- 2 - فمن أبرز الشعراء الجزائريين الذين تخرجوا من الزيتونة ، وأسمعوا العالم أصواتهم من خلال الصحافة التونسية أولا ، ثم الصحافة الجزائرية فيما بعد وكان لهم دورهم المشرف فى الدعوة الوطنية ، والنضال ، ونالوا قسطهم من المحاكمات والتعسف والإرهاب ، نجد جوقا متكاملا وخليطا متساجما من الاصوات الجليلة التى تفوق أصحابها ثقافة ونبوغا ، وفاجأوا بقصائدهم الثورية الرائعة العالم العربي ، فاستمع من خلالهم إلى اناشيد الثورة ، واطلع من خلال قصائدهم على ملاحم البطولات والفداء ، وقرابين الشهداء التى قدمها المغرب العربى ثمنا لإصراره على التشبث بأصالته العربية . ليعد فى هذه القافلة : محمد العيد آل خليفة ، أبو اليقظان ، مفدى زكرياء ، رمضان حمود ، السعيد الزاهدى ،
العيد الجبارى ، محمد خير الدين ، أحمد كنون ، الأخضر السائحى ، عمر برناوى ، صالح خرفى ، صالح خباشة ، محمد الصالح باويه ، الأخضر عبد القادر السائحى وآخرون . وعلى تفاوت ما بين هؤلاء وبين صيغ شعرهم وتنوع آرائهم وقوة جلادهم ، فإن الانتماء إلى الزيتونة هو الذي يجمع بين أصواتهم ويؤلف بينها .
ومثلما برز هذا الشعر ، ونفث في الثورة روح الصرامة ، ونشر صوتها فى الاصقاع المختلفة ، فقد ساهم القصاصون الذين خرجوا من نفس المعهد بجهود متواضعة فى تطويع القصة للموضوعات الثورية الرائدة ، وعبروا من خلالها عن الثورة وأبعادها ، وصوروا معاناة الشعب الجزائرى لمختلف ضروب الظلم والطغيان ، وهو ما نجده بارزا فى تلك المحاولات التى قدمها كل من عبد المجيد الشافعي ، وعبد الله ركيبى ، وأبو العيد دودو ، وعبد الحميد بنهدوقه ، والجنيدى خليفة ..
وقد تعززت هذه المحاولات الإبداعية بثلة من الباحثين المفكرين الذين تناولوا فى كتاباتهم القضايا السياسية والاجتماعية والوطنية على مختلف الفترات ،
ومهدوا بأعمالهم المحدودة إلى خلق تيار فكرى يترجم عن المواقف السياسية المختلفة التى تنبع من قيم الجزائرى ، فكان أن اعتمدتهم الثورة الجزائرية في حربها الإعلامية ، وأصبحوا إطارها العلمي والجامعي والإدارى فى مختلف الميادين الفكرية ، ومن بين هؤلاء بالإضافة إلى الرعيل الأول الذى يمثله بن باديس ، ومبارك الميلى ، والسعيد الزاهرى ، وبوكوشة . نجد أحمد توفيق المدني ، وعبد الرحمن اليعلاوى ، وأحمد حمانى ، ومولود قاسم ، وعبد الرحمان شيبانى ومحمد صالح الصديق وعبدالله شريط ، وعبد الله ركيبي ، وأبو القاسم سعد الله ، والجنيدى خليفة ، ومحمد الميلي ، ويحي بوعزيز ، وعمار طالبي وعبد القادر زبادية وغيرهم .
ولعل هذا العطاء الذى قدمته الزيتونة للجزائر والعروبة والاسلام ، هو الذي حمل الدكتور صالح خرفى على التنويه بالدور الذى لعبته فى تكوين طلبة البعث من الناحيتين : العلمية والفكرية ، واعتبارها البيئة الأولى التى ترعرع فى كنفها هذا النشاط الزاخر ، فيقول : (( لو اعطينا الأولوية للبيئة العلمية التى تخرجت فيها الطليعة لجاءت تونس في الدرجة الأولى.
ففي ( جامع الزيتونة ) درس أو تخرج أغلب شعرائنا الأوائل . والشاعر الجزائرى فى تونس لم يكن يكتفى بدور الطالب الذي يتلقى الدرس ثم يتأبط كتبه صوب مسكنه . وإنما ساهم مساهمة فعالة فيما كانت تزخر به تونس في عقاب الحرب ، وبعد رفع الحصار على الصحافة سنة 1920 من نشاط فكرى وديني وسياسى )) (17) .
