الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

الطلبة الجزائريون بتونس، ( 1900 ~ 1962)

Share

وعلى عهد الشاذلى بن المكى استقبلت جمعية الطلبة رئيس جمعية العلماء عبد الحميد بن باديس ثلاث مرات فيما بين سنتى 1936-1937 ، ودعته في احدى هذه الزيارات لالقاء محاضرة على شرفها ، وكانت استجابة بن باديس تلقائية لهذه الدعوة ، فكان له لقاء مع الجمهور التونسى والجزائرى على منبر قصر الجمعيات الفرنسية بتونس ، حلل خلاله اوضاع الجزائر العلمية والسياسية والاجتماعية (30) .

واثناء هذه الزيارات الى تونس كان بن باديس كثيرا ما يلتقى باعضاء الجمعية ويحظهم بنفحات منه ، وفى كل هذه اللقاءات كان يلقن رئيس الجمعية بمحضر أعضاده " المثل العليا ، ويريه من نفسه نماذج مثلى " (31) .

ولعل أهم ما قامت به الجمعية فى عهد رئاسة الشاذلى المكى هو اصدارها لاول نشرية تجسم اعمالها ، وتعرف بنشاطها لدى القارئ فى أرجاء المغرب العربى . وقد اختارت لها تسمية ( الثمرة الاولى ) (32) تعبيرا عما كان يساوره من الشعور بالفخر وهى تقدم أولى ثمراتها ، وبادرة اعمالها ، وتخطو خطوتها

العملية البكر فى مضمار المساهمة الايجابية فى التعريف بنواة الفكر الجزائرى الشاب ، كما تشير التسمية الى ما كان يتحلى به اعضاء الجمعية من التفاؤل وارادة العطاء ، والتصميم على تقديم ثمرات لاحقة .

اشتملت الثمرة الاولى على ملف حافل بالدراسات الدينية التى القيت على منبر الجمعية عند الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية الموافقة لسنة 1356 ه ، وقد تضمن الملف مشاركة ثلة من رجال الاصلاح والوطنية ، تونسيين وجزائريين ، ساهموا فى تخليد هذه المناسبة الكبرى . ولاشك ان اقناع الجمعية هؤلاء بالمثول على منبرها وتلبية دعوتها يدل دلالة واضحة على ما أصبحت تحتله فى عمرها الوجيز هذا - من مكانة مرموقة ، وما تلاقيه من التأييد والتزكية .

ويبدو ان الجمعية فكرت مسبقا فى اغتنام فرصة مشاركة هؤلاء فى احتفالها المذكور للاستفادة من دراساتهم وكلماتهم وخواطرهم فى ابراز " الثمرة الاولى " على النحو الذى كانت تطمح اليه . ولهذا الغرض ايضا راسلت مجموعة من كبار اعلام الاصلاح والادب في الجزائر لموافاتها بكلمات تصلح للنشر ، بعد ان تلقى نيابة عنهم في هذا الحفل وبذلك استطاعت ان تجمع فى هذا الملف اقلام ومواقف وآراء التونسيين الى مواقف وآراء اشقائهم الجزائريين فى ذكرى من ذكريات المحن الاسلامية التى لعب فيها التضامن والصمود دورا هاما فى تحقيق النصر ، ذكرى مناسبة الهجرة النبوية الكريمة التى جمعت النفوس على الهدى ، وآلفت بين قلوب مطمئنة ، عامرة بالثبات ، والاستماتة فى سبيل نصرة المبادئ الراسخة .

وقد كان غرض الجمعية ايضا ان تضمن هذه النشرية ما كان تجمع لديها من المقالات الادبية والفكرية التى كانت تلقى فى الاماسى التى تعقدها تشجيعا لمواهب الطلبة ، وحثا لهم على الكتابة ، الا ان ملف الهجرة تضخم ، واستوعب فيما يبدو كل الميزانية المرصودة لهذه النشرية . مما جعل الهيئة ترجئ نشر الملف الادبي الى فرصة اخرى ، وتعطى الاولوية للكلمات والدراسات التى اعدت بمناسبة الاحتفال بالهجرة .

