احس الصبى جذبة خفيفة ، وهو يمسك خيط الصنارة بين اصابعه . . فتلاحقت دقات قلبه . . وجعل يكتم انفاسه . . ويحمل بعينيه الصافيتين فى الامواج . . وفى حشائش البحر . . وفى خيط الصنارة الغاطس في الماء .
كان صبيا صغيرا . يحهل غالب الاشياء . . ويجهل ايضا ما يأتيه الصيادون من افعال . . بعد ان يحسوا بمثل تلك الجذبة . . ومع ذلك فقد ادرك ان عليه ان يمسك على طرف الخيط بقوة . . وجعل يضغطه بكلتا يديه
وعاودته الجذبة باشد مما احس بها فى السابق . . فبادر من فوره الى الخيط يجذبه ، ويلقى به على الصخرة بين اقدامه . . وقد شعر ان به بعض الثقل .
وظهر بطرف الخيط الذي كان يشق الماء ، شىء يلمع . . ثم بدأ يقترب يقترب وعينا الصبى تنظران اليه فى ترقب وحذر . . الى ان بات قريبا جدا من الصخرة التى يقف عليها .
حينذاك رفع الصبي يده بالخيط ينتشله من الماء . . وكانت سمكة . ايه سمكة . . انه يراها بوضوح . . وبوسعه ان يلمسها . . وان ينظر الى عينيها اللامعتين كالعقيق . . ولونها الذى يشبه لون سحابة فى السماء
وذنبها . . هذا الذنب العجيب الجميل . . انه يحبها . . ويحب كل الاسماك فى البحر . . والصيادين . . والشمس ايضا . . واصدقاءه الصغار
آه ، لماذا لم يأت احد منهم حتى الآن . . لم يكن من عادتهم ان يتغيبوا عن البحر في يوم ما . . لا بد انهم سيظهرون بعد قليل . . وسيلتفون حوله . .
وينظرون اليه ، والسمكة فى يده باعجاب . . انها اكبر من كل سمكة استطاع ان يصيدها طفل فى الشاطئ حتى الآن
لابد ان " سلوى " ستراها . . وستعجب لها كثيرا . . وسوف لن تعود لتقول عنه بعد ذلك : انه جبان . . وان الاولاد فى الشاطئ يحذقون صيد السمك خيرا منه .
حقا انه قضى مدة كبيرة . . يأتى كل يوم مع الاولاد ليلقى بصنارته فى البحر . . من غير ان يحصل على سمكة واحدة فى يوم ما . . فى الوقت الذى كان الاولاد . . يظفرون بكثير من الاسماك الصغيرة . . ويفاخرون . . ويضحكون
وكانت " سلوى " دائما اووفر منهم حظا فى اصطياد السمك . . مما جعل جميع الاولاد يعجبون بها . . ويتنازعون على الحظوة برفقتها . . برغم انها لم تكن تعرف اين يوجد السمك . . ولا كيف توضع الدودة فى مخطاف الصنارة كان كل شىء تفعله لا يدل على مهارة ، او حذق لفن الصيد . . ومع ذلك فان السمك كان يأتيها بكثرة . . حتى انها احيانا تأخذ فى توزيعه بين الاطفال .
وقد ناولتنى مرة سمكتين . . لكننى رفضت ان اقبلهما منها . . فانا لا ارضى ان يعطيني اى انسان سمكا من عنده . . ولدى خيطى وصنارتى هذه . . استطيع اذا القيت بهما دائما فى البحر . . ان احصل على سمكة . . كهذى التى تحصلت عليها في يدى
اين هم الاولاد . . لماذا لم يقبل احد منهم حتى الآن . ؟ فيروا سمكتي . . هل هم ما يزالون نائمين . . ام انهم ذهبوا يملؤون الماء لامهاتهم ؟ !
أه ، لقد تأخر هو عن امه . . ولاشك انها تنتظره ليملأ لها الماء . . انه سوف يعود اليها . . وبيده السمكة . . وسوف تحتضنه بين ذراعيها . . وتبتسم فى وجهه . . وتقبله .
وعندما يعود ابوه فى المساء . . ستقول له : ان " فتحى " اصطاد سمكة هذا اليوم . . وانه عليك ان تأتى له بقصبة صيد . . كتلك التى اتى بها جارنا لابنته " سلوى " .
وسيقول هو لامه : ان ما قالته " سلوى " من انه لا يعرف صيد السمك ليس صحيحا . وانه يعرف صيد السمك خيرا منها . . انه لا يذهب الى اماكن الرمل كما تذهب هى . . بل انه يأتى قرب الصخور ، اذ يعرف ان السمك يوجد هناك بكثرة وان " سلوى " لم تصطد ولو مرة واحدة سمكة فى عظم سمكته هذه
وجعل الصبى يرفع السمكة فى يده . . وينظر اليها فى تامل . . والى فمها المطبق حول الصنارة :
مسكينة ، لابد انها تتالم . . والا لما اطبقت فمها على هذا الشكل . .
وكأنها تود ان تظل الصنارة ثابتة فى فمها من غير ان يحركها لها احد فيؤلمها من جديد .
تماما مثلما شعر بذلك هو نفسه . . يوم انغرست فى قدمه شظية بلور حاد . . فانه رغم ما كان يجده من الم . . ود لو ان البلور ظل في قدمه لا يلمسه احد . . لولا وجود ابيه الذى انتزعه منه كرها تاركا اياه يصرخ ويلطم الارض بكفيه
انه يريد الآن ان يريح السمكة من هذا الالم . . ان يقلع عن فمها هذه الصنارة . . حتى لا تظل تموت ، وشىء فى فمها يعذبها
واخذ الصبى يعمل يده ليقلع الصنارة عن فم السمكة . . وفجأة انقلب مخطاف الصنارة فانغرس فى كفه . . واذا السمكة تسقط من يده ، لتأخذ سبيلها فى اليم . . واذا هو يرقبها . . وهى تغيب امام عينيه غائصة فى الاعماق .