والحقيقة أن الزيتونة كانت دوما محل تقدير من طرف كل الخريجين الذين عرفوا ما لهذا المعلم العلمي الجليل من الأثار السياسية والفكرية والدينية على الأوضاع ، والتغييرات التى يمكن أن تحدث بالجزائر . وفي مقدمة هؤلاء الشيخ عبد الحميد بن باديس ذلك الذى استطاع أن يجعل من الزيتونة قاعدة تنطلق منها جحافله المجندة للحفاظ على الشخصية العربية الاسلامية للجزائر المهددة بالمسخ ، والدمج ، والتجنيس .
كان بن باديس حريصا كل الحرص على متابعة تطور الأوضاع العلمية فى الجامع ، لا يرى بأسا من التدخل عند الضرورة وإبداء رأيه فيما يتوجب إبداء الرأى فيه ، إذا تعلق الأمر بإصلاح مناهج التدريس ، والعمل على تطويرها وتعصيرها بما يتوافق وروح الثورة والطموح .
لقد أشرب بن باديس حب الزيتونة والتعاطف مع قضاياها ، والتحلى بروح العرفان لها كل تلاميذه ، فدرجوا على الوفاء مثله . ومن شواهد ذلك ما اعتاد أن يظهره هؤلاء من الولاء والتقدير للزيتونة ويصرحوا به فى المواقف المختلف فالشيخ السعيد الزاهرى الذى تخرج فى الرعيل الأول من البعثة جسد صورة من وفاء جيل ، ولم ينفك مباهيا بهذا الانتساب ، مظهرا شتى عواطف الولاء والتقدير الشخصى والوطنى لما قدمت الزيتونة من الخدمات للجزائر وابنائها قائلا : (( أنا مدين لكلية جامع الزيتونة . فقد تخرجت فيها وأحرزت على شهادتها (( شهادة التطويع )) . وما تراه في الجزائر من حركة العلم والأدب والإصلاح الديني ، هذه أيضا مدينة لجامع الزيتونة . فكثيرا من رجال هذا الحركة الاصلاحية قد تخرجوا من الزيتونة ، وأحرزوا على شهادتها العلمية )) (18)
وقد سرت روح العرفان هذه إلى كل الأجيال الأخرى التى مثلت مختلف البعثات فظلت تعرب عن هذا الوفاء الحميم في كل المناسبات (19) ، شأن كل من عانى المصاعب الجمة ، وقاسى مشقة الاغتراب والهجرة ، واجتياز الحدود بصورة شرعية آنا ، وغير شرعية أخرى للانخراط في صفوف طلبة الزيتونة مما يجعله وافر الحماس للدفاع عن معهده كلما لمس طعنا فيه ، غرضه الهدم والحقد ، فتراه يبرر هذا الدفاع بإبراز الأسباب الوجيهة التى تحمله على ذلك
مثلما فعل الشاب عبد اللطيف بن على القنطرى الطالب بالزيتونة عندما طالع بالعدد 115 من مجلة ( الشهاب ) مقالا يستنقص فيه صاحبه من شأن الزيتونة ورغم أن المقال كان مذيلا بتعقيب مجلة ( الشهاب ) التى انبرت للرد على صاحب المقالة فإن هذا الطالب الذى طالع الموضوع اثناء إقامته بتونس سرعان ما دفعته الحمية ، وأدرك ما يجول بخاطر كاتبه من الأوهام والتقولات ، فكتب يرد عليه ويعدد فضائل الزيتونة على أبناء الشمال الافريقي عامة قائلا : " أن الكل الزيتونية لها الفضل الكبير على أبناء الشمال الافريقي عموما أيا كانوا وذلك لأننا نرى فى كل سنة ما تنتجه من خيار الشبيبة المتورة أفكارهم.
وهم مع بعض خريجى المدارس تعلق عليهم الامة آمالها فى احياء لغتها (20) .