والحقيقة ان اهتمام الهيئة الادارية بشخصية الرسول عامة ، وبموضوع الهجرة بصفة خاصة فى اول احتفال للجمعية (33) لم يكن اهتماما اعتباطيا بقدر ما كان يهدف الى ابراز المغزي العميق للهجرة النبوية ، واستلهام شخصية الرسول وجهاده لتلقين الناشئة من طلبة الجزائر ضروبا من الدروس الخالدة والكفاح الصامد المستبسل كى لا يذهب بهم الظن الى ان هجرتهم من الجزائر الى تونس هى هجرة الفرار من العسف ، والخوف من الارهاب ، والاحتماء بالظل من الرمضاء ، واسترواح الراحة والخلود الى السكينة ، فيصرفوا النظر عما ينتظرهم فى الوطن الذى هاجروا من أجله .

انها ذات المعانى الرائعة التى ادركها فضيلة الشيخ عبد الحميد بن باديس فى كلمته التى ارسل بها من الجزائر ، استجابة للدعوة التى تلقاها من طلبة الجمعية .

لكانما استشف بحدسه الخاص ونباهته العالية نوازع الحنين ، والشعور بالغربة الذى يستثيرهم فأبى فى كلمته الا ان يلامس المقاصد التى قصدوا اليها من اقامة هذا الحفل ، ويساعدهم بالتالي على تلمس " المثل السامى للهجرة النبوية " ، فيخرج بهم عن الاطار التقليدى الذى اعتاد العلماء والمؤرخون ان يؤطروا فيه كلماتهم كلما دعوا لاحياء هذه الذكرى ، ويوجه عنايتهم في سلاسة اسلوب ووضوح فكرة الى اقرب المقاصد ، وادنى الغايات ، واهم الاغراض التى يمكن ان يستخلصها العالم الجزائرى المصلح من احتفال الطلبة الجزائريين بمثل هذه المناسبة .

المهاجرون يحتفلون بالهجرة ومن أحق بالاحتفال بها منكم ؟

نعم انتم يا ابنائي الجزائريين مهاجرون ، هاجرتم وطنكم لا لتستريحوا منه وتتركوه ، فتكونوا هاجرتم بانفسكم لانفسكم : بل لتتبعوا انفسكم ثم تعودوا اليه فتنقذوه .

وهكذا كانت هجرة محمد صلى الله عليه وسلم وهجرة اصحابه رضى الله عنهم ، فارقوا مكة وهي كما قال النبىء صلى الله عليه وسلم فى الكلمة التى ودعها بها عند الجزورة : " أحب البلاد اليهم " . وجاء الى المدينة والحنين الى مكة وطنهم الاول لم يفارقهم حتى دعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم حب الينا المدينة كحبنا مكة أو اكثر " .

ثم داموا على الجد والعمل والجهاد المتواصل حتى فتح الله عليهم مكه .

هذا هو المثل السامي الذي يجب ان يطمح ويعمل اليه كل مهاجر منا معشر المسلمين لانه هو الصورة الصادقة للهجرة النبوية (34) .

بهذه الاشارات ذات الدلالة العميقة وضع ابن باديس هذا الاحتفال فى اطاره المعاصر ، بعيدا عن كل ما كان تبادر الى اذهان جميع المحتفلين الذين شاركوا بكلمات ودراسات تتصل بالتاريخ أكثر من اتصالها بالواقع والحياة والنضال . فهو يوجه انظار الطلبة إلى وجوب العودة الى " مكة الجديدة " ،

وتخليصها من ادران الاستعمار ، تماما كما جاهد الرسول واصحابه للعودة الى " مكة الشريفة " تحت رايات النصر بدلا من الايغال فى الحنين ، وتوطين النفس على الاحلام .

فالطريق الى " مكة الجديدة " او بعبارة اوضح الى تحرير وانقاذ الجزائر لا تكون سالكة الا اذا تحلى السائرون فيها بــــ " الجد والعمل والجهاد " تلك الخصال والمثل الجليلة التى تحلى بها المجاهدون الاولون من الصحابة ، فكانت طريقهم الى النصر ، والى فتح مكة .

