بين الحوض وباب مسجد سيدى صالح .. ونزلت الى الصخرة ، وصلبت فم القلة ..
(( بق .. بق بق .. بق .. بق بق بق ..
وارتفع وقع الخطوات . ورفعت رأسى .. كان مداس المؤدب يطوى الدرجات صعودا .. ظننته سيصلى الظهر ، أو يؤدى ركعتين تحية للمسجد ( حسب عادته ) ، ولكنه يخرج متعجلا .. ما به ؟ ! أعثر عن ضالته ؟ ودارت عيناى فى الحوض حيث كان يخضخض الماء بذراعيه .. وامتلأت القلة ، فدفعنى الفضول لأبحث عما كان يبحث عنه المؤدب .. الماء صاف .. تـمور تعاريج ضوء الشمس المترقرقة فوقه بخيوط تشبه الخطوط المرسومة فوق ظهور السلاحف .. أدق الأشياء ترى بوضوح : رمال ، وحصى ، وقطع فخار مكسور .. ولا شئ أكثر من هذا .. وخضخضت يدى فى الماء ، وقلبت بعض قطع الفخار الكبيرة .. ربما اندس وراءها (( الدورو )) ، أو توارى وراءها المفتاح .. وجال فى ذهنى أننى إن عثرت على (( الدورو )) فسوف لا أرده الى المؤدب . أما اذا وقعت على المفتاح فسأبادر بتسليمه له صباح غد ( بعد انتهاء عطلة يوم الخميس ) فى ضجة تلفت لى أنظار الأطفال . وتمنيت لو أننى كنت سأسلم له المفتاح صباح يوم الاثنين أو الاربعاء لأننا كنا نحظى يوم الجمعة ( بتدليل خاص ) تختفى فيه العصى والفلقة ، ونتمتع بقضاء صباح نقتصر فيه - لمدة ساعتين - على الترنم بـــــ : (( البردة ، والهمزية )) وشرب الشاى من يد المؤدب .. وغالبا ما ندعى إثر ذلك لاحدى المنازل لنحتفل بـــــ : (( ختمة )) من انتهى منا الى حفظ الجزء المعلوم من القرآن . وكان مؤدبنا حريصا على أن لا يجرى الاحتفال الا فى ضحى يوم الجمعة . وكنا سعداء حقا بيوم الجمعة ولو لم تكن به (( ختمة )) .. فعندما يطلق المؤدب سراحنا من الكتاب أو من منزل المحتفل بــــــــ (( ختمته )) نطير فى الشوارع صائحين :
( مدبنا سرحنا .. وعظيماته فى الجنة .. ) . لا شئ غير تعاريج الضياء المنسكبة فوق الماء الصافى .. ورفعت قلتى ، فاصطدمت بحافة الحوض ، وتكسرت ..
( يا ربى ، ماذا أقول لعمتى ؟ خسرت البيضة ! . ومن المتوقع أن يلهب أبى ظهرى بالعصا ، أو يشوى المؤدب رجلى بـها ان شكتنى اليه عمتى .. ما العمل ؟ ) . أجلت نظرى ، فوقعت عيناى الزائغتان على قلة تشبه قلتى ، مطروحة بجوار الدكة فى مدخل المقاصير ..
( سأبادر بأخذها عوضا عن قلتى .. من الممكن أن لا تفطن لـها عمتى . واذا فطنت ، فسأزعم بأنى لم انتبه لتبديلها .. (( ملأتـها - يا عمتى - ووضعتها على حافة الحوض ، وأخذت أغسل وجهى .. آه ، النذل ! عرفته - يا عمتى - طفل من حومة المناريين انتهز غفلتى وأخذ قلتى ! )) .. ولكن قد تكون هذه القلة خيرا من قلة عمتى .. سأقول لـها - أخيرا - : (( أليست هى خيرا من قلتك ؟ )) .. ماذا يعنيها من كل هذا ؟ . إنـها تريد قلة مـملوءة بالماء ، وهذه قلة سأملؤها لـها ان كانت فارغة .. سآخذها .. سآخذها .. )
فجأة سـمعت سعال طفل . عجبا ، كنت أحسب الطرميل خاليا ، وأن أحدهم نسى قلته ! .. ترى ، أهو صاحب القلة ؟ ما الذى أغرى هذا الطفل بالعوم في طرميل الرجال ؟ ! ثم ، من هو ؟ لم أسمع ضجيج الماء الذي يحدثه من يعوم في المقاصير .. أكان يكتم حسيس الماء لئلا يفطن به المؤدب ؟
جمدت يدى على القلة .. هل سعل لأنه شعر باقدامى على سرقة قلته ؟ هيه ، إنها مـملوءة .. سأحملها ، وأبادر بالخروج فى سرعة من الطرميل .. سأصارعه إن لحق بـى وحاول استرجاع قلته .. سأدعى بأن قلته هى التى تكسرت .. ((من كسرها ؛ لا أدرى . ربـما رماها أحد الاطفال بـحجارة وهرب .. )) آه ، وجدتـها ! (( عثر فيها المؤدب .. لم تسمعها تتكسر ! ؟ لكنك كنت تكتم حسيس الماء ، لئلا ..))