أما الشهادة الأخيرة فنقتطفها من مقال بعنوان ( فضل الزيتونة على الجزائر ) للحبيب بناسى أحد الطلبة الجزائريين الذين درسوا بالجامع فى الخمسينات ، وساهموا في الكتابة فى الصحافة التونسية ، وقد كتب يحيى معهده قبل تخرجه بأيام ، ويذكر ما للزيتونة من الاثر والفضل على الجزائر ، ويلفت نظر زملائه إلى هذه الحرمة فيقول : (( وللزيتونة - والحق يقال - فضل على الجزائر في الميدان الثقافي ، اذ لا ينسى ناس أن الجزائر محرومة من التعليم العربي كلية بل اللغة العربية غير معترف بها ، وهي تعامل معاملة سيئة ، والتعليم جريمة يعاقب عليها بأبشع العقوبات )) (21) .
ويمكن القول فى الختام أان طور البعثة لم يكن استمرارا ، أو تمثيلا لطور الرحلة العلمية الذي سلفت الإشارة إليه فى الفصل الماضى ، ولكنه كان طور من البعث والاحياء ، وإعادة الجسور المقطوعة ، وتركزت الجهود خلاله على ننظيم هجرات جماعية ذات أهداف محدودة ، لا تتعدى الدراسة ، ثم العودة إلى الجزائر لمباشرة مهام تعليمية وإصلاحية
وإذا كان دور بن باديس بارزا فى مضمار تنظيم صفوف هذه البعثات ، وجهوده كبيرة فى هذا الصدد فإن من أهم أعماله توسيع دائرة هذا النشاط الثقافي ليستوعب الشعب بأسره ، فيباشر من خلاله مسؤوليته الجماعية التلقائية التى تجسمت في الامتثال لتوجيهات زعيمه الروحى ، والحماس لأفكاره المخلصة ، والمساهمة بقسط وافر في إنجاح هذه الحركة العلمية
الواسعة ، وإرسال أبنائه إلى الخارج وجمع المعونات والتبرعات لفائدة هذا المشروع.
وبهذا ضمن بن باديس لحركته الاستمرار ، وعدم التعثر بعده ، بل على العكس مما كان يتوقع فقد تواصلت هذه البعثات تباعا وبأعداد متزايدة من سنة إلى اخرى ، وشملت كل الشريط الجغرافي الممتد من مدينة قسنطينة إلى جنوب الجزائر . وتهافت الوافدون على الزوايا والكتاتيب والمعاهد المنتشرة من قرية ( نفطة ) جنوب تونس حتى جامع الزيتونة بالعاصمة.
و إلى هذه البعثات يعود الفضل فى صهر جميع الخلافات التى أراد المستعمر بذرها بين المناطق اثارة للفتنة . فعلى مقاعد الدراسة أصبح الطلبة الجزائريون من كل حدب وصوب مثالا لوحدة الفكر والتمازج الروحى والوطنى . كما أن من نتائج طور البعثة إفرازها المستمر لعدد من الكتاب والشعراء الذين أثروا تاريخ الجزائر الأدبي ، وأصبحوا من أعلامه البارزين ، ومثلوا فى شعرهم ونثرهم روح الجزائر المناضلة وثورتها الفريدة.
لم يقتصر دور الطلبة الجزائريين الذين درسوا بمختلف المعاهد العلمية بتونس ، وعلى الخصوص منها الجامعة الزيتونة على مجرد تلقي الدروس والحصول على الشهادات ، ثم العودة إلى بلادهم ، بل كان لهم دور بارز فى مجال الأنشطة الطالبية ، وتأسيس الجمعيات ، وتحريكها ، والانخراط فى الأندية الأدبية التونسية والاندفاع للعمل ضمنها .
ولاشك أن الغرض الأساسي من إنشاء هذه الهياكل وتنظيمها كان جمع شتات الطلبة وتوحيد صفوفهم وتقريب وجهات نظرهم ، وامتصاص اختلاف اختلافاتهم الجهوية والمذهبية ، بين شماليين وجنوبيين ، ومالكيين واباضيين (22) ،
وتسهيل أوضاعهم المادية والمعنوية ، وتوفير الرعاية النفسية لهم ، وبث روح الثقة والاستقرار فيهم ، كى تتسنى لهم الدراسة فى مناخ اجتماعى ونفس ملائم . ثم أخيرا شحذ عزائمهم ، وإعدادهم إعدادا سياسيا ووطنا للقيام بالدور الذي يقومون به فى سبيل تحرير وبناء جزائر المستقبل.