ولكن هل يعتبر مهاجرا من هاجر من الجزائر الى تونس ، أو منها الى مراكش او طرابلس الغرب تلك الاقطار المتآخية ، ان لم تكن قطرا موحد المعالم الجغرافية والعرقية والحضارية .

هل يعتبر مهاجرا من هاجر من وطنه الى وطنه ؟

يرى ابن باديس فى هذا الخصوص ان هجرة الطالب الجزائرى تندرج فى المعنى الضيق لمصطلح الهجرة ، اذ لا يمكن ان يسمى مهاجرا من هاجر " وطنه الاول الى وطنه الثاني " . ولكن هذا النوع من الاحاسيس بالهجرة يبرره عاملان أولهما الحنين الى الوطن الاول وهو امر عاطفى مشروع ، ان لم يكن مرغوبا

فى اثارته . وثانيهما الواجب الخاص الذى يحتم على المرء القيام بمهامه في المحيط الاجتماعى الذاتى الضيق حيث لا يجوز لغيره النيابة عنه ، فهو الحق الخاص للوطن الاول على المهاجر مهما تناءت به الاوطان ، فان قصر فى أدائة أهمل ذاته ، وفرط فى مصالح أمته ، وادخل الارباك على حركة التوازن والتفاعل الاجتماعى .

وان الالحاح على هذه الخصوصية ، والتاكيد على الواجب الذاتى للمهاجر لا يتنافيان ووحدة الشمال الافريقي الطبيعية ، التى تجسمها فى كل يوم الاحداث التى تتمازج فيها دماء الشهداء .

وكمثل على قيام هذه الوحدة فى صورتها الطبيعية يشير بن باديس الى حوادث المتلوى (35) ، التى جدت في تلك السنة ، ودفع فيها العمال (36) بمختلف جنسياتهم التونسية والجزائرية والمغربية والليبية أرواحهم نتيجة شعورهم بالتضامن ، والوحدة ، ودفاعا عن شرف الارض ومقاومة للظلم

الاستعمارى . ويستنتج ذلك كون - الوحدة ضرورة ملحة فى المرحلة الاولى - على الاقل - من حياة الشعوب ذات الخصائص الواحدة الى ان تتجاوز الانسانية اوضاعها المتردية وتتشبع بالمبادئ الاسلامية فتسمو بنفسها ، وتتخلص من وحشيتها ، وتصبح كلها وطنا واحدا .

وحتى تحقيق تلك الامنية البعيدة يرى بن باديس أن لا مناص من بذر روح الوحدة فى النشأ الطالبي الجديد ، وتذكيره بالامال المشتركة التى تمثلها وحدة الشمال الافريقي ، مخاطبا اياه فى هذا الصدد بقوله : " تعلمون يا أبنائى ان الشمال الافريقي : طرابلس ، وتونس والجزائر ومراكش وطن واحد بآماله كما بمثله حفلكم هذا . فحياكم الله لو بآلامه كما مثله شهداء المتلوى قتلى الظلم والغطرسة والوحشية - رحمهم الله . بل لو تربت الانسانية المعذبة على المبادئ الاسلامية لكانت الكرة الارضية كلها وطنا واحدا .

ولكن هذا لا يمنع من حنين المرء الى وطنه الاول لتقدم حقه عليه قبل سائر الحقوق ، ذلك الحق الذى لا ينتظر المرء قيامه بغيره اذا قصر فيه . ومن أهمل ذاته كيف يستطيع ان ينفع ذوات غيره ؟

فلماذا أدعوكم وأنتم فى تونس الشقيقة مهاجرين ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم - وهم ما قارقوا العرب ، ولاوطن العرب مهاجرين . ثبتكم الله ، وأعانكم الله ، وفقكم الله ، ورجع الله بكم الى الجزائر سالمين غانمين من الحق والخير ، عاملين مجاهدين " (37) .

