الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

الطفل في البيئات الثلاث

Share

ان كلفة الحياة ما انفكت تزداد وتكبر وقيمتها لم تتراجع عن الصعود او هى لم تستقر ولا ينسحب هذا على الجانب المادى فقط بل يشمل ايضا النواحى الاخرى بمختلف وجوهها : الاجتماعية والثقافية والعلمية .. الخ والتربية لم تشذ عن القاعدة فغدت تتطور وتتحول وهذا طبيعى فالنظريات تتقدم وعلم النفس التربوى وعلم نفس الطفل .. وبقية العلوم تزحف يوما بعد يوم الى الامام مخلفة وراءها مقاييس جديدة ومعايير طريقة ونتائج غريبة . فأصبحت مسؤولية الاسرة أكبر ودورها أعظم ولم يعد عمل الابوين مقتصرا على الانجاب حفاظا على النوع واستمرار الحياة ، بل اصبحا مطالبين بالسهر على التربية والتوجيه .

وقد يتهاون احدنا بهذا الدور ظانا ان الطفل صغير معتقدا ان سنوات المدرسة ستزيل ما يعلق بذهنه وسلوكه من ادران مستبسطا تلك الاحداث التى يعيشها ابنه قبل السنوات الست وهذا لعمرى أكبر خطا وقع ويقع فيه الكثير الكثير من الاولياء حتى هذه الساعة وهم لا يضعون مثل هذا التصرف فى باب التنصل من المسؤولية فالبعض يلجأ الى الجهل والآخر يتذرع بضيق الوقت والآخر يأبى ان يقوم بدور المدرسة قبل أوانها .. الخ . ان هذا الهروب من المسؤولية فى اجلى مظاهره لخيانة للمجتمع تحت قناع زائف وضرر بالنشء فالطفل يفتح عينيه فى البيت ويبقى فيه مدة ليست بالقصيرة ثم يخرج منها فيجد نفسه فى الشارع وبعد سنوات يحمل الى المدرسة حيث يقيم يوميا الساعات والساعات ولا بد أن تخلق كل واحدة من هذه المحطات أثرها الذى سيكون له أى دور فى مستقبل الحياة ومن البداية لا بد ان نبين قيمة البيئة الاولى لعدة عوامل لعل أكثر الوالدين يتناسونها ويهملونها وهى لا تقل قيمة عن غيرها من الفترات الاخرى .

فى البيت :       يولد الطفل ويقضى فترة طويلة من عمره معتمدا على افراد أسرته وخاصة أمه وهذا العجز حكمة من الخالق وليس عيبا او عقابا أنزله به فلم يكن الوليد البشرى كبقية الحيوانات سريعا ما يعتمد على نفسه . فكلما احترمت العائلة تلك المدة وساعدت طفلها على تجاوزها بكل يسر دون ان تحاول حرق المراحل او دفعه دفعا الى عمل لم يحن اوانه كلما استفاد ابنها من هذه المرحلة الزمنية واستغلها احسن استغلال .