ولقد ساعد على ظهور هذه الهياكل الطالبية عدة عوامل ، من أهمها :
أولا - تكاثر عدد الطلبة فى الثلاثينات بصورة فرضت التفكير فى وجوب تأطيرهم ، وصهرهم فى لحمة واحدة للاستفادة من هذه الكثرة ، والتقريب بين وجهات نظرها المتباينة .
ثانيا - ظهور ( جمعية العلماء الجزائريين ) فى ماى 1931 في إطارها القانوني والاجتماعى ، الأمر الذي يعتبر حدا فاصلا بين الطور الفردى للحركة الاصلاحية ، وبين طورها الجماعي ، بين مرحلة الدعوة المحدود بجمهور المساجد وحلقات الدرس ، ومرحلة تركيز هذه الدعوة ونشرها على أوسع نطاق .
ثالثا - تأثر الطلبة الجزائريين بالنشاط الواسع الذى قامت به جمعية ( طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا ) (23 ) التى سلف لها أن عقدت في الثلاثينات ثلاث مؤتمرات هامة خلال السنوات التالية : 1933،1932،1931 فى كل من تونس ، والجزائر ، وباريس . ثم نشرت محاضر جلساتها باللغة
العربية (24) ، وضمنتها مجموعة من الدراسات والتقارير العلمية عالجت من خلالها الأوضاع التعليمية ، والمشاكل التربوية التى يعيشها الشمال الافريقى قاطبة فى ظل الاستعمار الفرنسي (25) ، فأعطت بهذه التجربة المثل القويم لغيرها من طلبة المعاهد كي يتوسموا خطواتها فى المبادرة بتأسيس هياكل طالبية تساهم فى إنارة الرأي العام ، وتعبئة جهود الشباب الطالبي داخل هذه الاقطار سيما وقد تعمدت هذه الجمعية ضم عدة عناصر من طلبة جامع الزيتونة بتونس ، وجامع القرويين بفاس ، لاشراكهم في مشاريعها ونشاطاتها ، وإثارة الحماس فيهم ، والايحاء لهم ببعث جهودهم ، وترتيب صفوفهم على نحو ما فعل أفراد هذه الجمعية نفسها .
انطلاقا من هذه الأوضاع المختلفة بدت الحاجة ملحة إلى قيام هياكل طالبية بين المجموعات المتجانسة ، فكان الإعلان عن قيام ( جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين ) انعكاسا تلقائيا لهذه الحالة ، وجد له التجاوب المطلق مع مطامح الطلبة الذين كانوا فى حالة تشتت واضطراب.
وبقيام هذه الجمعية وضع الحد الفاصل بين الطور الأول للبعثات الذى كان يقوم على الجهود الفردية المبعثرة طيلة إحدى وعشرين سنة منذ وصول
اول بعثة " باديسية " فى سنة 1913 الى حين بداية التفكير فى اخراج جمعية الطلبة من حيز التفكير والتشاور والاعداد الى حيز الواقع القانوني والرسمي والاجتماعى فى سنة 1934 وبين المرحلة الموالية التى استمر فيها وجود الجمعية بين الظهور والاختفاء ، وبين النشاط الحثيث والركود المفاجئ ، وبين التماسك والتعثر طيلة ما يقارب العشرين سنة فيما بين سنة 1934 وحتى سنة 1957 موعد حل الجمعية من طرف جبهة التحرير الجزائرية .
عاني الطلبة الجزائريون فى الطور الاول من البعثة شتى صنوف العذاب والحاجة والمضايقات النفسية والمعنوية ، فكانوا يشدون الرحال الى تونس تارة على الاقدام ، وطورا على المطايا عابرين الحدود معرضين انفسهم لكل المخاطر والمجازفات ، وبعد قطع المسافات الطويلية كانوا لا يجدون من يخفف عنهم اعباء الغربة والانتقال غير المتطوعين القلائل من الطلبة المتقدمين عنهم في السن والرتبة الذين يبادرون الى تقديم ما يتوفر لديهم من المعونة . وكثيرا ما يكون مرجعهم الوحيد شيخ من المشائخ يوكل اليه الطلبة او بعض الجهات العلمية تصريف الامور تبعا لاسبقيته وخبرته ، وما يتوسم فيه من الفضائل ولكن فى حدود جهوده الفردية وعلاقاته الشخصية .