وشدنى الفضول لمعرفة الطفل .. في إمكانى أن ألقى نظرة على غـــــــــــريـمى ، وآخذ القلة وأسرع فى الخروج .. قد لا أستطيع مصارعته ، وعندها يكون الركض أوكد فى الـهروب بالقلة ..
وقفزت - آخذا بمبدإ الاسراع - وأطللت برأسى على المقصورة التى تفتح على المقاصير الثلاث المتقابلة . ربـما اختبأ فى تلك . وخطوت فوق الدكة ، فانطرش الماء فجأة على وجهى ، وغاص وجــــــ .. ـــــــــه .. وجه .. عجبا ! وجه
خديـجة ! ! وتلوى جسدها العارى تحت الماء وانفلت تحت المشتيـــــــر .. ولـم تنسحب عيناى بعد عن باطنى رجليها وهما تـختفيان ، حين علا صوت جسم ينزلق الى الماء ، فالتفت ، فلمحت رأس غريـمى مولدى يدور فوق سطح الماء فى حلبة المقصورة ..
صحت: - أنت هو ! يا ابن الكلب . نفخ الماء عن فمه ، وقال لاهثا : - يوسف ! انظر هناك ..
ورفع جسمه ، وأخرج يده ، وصوبـها فى اتجاه المقصورة المواجهـة ..
لاح الماء داكنا في ركن يبعد عن المشتير .. واقترب مولدى من الدكة ودفع يديه ليتشبث بحافتها ، وهو يقول فى صوت واجف :
- عسكرى مقتول بـموسى .. صحت : - كذاب ! - ألم تره ؟ انظر ، يا يوسف ، انظر ..
وفى الركن الذى أظلم فيه الماء ، لاح لى جسم خشن يغوص فى وضع غير متماسك .. وانسابت لطخة من الماء الداكن منزلقة فى اتـجاه خروج مولدى فسطا عليها الضوء النافذ الى المقاصير ، واذا هى حمراء يـحاول سطح الماء إذابة لونـها القانى ..
ولم يؤثر فى - بعد - معنى عسكرى مقتول ، فصحت فى مولدى وأنا أمسك به فينزلق منى لحمه العارى :
- خديـجة ! ماذا كنت تفعل مع خديـجة ؟ وسقط المولدى فى الماء ، وأخرج رأسه ، ونفخ الماء عن خياشيمه وفمه .. وصاح فى حرارة : - أرسلتها النساء لترى ما تسرب إليهن . - تكذب .
واصل ، وهو يـحاول الامساك من جديد بحافة الدكة : - غمر الدم طرميل النساء . - يا ابن الـحلوف ، ساقتلك ..
أمسك مولدى عن تسلق الدكة ، وقال فى حزم : - هيا نـهرب .. لنسرع بالخروج من الطرميل . - سوف لا أدعك تفلت منى .
- دعنى أخرج . - لا .. أبدا .. أبدا . . رفع صوته :
- اذا أردت أن نتعارك فليكن فى الحومة .. انظر .. إن هنا عسكريا مذبوحا .
انصرفت عيناى الى الركن ..ظلمة الماء تتفسخ .. ظهر بوضوح جسم العسكرى .. يبدو مكورا ومغروزا .. زحفت أوشال أخرى داكنة إثر خروج يوسف - سريعا ما تفسخت فظهر الماء بعدها مشوبا بـحمرة باهتة كـــ (( طبخة )) الشاى الثالثة التى يوزعها علينا المؤدب ..
ومد مولدى يده الى ثيابه التى كورها ووضعها فوق حافة جدار المقصورة ، فانطلقت عيناى الى حافة جدار المقصورة المواجهة ، فرأيت بذلة العسكرى منشورة فوقها ..
عسكرى مقتول ! ! أسرعت بالانسحاب من المقاصير متذكرا وجوب المبادرة بأخذ القلة التى قد تكون لمولدى .. سآخذها كدافع ثان للعراك .. عجبا ! ! لم تكن القلة فى موضعها ..
وفي أعلى مدرج الطرميل رأيتها فى يد رجل يتعجل الخروج .. ولحقت بالرجل .. وبغتة أسرعت راكضا لاجتازه .. لقد كان .. كان - بعينه - مؤدبنا .