الا فليعلم كل أب وكل أم ان شخصية ابنهما مرتبطة أشد الارتباط بدورهما وسلوكهما عندما كان طفلا صغيرا . فاما قوى الشخصية قوى العزيمة ، شجاع ذكى ، اجتماعى ، يقبل على المشاكل فلا يهابها ، ينضم الى المجموعة فلا يخذلها يعتمد على نفسه فلا يحتقرها، يحترم فرديته فى دون كبرياء، يحب مجتمعه ويذوب فيه فى دون احتقار لذاته . واما ضعيف الشخصية ، ضعيف العزيمة ، جبان ، بليد ، انعزالى ، يخاف من المشاكل يكره المجتمع ، لا يعطى قدراته حق قدرها .. الخ . نعم ان مستقبل هذا الابن مرتبط أشد الارتباط بسلوك وتصرفات الابوين فى السنوات المبكرة الاولى ، نعم ان الطبيعة ارادت ان يكون الطفل طفلا فلماذا يعارضها الوالدان فيحملان الطفل على المشى قبل أوانه أو على الكلام قبل وقته أو على الانصياع فى فترة بروز الشخصية أو على اسكاته بعنف عندما تظهر مرحلة السؤال .. ففى السنوات الثلاث الاولى تتكون ( او هى بقيد التكوين ) شخصية الطفل ، ففى السنتين الاوليين مثلا تظهر دوافع بيولوجية بدائية ضرورية - لابد منها - للبقاء : حب اطلاع ، عدائية ، خوف .. الخ . وفى السنتين الثالثة والرابعة تنظم وتنسق تلك الدوافع تحت مراقبة العزيمة والارادة وفى هذه المرحلة بالذات توضع أسس بناء الشخصية والمطلوب ان نرضى ونلبى نداء ذلك الشعور بالتبعية فلا نعتبره عيبا يحسن التخلص منه وبسرعة وذلك بجعله مطمئنا فى حياته لا يخشى شيئا ولا يشعر مرة انه فى خطر . فى السنة الاولى تبدأ تمرينات العضلات والسيطرة على بعض اجزاء البدن فتراه يحرك اطرافه ، يقلب رأسه .. فلا ينبغى ان ننظر الى ذلك وكأنه عبث الطفولة او الطبيعة انه يستعد للقبض للوقوف ، للمشى .. الخ . عندما يجد نفسه فى بحر سنته الثانية حيث يرمى بنفسه للقاء الاشياء والاشخاص فقد غادر محطة الراحة والهدوء ودفع بنفسه - عن رغبة - فى حركة حتى يجلب الانتباه اليه ، ومن الخطأ الفادح والخطر ان نحول دون هذه الرغبة يجب ان نشعره أننا ننظر اليه ونهتم بأعماله ونحب مشاركته فان لم نفعل ذلك بحث هو عن هذا الاهتمام وهذه المواقف داخل ذاته فيصبح ضد المجتمع لانزوائه وكثير الغضب

لانطوائه يريد ان يفخر بنفسه ويعرض ما عنده بما ان الآخرين لا يولونه نظرة . وبداية من السنة الثانية هذه بعد ان يطلب انتباه الآخرين يوجه انتباهه هو الى الاشياء الى خارج ذاته . ويعينه على ذلك قدرته على المشى فاذا حلنا دون اكتشافاته للكون بدعوى انه صغير او خوفا على ما يحيط به فقد لذة الحياة وانتابه القلق ولعله يتأخر فى نموه ويتراجع الى الوراء كما انه يبقى ملتصقا بثياب أمه لا يتجاسر ولا يبادر وقد ترى اصبعه فى فمه الوقت الكثير والمطلوب اذن هو توفير ما يمكن توفيره من لعب وأشياء ليشبع حب الاطلاع هذا او الرغبة فى الاكتشاف تلك . انها فرصة ذهبية لابد من استغلالها فى التربية والتعليم .    اما التقليد فهى نزعة غريزية لأننا لا نعلمه للطفل فهو يكتسبه طبيعيا . واذا كان التقليد يبدأ بعد أسابيع من الولادة فانه لا يشتد الا بين السنة الاولى والسنة الثانية . انه نعمة الخالق فبواسطته يتأقلم الطفل ويتكيف والمواقف التى ستعترضه والتى لم يكتسب لها حلولا غريزيا ، فلماذا يحول أحدنا دون التقليد ؟ لماذا يغضب الكهل وتثور ثائرته عندما يلاحظ ابنه يقلده ؟ فكيف سيتعلم اذن وهو الضعيف وكيف سيجابه الحياة وهو الاعزل ؟ على الوالدين ان ينميا تلك النزعة بل ويوفرا لها أسباب النمو وقد يلجأ بعضنا الى التبرم الى الكلام وهذا لا يجدى نفعا فالطفل لا يهتم بما تقول بل بما تفعل ، فلنعطه المثل الصالح واذا اردناه أن لا يقلد ما نكره فالحل الاسلم بل الوحيد ان لا نفعل أمامه ما نريد ان ننهاه عنه . ويلاحظ الكثير من الآباء والامهات ان العامين عمر العناد وتشتد أزمة الشخصية فى سنته الثالثة حتى الخامسة تقريبا فتكثر معارضته وتكثر كلمة « لا » باستعمالها كثيرا ويتمسك برأيه فى أغلب الحالات ومن لا يقبل هذا يكون كمن لا يقبل الطفولة عند بنى الانسان فهل نمنعه ؟ هل نحتار ؟ طبعا لا ان الطبيعة التى جعلته يعيش فى تبعية مطلقة فى مدته الاولى تنقله اليوم الى ابراز ذاته ، فليعلم الجميع انه موجود يريد فيفعل . فمن يلجأ الى الخوف والعقاب عليه الا يختار ويتألم عندما يكون ابنه فى المستقبل ضعيف الشخصية ، سهل التأثر دون عزيمة قليل المبادرة . فعوض العقاب ينبغى ان نتركه يعبر عن رأيه واذا أراد شيئا خطيرا نعلمه كيف يفعله عن فهم ودراية فسيعرف - ولو بعد حين - ماذا يفعل وماذا لا يفعل اما اذا كان الامر يتطلب منعا باتا ومطلقا والحياة لا تخلو من الممنوع يجب ان نكون حازمين فلا تراجع ولا تساهل فى تلك الاشياء القليلة جدا التى منعناه عنها لأنها اذا كثرت غدت الحياة كلها موانع فلنترك لهذا الباب ما قل وندر . واذا أردنا أن تكون له عزيمة فولاذية فليعرف معذ كلمة « لا » عندما نستعملها نحن الكهول ولا داعى حتى للشرح شريطة أن لا نلجأ الى هذا الصنيع الا نادرا دون أن نقبل المساومات وانصاف الحلول بعدها عندما نأمر لا بد أن نطاع لأننا نربى .