ولا يستثنى من هذه الوضعية غير ابناء ( وادى ميزاب ) ( 26 ) الذين بدأ توافدهم على الزيتونة من الجنوب الجزائرى فى بداية سنة 1917 ، أى بعد البعثات الباديسية بأربع سنوات تقريبا فى شكل مجموعات اكثر احكاما من حيث التنظيم والادارة ، وأوفر حظا من النواحى المادية . المعنوية . اذ كان يعهد فى كل مرة الى واحد من علمائهم مهمة الاشراف على البعثة الطالبية ، وتولى كل امورها وتجنيبها ما يتوقع من المصاعب .
ونظرا للحالة المادية الميسورة التى كان عليها أبناء الوادى ، ولارتباطهم مذهبيا ( التمذهب بالمذهب الاباضى ) - بتجار تونس من سكان جزيرة جربة ، ولوجود عدد هام منهم يحترف مهنة التجارة بتونس العاصمة ، فانهم لم يدخروا جهدا فى توفير أسباب الراحة لهذه البعثات حيث افردوا لها محلات للسكنى ، وقدموا لافرادها شتى المساعدات ، مما مكن عددا كبيرا منهم من الدراسة فى
ظروف تختلف كل الاختلاف عن الظروف التى عاشها طلبة البعثات الاخرون الذين وفدوا على الزيتونة من شرق الجزائر .
استغرق العمل على اخراج الجمعية من طور التمهيد والتفكير والمشاورات الى الطور العلنى بضع سنوات لاعتبارات تتعلق بالاوضاع الخاصة بالطلبة الجزائريين ، الذين كانوا مشتتين وغير متمرسين بالاعمال التنظيمية ، تنخرهم الحاجة والفاقة ، وتستبد بهم الغربة ، ويعوزهم قلة الوعى وصلابة القيادة .
لقد ظل قيام الجمعية - رغم كل الظروف التى وقعت الاشارة اليها - مرتهنا ببادرة تصدر عن شخصية قيادية لها تأثيرها الخاص بين الطلبة ، حتى إذا زار الشيخ البشير الابراهيمى عضو جمعية العلماء تونس فى بداية الثلاثينات ، واجتمع بالطلبة والعمال ، ولاحظ امارات البلبلة والتردد المستبدة بهم ، ادرك ان الاوان قد آن لجمع هذا الشتات وتحويله الى قوة مؤثرة تلعب دورها المرسوم فى حركة النضال الوطني الجزائري .
وخلال اجتماع نظم بجامع من جوامع تونس العاصمة تعمد الشيخ الابراهيمي فى الكلمة التى القاها فى جمع العمال والطلبة لفت نظرهم الى حالة البؤس النفسى ، والعوز المعنوى الذى يشدهم الى القاع ، ويهد كيانهم ، داعيا اياهم الى تكتيل الصفوف والتلاحم ، والخروج بقضيتهم وقضية شعبهم من الطور السلبى الى طور العمل المجدى ، من الظل الى المواجهة ، وتبصير الشعب التونسى وغيره من شعوب العالم العربي والاسلامى بعمق المأساة التى يعيشها الجزائرى المحكوم عليه بمبارحة الاوطان هربا من العسف ، وفرارا من الجهل الذى فرضه الاستعمار على الشباب الجزائرى .
ففي تظافر جهودهم انقاذ لحالتهم من شتى صنوف الهوان ، وفي رفع اصواتهم احتجاج صارم على الاستعمار الذى تسبب فى عمق المأساة الجزائرية ، وفي ترتيب صفوفهم ورصها قوة ، ودعم للشخصية الجزائرية المضاعة .
كان عدد الطلبة الحزائريين في بداية الثلاثينات يربو عن المائتى طالب . لذا رأى الشيخ الابراهيمى ان هذا العدد الوافر بحاجة حقا الى تنظيم قانونى ، يكفل له حرية العمل ، ويمكنه من اطار منظم يجمع شتاته ، ويوحد كلمته ، ويكتل جهوده .