لقد كانت كلمة الشيخ بن باديس - على ايجازها معبرة كل التعبير عما يخالج ضمائر الطلبة ، وعواطفهم ، ومشاغلهم . كما كانت ذات مغزى سياسي وانسانى ، ارتفع بها من تقريرية البحث العادى ، وما يتوجب قوله فى مناسبة دينية معروفة - الى ما يجب أن يستخلص من الاحداث التاريخية والشواهد ،

والمثل الاسلامية ، فما أشبه الليلة بالبارحة ، اولئك المهاجرون الذين غادروا وطنهم الثاني ، فارين بدينهم فى انتظار هدؤ العاصفة ، وهؤلاء الذين شردوا من ديارهم ، وأكرهوا على الهجرة منها ليقوموا بالواجب المناط بعهدتهم ، وهو صنع مستقبل وطنهم .

وبالاضافة الى هذه الكلمة البليغة المؤثرة التى تجسم خلاصة الغاية من اصدار الثمرة الاولى ، نجد عددا هاما من كبار رجال جمعية العلماء ، وفضلاء الاساتذة

المقيمين فى الجزائر يستجيبون لدعوة الطلبة ، ويساهمون فى حفلهم هذا ، اما بالكتابة الى هيئتهم الادارية مثلما فعل بن باديس او بالاعتذار لديها عند الضرورة .

من هؤلاء الذين دعوا للمساهمة بالحضور أو الكتابة ، فأرسلوا موضوعاتهم من هناك الشيخ ابو يعلى الزواوى ، الذى كتب موضوعا بعنوان " حول الهجرة " وعلى رحومة الذى ارسل مقالا عنوانه " اثر الهجرة فى الاسلام . وقد كرس الاول منهما موضوعه لا ستعراض النواحي الاسلامية التاريخية المعروفة من الهجرة . أما ثانيهما وهو الشيخ على رحومة فقد حاول ان يستخلص العبرة من الهجرة ، ويوجه انظار الطلبة الى حالة الاسلام والمسلمين ، وما عليه القومية من الهوان والمسخ ، ويحثهم على التضحية فى سبيل الدين الذى بات غريبا مبتذلا من قبل أهله ، ومن قبل الغرباء على السواء .

ومن شأن الاحتفال بالهجرة ان يكون حافز اللخروج من حالة الصمت والسلبية الى طور الفاعلية ، وخدمة ديننا واوطاننا وقوميتنا : " هذا هو التاريخ يخاطبنا: أن لا حياة الا بالموت ، وأن لا عز الا بالتضحية أفيليق بنا أن نأكل ملأ البطون ،

ونرقد ملأ الجفون ، ودين الله وتراث محمد مهان مذلول ، بدوسه أهله وغير أهله بما شاءت لهم أهواؤم من ضروب المنكرات ، وتهتك شرائعة ، وتمسخ وتذل لغته وتحقر ، ويعرف قانونه ، ويستعمل فى غير ما وضع له ، وتناط بأهله أحقر الالقاب ، ويوسمون بأرذل السمات ، ويوضعون موضع السخرية والهنات " .

حالة الهوان والضعة هذه هي التى دفعته الى أن يتوجه الى الشباب في آخر مقاله صارخا فيهم مستنهضا فى حماس وقوة : " فالبدار البدار ، والتضحية التضحية - أيها الشباب فأنتم جنود الاسلام وحماته ، ان فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد " (38) .

كما اعتذر عن المشاركة فى هذه الذكرى كل من الشيخ محمد مبارك الميلى ، والشاعر مفدى زكرياء ، اذ لم يتمكنا من تلبية الدعوة الموجهة اليهما فكان أن أرسلا برسالتى اعتذار جاء فى احداهما ، وهي رسالة الشيخ الميلي اغتباطه بهذا النشاط الذى رآى فيه تحقيق حلم من الاحلام التى كانت تراوده منذ كان طالبا ، وها هو يراه اليوم واقعا ملموسا بفضل آخذت تقوم به الجمعية من نشاط

حاشد بجمع بين صفوة الجزائريين والتونسيين من شباب البلدين ، ومن كبار علمائهما .