يبلغ الاربع سنوات فتتكون شخصيته فلقد تكونت عنده الأنا العليا نتيجة احتكاكه بوالديه او الآخرين كان عاجزا يشعر بالتبعية الى حد الآن فهو يحس باستقلال وتحدثه نفسه بالاستغناء عن أبويه لأن شخصيته بدأت تظهر وتفرص نفسها بكل وضوح فسلوكه قصدى وتصرفاته هادفة يوجه كل طاقاته نحو هدفه لا اتجاهات او غرائز بدائية بل غايات فهو بدأ يحكم على الاشياء ويفكر فيها ويريد أن يعرف كنهها فهو فى عمر السؤال فالمطلوب ان لا يغضب ويقلق الابوان بل يجب عليهما أن يجيبا قدر المستطاع على الاسئلة التى يريانها فى غير محلها او غير نافعة .. انه على ابواب فترة انتقالية سيعتمد على نفسه فلا بد ان يسأل عن هذا العالم والا فكيف سيخوض غماره وكيف سيتشجع ويعول على مجهوداته الخاصة اننا فى عتبة مرحلة الفردية التى تمتد بين أربع وسبع سنوات والفردية هذه تبدو فى حبه للتطور فى نمو الاحساس بالقوة فى فرض ذاته فهو يستعمل ما يجده أمامه ليثبت قدرته وقوته وليس ذلك بدافع شر وإنما الغاية نفسية فى ذاته حتى يقنع الجميع أنه قادر قوي موجود ، ثم تنتابه فى تلك الفترة ظاهرة الثقة بالنفس فيراقب حركاته ويتحكم فى بعض دوافه ويبتعد عن تلك الازمات : ازمات الصياح الطفلية البحتة لكن فرديته هذه لا تمنعه من التعامل مع اترابه وخاصة فى ألعابه ، وطبيعى لكى يبرزها لا بد من اشخاص حوله يحاول ان يتفوق عليهم ان يوجههم ان يقودهم وحتى ان غير عنهم فيتركهم ويلتفت الى ناحية أخرى ليواصل نشاطه. فالمطلوب ان نسانده على تجاوز هذه المرحلة لا بالعقاب والزجر لا بالفرض والمبالغة فى التوجيه بل بحسن المعاملة باستغلال النشاط الزائد بتوفير جو الاصحاب حتى يكون الطفل اجتماعيا محبا للغير .