ويروى أحد الذين حضروا هذا الاجتماع فى بعض ذكرياته الطالبية عن مدى تأثير هذه الزيارة فى التعجيل بابراز كيان الجمعية ، وما كان لها من الانعكاس فى نفوس الطلبة والهاب الحماس فيهم ، ودفعهم للعمل فى كل اتجاه فيقول فى هذا الصدد : " صادف ان زار الشيخ الابراهيمى تونس ، فوجد الطلبة فى
بلبلة باعثها العوز ، فاجتمع به الاخوان مع بعض العمال الجزائريين بجامع فى حي الحجامين ( 27 ) وقد اشار عليهم الاستاذ الابراهيمى بالكتابة في الصحافة التونسية اظهارا لما يكابدونه من اتعاب واوصاب ، وقد تولى هاته المهمة احد الطلبة ، فكتب عدة مقالات فى الصحافة .
ومن هنا ابتدأ اطار الطلبة يتكون ووحدتهم تقوى وتشتد ، فاصبحوا يكونون الاجتماعات الخاصة ، ويشاركون كطلبة لهم وحدة ادبية فى الاجتماعات العامة التى تعقدها الجمعيات المحلية " ( 28 ) .
وهكذا بدفع من الشيخ الابراهيمي ، وبتحريض منه تبلورت فى اذهان الطلبة فكرة ابراز الجمعية ، خرجت من دائرة الخيال والامانى والاحلام الى دائرة الامكان والاحتمال ، مما دعاهم الى تكوين هيئة وقتية اوكلت اليها مهمة وضع البرامج والاهداف الخاصة بهذه الجمعية ، واجراء المشاورات اللازمة مع الجهات المعنية سواء منها مشائخ جامع الزيتونة ، او الدوائر الرسمية ، فى انتظار ان تحين الفرصة المناسبة للاعلان عن ابراز الجمعيتين بصفة رسمية .
فقد كان الخوف قائما من ان تعمد السلطات الاستعمارية إلى احباط هذه المحاولات ، وتضع فى طريقها العراقيل فتؤول الاحلام الى خيبة يخشى من جرائها على الاحوال الطالبية ان تعود الى ما كانت عليه من الفوضى والتشتت .
وبعد سنتين كاملتين من المشاورات امكن للجمعية ان تعلن عن نفسها فى سنة 1934 . ففي هذه السنة عقد الطلبة اجتماعا انتخبوا خلاله هيئة لجمعيتهم التى اتخذوا لها اسم " جمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين " واولوا رئاستها الشيخ المهدى البجائى ، كما اسندوا رئاستها الشرفية الى الشيخ المختار بن محمود ( 29 ) احد مشائخ الزيتونة المرموقين .
غير ان رئاسة الشيخ البجائى للجمعية لم تدم سوى بضعة شهور ، ثم آل امر رئاستها بعد ذلك الى الشيخ عبد المجيد حيرش ، الذى استمر على رأس الجمعية حتى بقية سنة 1934 .
وخلال هذه الفترة القصيرة من رئاسة الشيخ حيرش بذلت جهود كبيرة للتعريف بالجمعية واشهارها ، وتوضيح الاغراض التى اسست من اجلها وفى سنة 1935 اخذت الجمعية مسارا جديدا بعقدها مؤتمرا موسعا اجريت اثناءه انتخابات عامة بحضور الطلبة ، وكان من نتائج ذلك انتخاب الشيخ الشاذلى المكى رئيسا للجمعية ، وهي الرئاسة التى امتدت الى اربع سنوات باكملها ، ولعلها كانت اطول فترة تتاح فيها لمسؤول من مسؤولى هذه الجمعية فرصة ادارتها كل هذه السنوات .
كما تميزت فترة رئاسة الشيخ الشاذلى المكى بالعمل والافادة ، ودعم مكانة الجمعية فى الاوساط الطالبية والعلمية ، وجعلها محور عدد من اللقاءات والمناقشات العلمية ، والذكريات الخالدة . ولولا قيام الحرب العالمية الثانية ، واضطرار الجمعيات والمؤسسات المختلفة للاختفاء لظل عمل الجمعية متصاعدا متطورا يلقي المساندة والدعم من مختلف الاوساط ، ويستقطب اليه العلماء من كل الاتجاهات .
