من منا ، مهما تعددت اشغاله وثقلت همومه ، لم تراوده يوما أطياف الصبا ولم يستخفه الطرب الى صور الطفولة ولذاتها الابكار واحلامها الحسان ! ؟ من منا ، مهما طغت عليه حياة العصر باعبائها الثقال ، لم يشته فى بعض ساعاته أن ينغمس ويغيب ويضل ضلالا بعيدا فى دنيا الطفولة ، ولا رقيب ولا عذول ، أن يعود الى الموطن المهجور ، وقد خلع شخصه الثاني المستعار ، وتجرد مما ألبسته اياه وأثقلته به السنون ، واستعاد بكارة نفسه وفطرته الاولى ! ؟
أف للرصانة والوقار ! وقاتل الله كل زميت ثقيل ! وتتوق النفس الى الوصال وتنصرف ، وقد برح بها الظمآ والحنين ، تخطب أجزاء ذاتها السارحة ، الحائمة ، الضائعة او الكامنة في الزوايا المظلمة من أعماقها .
أطياف تستفيق شيئا فشيئا من سباتها وتبعث وتتصور وتضئ وتزهو وتأخذ بيد بعضها ، وتتعارف وتتعانق وتلتئم ندوة من السمر حينا وحلقة من الرقص أحيانا . مسرح لا تعوزه الاضواء ولا الالوان . تام البهرج والإغراء
افراح وافراح . أفراح شتى ، عناقيد من الذكريات يدهمك طعمها فلا تنى تلتذها حائرا بين ألوان قطوفها . منها فرحة الصبى عند لقائه الاول بالبحر .
بحر يرف أمامه ويخفق ويبرق ألقا متداركا متجددا آبديا . خضم لا يحد من الزرقة العجيبة الزاهية نضرة وصفاء ، تستحم النفس فيها وتبترد وتمرح وتزدهي ما اعظم هذا المشهد ! اعظم ما يكون واعجب ! أشد مما تسعه النفس وتطيق .
أكل هذا الجمال لي ، أعطيته هكذا فجأة ، فيضا جياشا لا ينثني ، هدية سمحة تزف الى دفعة واحدة على غير موعد أو انتظار ؟ فضاء يغمر النفس فتصعر وتتضاءل وتدق . كالفرخ من الطير يواجه المدى الهائل الوسيع لاول مرة .
يغمرها طاميا طاغيا ويؤنسها معا فتتفتح له وتهش وتنشرح . نظير ما يحسه الولد يحتضنه ابوه . النقيضان من رهبة وسرور ، من أنس وجلال جمال غض طرى متولد النضارة والحياة فى كل حين .
من أين استقي الإنسان معنى الخلود ، ذلك المعنى الخارق . ذلك الممكن المستحيل ، ان لم يكن استلهمه من عظمة الكون وسحر الطبيعة وطرافة الوجود ؟ ومعنى الحرية ، وقد شغف به الى حد الإسراف والجنون ، من أين استوحاه ان لم يكن من تلك الينابيع التى لا يجد لها ولا يعرف حدا وانما هي معين لا ينضب وآفاق لا تنتهي .
البحر . تجربة اولى ، أول اكتشاف لجمال العظمة ، بادرة تحسس مبهم برئ لنموذج من الحسن على حدة ، لما فيه من روعة ورهبة حسن عملاقي تطأطيء النفس لديه وتسجد ، وتلذ وتسعد استشعار اللذة فى الخوف والخطر . نكهة غريبة شاذة ادراك غفل يجهل ذاته ، تنبه لما فى الكون من عمق وجاذبية وخفاء لا قرار لها .
نافذة يطل منها الصبى على العالم الاوسع الابعد ، يستشف سحر ندائه ويتطلع فى جزع وشوق الى المغامرة . الى الرحيل ، الى دنيا العجائب والاساطير . في كل صغير صورة ، روح من السندباد وتوقه الجامح الى المجهول الى المدى . الى اللانهاية البحر خطوة أولى وستدرك نفس الطفل بعد لاى صورا أخرى من العظمة دقيقة معقدة :
جلال الغاب وما فيه من سكينة جزلة حبلى بالاسرار ، زاخرة بأنفاس الحياة وهمساتها . بهجة الليل . ابهته فى حالى ابتسامه وتجهمه ، قريب الى النفس محبب سواء فى لينه وعناده ، فى غلظته وانسه .
صورة للرب فى صمته المطلق وبلاغة رمزه الممتنع الجلى . عليه غشاء من الالغاز تساورنا من كل جانب . تمسك بتلابيبنا . أشباح ساخرة عابثة . سراب خلب فتنة لالبابنا واعيننا . هيبة الجبال في كبرياء عزلتها تتحدى وتتطاول بقممها المصعدة فى عنان السماء .
روعة السحب المدلهمة الزاحة قطعانا من الهوام المكشرة الواجمة العابسة ، وسنفونية البروق والرعود كأنها الحلقة أو الجوقة من الجن فى جلجلة ورقص وعربدة وجنون . كائن يحلم ذاك هو الطفل ، وهل الكاتب الا طفل كبير لم تشب نفسه ولم يذو قلبه بل قد تحدى العجز والهرم والموت . أنا أحلم اذن أنا موجود . حقيقة لا تقل وزنا وروعة عن حقيقة العمل الكادح المنتج والتفكير الجدى العميق .
هي في الصميم من شخصيتنا المتعددة الوجوه ، المتقلبة المتضاربة الاحوال ، الزاخرة بذرات الحياة وبذورها ، وأشلائها وصرعاها هى جامع شتاتنا المبعثر وعنصر الاستمرار والديمومة فينا . كيف تجد ذاتك الحق ، كيف تهتدى اليها بين ذواتك العديدة المتناقضة ، كيف تستخلصها من هذه الفوضى وهذا الازدحام ، وتؤلفها جوهرا جامعا ، عنصرا موحدا مشرفا مسيطرا على الكل . . عنصر وئام وانسجام . بين " نشاز السوقة والطغام لولا ذلك العمل الصامت والبناء الدائب يجري متواضعا فى الاعماق . لولا الذكريات والاحلام نعم أنا أحلم فانا موجود ، ولكنه فن ضائع مهمل سخيف ولا عجب فليس أبعد عن الانسان من ذاته وجوهره .