فى الشارع : ان الخروج من البيت لابد منه وكل من يحول دون طفله والشارع لملاقاة الاتراب يكون قد ارتكب خطأ جسيمات فالحياة لا تقتصر على ما يجرى فى البيت فقط . وعوض ان نحرص على هذا الفصل يكون من المفيد توفير البيئة الطبيعية التى يسمع فيها ابنك الكلمة الحسنة ويجد فيها المعاملة الحسنة حتى يكره الكلام البذىء والقذر الذى تعج به بعض الشوارع سيخالط أصحابا ليس من العيب فى شىء ان يشاطرهم نشاطهم وألعابهم ، ففى هذه السنين الاولى لا يدخل بالمرة عامل الجنس واللون ولا المستوى الاجتماعى انها البراءة بعينها فلو نتركه عليها ونعلمه اياها طيلة حياته وحمله على المحافظة عليها حتى لا يجرفه تيار الكبرياء فى الشارع ليكتسب فى كل مرة تجربة وسيتعلم فى كل يوم شيئا جديدا وتزداد خبرته وسوف لا يقتصر هذا التطور على ناحية واحدة بل سيشمل

جسمه الذى سيجد الفضاء الرحب الواسع والاشياء المختلفة الاحجام والانواع فيحرك يديه ويجرى ويميل يمينا ويسارا فتتدرب عضلاته وتنمو ويشتد عوده وسيشمل ذهنه فيتعامل مع اشياء وأشخاص فيعرف اللين والصلب المرن والخشن الثقيل والخفيف الحار والبارد الجميل والقبيح .. الخ. ثم الوديع والشرير الصديق والعدو الكريم والبخيل .. الخ . ثم السهل والصعب، الحلو المر النجاح والفشل .. الخ . وقد يجد بعض هذا فى البيت لكن تجربته تبقى ناقصة إذا لم يكملها الشارع الذى ينبغى ان تتآزر جهود الجميع لتنظيفه ولتتقيته .. فى الشارع يمارس الحياة الممارسة الحقيقية فتنمو شخصيته نموا متوازنا متناسقا والام الحاذقة المربية او الاب العارف المربى يستغل الشارع ليتعرف على ابنه على مختلف جوانب شخصيته . الا يلاحظ الكثير من الوالدين ان طفلهم هادىء في البيت مهرج فى الشارع ثرثار فى البيت قليل الكلام خارجه يحب السيطرة بين أفراد أسرته خانع مستسلم بين أصحابه .. والعكس صحيح فمثل هذه الظاهرة التى تظهر تناقضا ليست طبيعية ابدا يجب البحث عن أسبابها والاسراع بعلاجها الم يتح لهم الشارع فرصة ثمينة لمزيد التعرف على الابن فلماذا اذن نتهم هذه البيئة بشتى التهم ؟ لا نرى منها الا الجانب السلبى . نعم الشارع يزخر بأنماط واشكال وانواع من الاطفال تتضارب مشاربهم وأهواؤهم فتعارض رغباتهم وميولاتهم .. لكنه على كل حال جزء من المجتمع جزء من الحياة اذا اتفقنا على عدم قبوله على علاته فانه يتكون منا نحن من اعمالنا من تصرفاتنا انه نتيجة تربيتنا فاصلاحه أولى من حرمان الطفل منه ومعالجته افيد من عزل هذا الطفل عنه حينا من الزمن ولو فعلنا لكان طيلة حياته منزويا منطويا على نفسه غير اجتماعى يغرق فى أبسط المسائل الاجتماعية يحار امام اول صعوبة يعجز عن الحديث فى الجماعة يكره المكافحة والمناظرة يخشى من أحكامه يسيطر عليه مركب نقص..الخ. فما يوفره الشارع لا يوفره البيت.

فى المدرسة : المدرسة خلية حية لكنها خاصة لها مميزاتها وخصوصياتها شكلها يختلف عن شكل الست ونظامها بعيد عن نظام البيت والمترددون عليها لا تربطهم نفس الروابط الاسرية فى كثير من الحالات .

لكن من المفيد ان نعرض ما يتميز به الطفل من عامه السادس هذا حتى سنته الثانية عشرة .