والى الشيخ الشاذلى المكى يعزي السير بالجمعية سيرا منتظما مخلصا ، قوامه خدمة مصالح الطلبة والدعوة للمعرفة والعلم ، والتعريف بالجزائر واعلامها ، وواقعها الاستعمارى ، مع سعى حثيث لتكوين الطالب من الناحيتين الادبية والخطابية . فالجزائر - فى هذه المرحلة - كانت بحاجة الى خطباء يتوزعون فى المساجد والمدارس والساحات العامة يجلجلون بأصواتهم ، ويهزون ركود شعبهم ، ويبثون فيه روح الحماس الوطني ، مثلما هى بحاجة الى علماء يبذرون المعرفة بين الصغار فى المدارس ، والكبار فى الحلقات العامة ، وداخل جدران المساجد .
لقد تحلى الشاذلى المكى - كما يذكر الطالب عمار النجار الذى سجل لنا تاريخ جمعية الطلبة - بصفات عديدة ، كانت من الدعائم الاساسية لنجاح أى مشروع ، والوصول به الى الهدف المراد ، فاخلاصه أوجب عليه ان يشقى ليسعد الطلبة ، ويتعب ليستريحوا . وجرأته النادرة الزمته بأن يمضي بالجمعية قدما لا يلتفت لمن ديدنهم التثبيط والعرقلة ، ودابهم الانتقاد والمعارضة . وذكاؤه المفرط والمعيته الفائقة كلفاه بتوسيع فكرة الطالب ،
وتغذية روحه ، فكان يعقد الاجتماعات الاسبوعية ، يتمرن فيها الطلبة على الخطابة والارتجال ، مما كان له النتيجة الكبرى والثمرة اليانعة ، حتى اذا رجع الطالب الجزائرى وجد فى نفسه استعدادا لمكافحة الضلالات التى كانت سائدة على الشعب الجزائري فى ذلك الحين " .
وبفضل هذه الجهود النشيطة البارزة قطعت الجمعية شوطا كبيرا فى اعداد الطلبة للمستقبل ، وتنشئة جيل منهم قادر على درء الضلالات التى يروجها المغرضون ، واعوان الاستعمار ، والسذج . فمن الحكمة والسداد ان يفكر القائمون على شؤون الجمعية فى الكيفية التى ستدار بها المعركة المقبلة ،
حين يعود هذا الشباب الجزائرى الى وطنه أو يواجه " أذنابا " أفلحوا فى شد آذان البسطاء اليهم ، وغسل عقولهم بمختلف الترهان التى تتردد فى الزوايا واوساط الدجالين الذين اوجدهم المستعمر بغرض تجهيل الشعب ، وتجميد طاقاته العقلية ، وشل ارادته ، والهائه عما يجرى حوله . فلا بد اذن من تسليح هذا الشباب بقدرات خطابية ، وتأهيله لمواجهة الجمهور والاحتكاك بالناس ، ومقارعة الحجة بالحجة ، وتعلم صيغ الدفاع الشرعى وافحام الخصم ، وتفتيق آذان البسطاء اليهم ، وغسل عقولهم بمختلف الترهات التى تتردد فى الزوايا الغاضب الدخيل .
هذا القرار الذى اتخذته الجمعية ، وشرعت فى تطبيقه هو اقرب الى القرارات السياسية منه الى القرارات الاذبية والعلمية الخالصة . وهو يوضح لنا الاغراض والمقاصد التى كانت تخامر عقول مسيري هذه الجمعية ، كما يبين لنا تطور الوعي السياسي وتناميه من حلقة علمية الى اخرى ، ومن جيل طالبى الى جيل آخر .
فاذا كانت الهيئة الادارية السابقة قد أخذت على عاتقها فى البدء تكوين الطالب تكوينا أدبيا وعلميا صرفا ، وتوجيهه هذه الوجهة دون غيرها فى انتظار بلورة الوعى وتكشف الاحداث فان الخطوة الموالية كانت إرداف هذا التكوين الادبى بتكوين خطابى سياسى ، باعتبار ان الطالب هو رجل الاصلاح الذي سوف يلتحق بالركب حال تخرجه من الزيتونة . ومن مهام رجال الاصلاح ان يتحلوا بمواهب وقدرات متعددة ، ترتفع بهم الى المستوى الذي ينتظره الناس منهم . فما يزال بن باديس مثل الجميع فى المامه بفني الكتابة والبيان ، وفى ظهوره على الواجهتين ، الدينية ، والوطنية .