التطور الجسمى : ان النمو الجسمى يفقد تلك السرعة التى ظهرت فى فترات من الطفولتين السابقتين ويتجه التطور الى العضلات الصغيرة فيصير

يتحكم فى الاعمال الدقيقة بعض الشىء اما من ناحية المخ فيعتقد انه بدأ يكتمل يتغلب النمو الطولى على النمو العرضى .

التطور الذهنى : بما أن المخ بدأ يصل مرحلته النهائية فانه من الطبيعى ان يكون النمو الذهنى سريعا نسبيا فحتى المراكز العصبية الاخرى ترتبط ببعضها وبالمخ . واذا كان الانتباه لا اراديا فيما مضى فانه فى هذه السن ارادى طويل المدة وتأخذ الملاحظة فى التدرج نحو الدقة . ان الطفل لا يزال تفكيره بعيدا عن المستوى التفكيرى للكهل وقد اصبح يعرف ويفهم المدركات الحسية كالالوان والاشكال .. وغيرها .النمو اللغوى الكبير يساعد على تنمية قدرته على التصور والتخيل لكن هذا الخيال يبقى ملتصقا بالواقع فهو عاجز عن الابتكار الخيالى على الاقل فى بداية الطفولة الثالثة هذه لانه فى حاجة الى الملموس الى الواقع وقد يصل التذكر درجة قصوى على حد تعبير بعض المربين لكن هذا لم يجمع اتفاق كل العلماء وليس الانتباه والملاحظة والتذكر .. الا عوامل بل مكونات التفكير بصفة عامة هذا التفكير الذى سيتخلص من الانانية والمحاكمة النقلية و ... لذلك لابد من التدرج من المحسوس الى المجرد شيئا فشيئا اعتمادا على المناظرة والمحاكمة والمحسوس فصوره فالمجرد بالموازاة مع السن .

التطور الاجتماعى : للمدرسة دور كبير فى النمو الاجتماعى فى هذه المرحلة فموقف المربى وسلوكه وتصرفاته وأقواله ونوعية الاطفال الذين يضمهم فصل واحد له الدور الكبير فى توجيه هذا النمو .

- اصبح له رصيد اجتماعى كبير : فيعرف انه شخص يتميز عن بقية الاشخاص له حقوق وعليه واجبات تجاه المجموعة فتتقلص انانيته .

- تبدأ تتضح الظروف الجنسية فى علاقته كل جنس يميل الى جنسه خاصة فى أواخر هذه الطفولة .

- يستطيع أن يتصل بغيره اتصالا مرضيا فيفهم تطور رصيده اللغوى.

- يميل الى العمل ضمن فريق يختار عناصره خاصة إذا كان الامر يتعلق بالبحث والتنقيب والجمع وتبرز فى هذا المجال القيادة عند البعض فيستجيب له اصحابه اذا توفرت فيه الصفات اللازمة وادركوها حدسيا . يلج الفصل فيجد نظاما لم يعهده وحالة لا عهد له بها . لقد ولى عهد تمييزه على غيره وانقضى زمن يؤثره فيه الكهول ( امه او ابوه ) بالمحبة يكتشف انه احد افراد مجموعة لا يمتاز عليهم الا اذا عمل واجتهد احسن منهم وانه يحترم اذا انضبط وأحب غيره ويعلم ان الحقوق تقابلها واجبات .

اهواؤه لها حدود لا ينبغى ان يتجاوزها يومها يتحقق ان عليه ان يتنازل طائعا عن عديد الميولات ويكبح جماح الكثير من الاندفاعات والفعاليات ويطوع ارادته لخير الجميع حتى يقبلوه اما اذا حدثته نفسه بقيادتهم فلا بد انه يجمع صفات عديدة كالجرأة والقدرة على التبليغ وكسب العطف وقوة التأثير .. الخ . لكل هذا على المربى ان يتحلى بما يبغى من خصال . كسعة الصدر بحبه للاطفال ، وأن يكون عادلا بين تلاميذه صادقا فى اقواله التى لا بد ان تطابق افعاله رزينا فى تدخلاته هادئا فى طبعه حتى يكون القدوة الحسنة لمنظوريه الذين يرون فيه المثل الاعلى وأحسنهم وأكثرهم حظا من يفوز برضاه والشخص الذى يتمثل به مجموعة من الاطفال فى هذه السن بعد الوالد هو المربى ولا احد يحظى بهذه القيمة الا نادرا فيجب عليه اذن ان يكون اهلا لهذه المنزلة فيكون الأب والام والاخ والصديق فى نفس الحين وهى لعمرى من اشق المهمات لكن ذلك قدره والامر فى المدرسة ليس تعليم معلومات وتلقى افكاره وتحفيظ آراءه وقد اصبح هذا لا يحتاج الى تدليل ودور المدرسة ليس الحصول على الطاعة وحمل الاطفال على الاستماع وهذا لم يعد موضوع نقاش وبالاختصار لا ينبغى ان نراه طفلا فى البيت والشارع وتلميذا فى الفصل فلماذا هذا التغير فى السلوك والتبدل فى التصرفات لو وقعت مراعاة نفسية الطفل والجو الذى كان يعيش فيه فمن واجب كل مرب ان يسهل الانتقال ويساعد هذا الكائن على التكيف فى هذا الجو الجديد نظام الفصل لأنه اذا اصطدم بحدة فى الخطاب وتوتر فى العلاقة وصلابة فى المعاملة واحتقار فى الاسلوب لم يعهده من قبل أبدا كره المدرسة ومن فيها والمربى وما يعلم والمجتمع وما يحترم .

ولقد ثبت اليوم للعيان ان المدرسة التى تكتفى بالمعرفة وشحنها وتنظر للطفل وكأنه وعاء معلومات ، فاشلة ولا تخدم المجتمع الذى أنشأها فى شىء اما المدرسة التربوية الحقيقية والصالحة فهى تلك التى تقرأ حسابا للجسم ، للعقل للعاطفة ، للوجدان أى فى عبارة واحدة تأخذ بعين الاعتبار شخصية الطفل بكل جوانبها حتى تنمو فى اتزان وفى يسر وهذا يتطلب من المربين اطلاعا على اهم أسس علم نفس الطفل على الاقل فيعطون لليد على قدر ما يعطونه للعقل ويقسمون بالعدل بين مكونات الشخصية بصفة عامة ) ولا يتغلب النظرى على العملى ولا تنمى الذاكرة على حساب التفكير ولا يطغى الانصات على الحوار ولا يفرض السكون فلا تبدو حركة ولا يغذى العقل وتجوع العاطفة فمن الاولى اذن الا يكلف بتربية وتعليم اجيالنا المتعاقبة من سدت فى وجهه الابواب وعجز عن القيام بأمور الدنيا فى ميادين اخرى فاعتقد جازما ان وظيفة المربى توكل لسقط المتاع أو لمن خانته الشهائد العلمية فلم تستجب لتوسلاته او لعابر

سبيل أوقفته الظروف فى هذه المحطة وسيستقل أول قطار حتى وان كان لا يعرف وجهته ولا تذكرته التى سيدفعها اطفالنا الابرياء الذين لا حول لهم ولا قوة . ان التربية شريفة والمربى اشرف لانه هو خالقها وصانعها ان المدرسة مقدسة والعلم اقدس لانه هو النور والحياة وبانى عماد المجتمعات المتحضرة فمن لا يعتز بمثل هذا فليصدق مع نفسه وليترك الساحة لمحبيها وعارفيها وكفى المجتمع ضررا .

والاطفال الذين يأتون من كل صوب وقد ورث بعضهم عن آبائهم وأجدادهم فاحتفظوا بهذه الصفة أو ذلك المزاج أو هذه القدرة الذهنية وبعضهم الآخر ترعرع فى بيئة متواضعة ان لم تكن فقيرة فعظمت أمامهم المدرسة وكبرت عندهم متطلباتها فبدت الادوات غريبة والانشطة صعبة والقاعة موحشة فكل من فيها يخيف ولا يبعث على الاطمئنان.اذن الفروق الفردية واضحة والمدرسة لا تتناسى ذلك أبدا فقد ساهمت هى نفسها فى اكتشافها فسهل عليها الدواء الى حد قد يبعد ويقصر فتجتهد فى تقديم الغذاء الذى يناسب الجميع تقريبا ولا يكون ذلك الا اذا كف المربي عن التدخلات المطولة وخلق فى المربى الرغبة فى النشاط ودفعه الى الاعتماد على النفس وروضه على مجابهة الصعاب وتدريبه على استعمال العقل فى كل حين وربط النظرى بالتطبيقى والذهنى باليدوى وباختصار يستنجد بالطرق النشيطة التى تجعل الطفل مركز اهتمامها لا المادة . العيب كل العيب ان تزيد المدرسة فى توسيع الهوة بين المتعلمين معرفيا واجتماعيا ووجدانيا .

فى المجتمع : قد يقول احدهم اليس المجتمع المدرسية والشارع وهذا رأى صائب لكنه يبقى دون الكمال فالشارع لا يمثل المجتمع تمثيلا صادقا انه جزء منه لا يظهر حقيقة الحياة الاجتماعية على حقيقتها ولا المدرسية وكم من شخص ابهره نور المجتمع عندما خرج اليه من الشارع وهذا طبيعى وبديهى فعدد الاشخاص اكبر والتجارب التى تمر امام العينين اوفر والخبرات التى يعيشها الانسان اغزر ودراسة الحياة اعمق فمن يبقى سجين فناء المنزل وما أمامه يعيش كمن يطل على الدنيا من نافذة مشبكة يرى ويتصور ولا يتفاعل مع الواقع ولو تخلص من هذا القيد لاصطدم فى البداية بمتناقضات هى صلب الحياة لكن لابد منها بتعقيدات هى ذات التفاعلات بين البشر ومن يقرأ قصة ليس كالذى يحيا اطوارها وليس من يشاهد تمثيلية كالذى يعيش فصولها فعلا ، لذا ان المجتمع ليس كالمدرسة

والشارع فقط والطفل الآن اصبح شابا قادرا على استيعاب معارف وافعال اكثر من قبل . المجتمع هو تلك العادات تلك التقاليد تلك الافكار التى يكاد يتفق فيها المجتمع تلك المحرمات والممنوعات تلك المبيحات والمسموحات وهذا ليس بالشىء الهين فلا الشارع ولا حتى المدرسة يقدران عليه بسهولة ان المجتمع هو المدرسة والشارع وشىء آخر نختلف اليوم فى تسميته لكننا نتفق على مضمونه وقد سبق عرضه .

واذا تحدثنا عن المجتمع يجب ان نكون ملمين بفترة الشاب وما يميزها . فبداية من الثانية عشرة يشرع الطفل فى الدخول فى هذه البيئة الكبرى والاخيرة.مرحلة الشباب يضعها العلماء عادة بين الثانية عشرة والثامنة عشرة الا ان بعضهم يقسمها كما يلى : ( هذا هدفليد ) .

- المراهقة - 12 - 14 سنة يميزها : روح العصابة والنمو السريع للوظائف الجنسية الفيزيولوجية .

- مرحلة تحول : 15 سنة . يميزها تنقل الطفل بل الشاب من الميل الى نفس الجنس الى ميل الى الجنس الآخر .

- مرحلة الشباب الحقيقية 16 - 18 . يميزها محبة الجنس الآخر والمثالية . والشائع عند عامة الناس ان الشباب ثائر لا يعجبه ما هو كائن لا يرضخ الى السلطة سلطة الاب او الام ( الكهل بصفة عامة ) وحتى القانون وهذا لا يعد تنطعا او ثورة بل هو فترة لابد منها لانه يريد ان يكون لنفسه رأيا فى كل موضوع يعترض عليه وفى كل رأى يعن له والدواء لا يحقن فى هذه المرحلة فالعلاقة بين الشاب ووالديه الآن رهينة علاقتهما به عندما كان طفلا صغيرا . هل بعد ذلك التصرف كرها للأبوين او غيرهما . لا طبعا . الا ينبغى ان يشعر باستقلاليته وهى اغلى امنية ينتظرها من أمد وقد اصبح يمقت التبعية حتى لافراد أسرته .

إن الشاب فى المعهد الثانوى مثلا يغيب فى العدد الهائل من امثاله فلا يلتفت اليه احد لذا فلا بد ان يجلب الانتباه بأعمال تبهر الجميع وتخرج عن المعهود وتحيد عن المألوف حتى وان ظهرت فى اعيننا فى غير محلها او حتى سيئة ومن هنا يبدو لنا عدم انضباطه . ان الشاب يجب ان يتحمل المسؤولية فهو يلبى اوامر والديه او غيرهما تلك الاوامر التى يشعر عند انجازها انه يقوم بعمل لفائدة الغير انه بمثابة الكهل الذى يعول عليه ان كتفيه تصمدان أمام العبء انه يتحمل المسؤولية . اما من لم يشعر فى طفولته

بالامن والاستقرار فهو يهاب هذه المسؤولية ويخاف مثل ذلك العمل كما ان الذى عاش فى دلال مبالغ فيه تمتد طفولته فترة طويلة - ان لم يعش طفلا كامل حياته - فلا يستطيع ابدا ان يقوم بعمل ذى بال ولا يجرؤ على مجابهة الصعاب وتبوؤ الصدارة فى الافعال والمواقف. انه بدأ يدخل عالم الواقع فهو لذلك يحبد الاعمال التطبيقية على النظرية يريد ان يعالج الاشياء بيديه لا بعقله فقط يحسها بأنامله لا يشعر بها فقط ولابد ان نذكر ظاهرة اخرى يختص بها هذا العمر وهي لا تكاد تنفصل عن الخصوصيات السابقة . روح المغامرة . فليثبت استقلاليته وقدرته على ذلك وحبه للمسؤولية وقدرته على ذلك وخروجه من طور الطفولة الى طور الكهولة فلا مهرب من خوض غمار مغامرات تصعب وتسهل خطيرة حينا سليمة حينا آخر .. الخ فتراه يعرض حياته للخطر ويرمى بنفسه فى المهالك وخاصة بحضره الآخرين اما اذا كان بمفرده خلا يسلك نفس الطريق اما ان حكى عما فعله فهو يبهرك بشجاعته وكيف هانت نفسه عليه فيختلط الواقع عنده بالخيال لا يريد من ذلك سوى اثبات ذاته فلننصت اليه دون ان نجرح شعوره ولنناقشه دون ان ننزعه من واقعه أو نشعره بتكذيبنا له . كما انه يحسن ان نوفر له فرص المغامرة المفيدة والآمنة : المكان ، الزمان كالتجول مثلا .

فهل توفر المدرسة وحدها او الشارع وحده او الاثنان معا البيئة اللازمة لينمو الشاب وتجد تلك النزعات جوها الملائم ؟ ان المجتمع الذى لا يقرأ حسابا لنفسية الشاب ولا يعرف نزعاته واتجاهاته وخصوصياته يدفع بنفسه قدما الى الفناء ويفوت على نفسه فى كل حين الفرصة ليبنى كيانه على اسس متينة . على ان مجتمعا يقوده شبابه فيتساهل معه يقبل منه تجاوزا للأخلاق المألوفة وتحيا للقيم المعروفة وتهاونا بالنواميس التى يحترمها عامة الناس واحتراما للقوانين التى يرضخ لها كل المتعايشين مع بعضهم البعض لمجتمع دب فى جسمه المرض وبدأ يأكل لحمه الهلاك ونخر عظامه السوس فالطاعة فى دون خوف ضرورية والحفاظ على الثوابت الصلبة فى دون تعصب واجب فهل تحجب عنا التقدمية اصالتنا ؟ وهل تشوش علينا البدع استقرارنا ؟ لا يمكن أبدا أن ينقلب التطور الى انبتات ولا التحضر الى تفسخ وتميع وانحلال فبقدر تفهم المجتمع لشبابه والتسامح معه بقدر وقفته الحازمة ضد تياراته الجارفة التى يستلهمها من قصصه وافلامه ومحادثاته وعسى أن نرى فى الحاضر خير شاهد.

اشترك في نشرتنا البريدية