ان هذا الشعور هو الذي جعل الميلي يخاطب الطلبة فى رسالة اعتذاره بقوله " وليعلم ابناؤنا واخواننا من أعضاء جمعية الطلبة أن بودنا أن نشجعهم على المضى نحو غايتهم السامية ، وان نمدهم بكل ما فى وسعنا امدادهم به ، فان هاته الجمعية تحقيق لاحلام كنا أردنا ابرازها ايام طلبنا العلم فى جامع الزيتونة وعاقنا قلة الحاملين لهذه الفكرة ، والمؤمنين بنجاحها ، فنحن نرى فى هذه أمنيتنا التى كنا نقنرحها على الزمان .

واذا طلبتم مني كلمة تلقونها فى احتفالنا ، فلم تطلبوا الا أقل حق لكم علينا " (30) أما رسالة مفدى زكرياء فقد ضمنها مشاركته الروحية فى احتفال الطلبة بهذا الحدث ، كما تضمنت دعاء لهم بالخير ودعوة لهم للاسراع بتلبية نداء الوطن الذى ستنجد بهم قائلا بهذا الخصوص " أبقاكم الله لهذا الوطن الذى يستنجد بكم ، ويستغيث ويتترقبكم بفارغ صبر لتنتشلوه من هوة الفناء والانحلال ، بما تقومون به من التضحية ، وما تقدمونه فى سبيل السعادة من جلائل الاعمال . فهنيئا لكم يا أبناء اليوم ويا رجال الغد " (40) .

ولقد كانت هذه المناسبة كذلك احدى الفرص الهامة التى أتاحت لابناء الجزائر من الطلبة الكتابة (41) فى موضوع الهجرة ، وشحذ اقلامهم ،

والوقوف على منبر الخطابة أمام اساتذتهم وأمام الجمهور ، ونشر مقالاتهم جنبا إلى جنب مع مقالات أساتذتهم وزملائهم بالزيتونة ، و الظهور بمظهر الانسجام والتآلف ، اذ كانت تلك اول مناسبة تتاح فيها للجمعية تنظيم مثل هذا المهرجان على المستوى المغربي ، مما حمل رئيسها الشرفى الشيخ المختار بن محمود على الوقوف فى هذا الحفل ليؤثر هذا الجهد المتواضع ، ويعدد على الملأ شيم الطلبة الجزائريين ، وخصالهم التى تبعث على الانشراح والغبطة ، وتحمل على التباهي والتفاؤل بمستقبل سعيد ينتظر الجزائر المكافحة : " وان مما يضاعف هذا

الامل وينميه ما أشاهده من التلامذة الجزائريين - بارك الله فيهم - من اجتماع ثلاثة امور ، وهى ملاك الفضائل كلها وهي : اولا تقوى الله ، وثانيا المحافظة على القومية ، وثالثا العمل " (42) .

ويطنب الشيخ بن محمود في تحليل هذه الخصال الثلاثة ، باعثا فى أنفس الطلبه روحا جديدة من العزم والبذل بفضل ما رأى فيهم من السلوك المثالي قائلا : " فأما تقوى الله فذلك هو شعار غالب من رأيناهم من طلبة الجزائر ، فترى فيهم المحافظة على الصلاة ، والبعد عن مواقف الزلات والشبهات ، والتحلى بحلية الاداب ، وأخلاق الانجاب .

وأما المحافظة على القومية فكل واحد منهم متمسك بعاداته ، معتز بمجد قومه ، عامل على احياء ما اندثر من آثاره .

وأما حب العمل فان تلامذتنا الجزائريين بجامع الزيتونة مقبلون على التعليم غاية الاقبال ، يحضرون الدروس وفيهم نشاط ظاهر ، ورغبة فى التحصيل ، وميل الى الفهم والتحقيق ، وتعلق بأهداب المعالي والكمالات ، مع الاداب والتربية واحترام المشائخ - احترام الابناء للآباء - ومع حلية اخرى هي زينة العالم الزيتونى ، وعنوان فضله وهى حفظ القرآن . وناهيك بحفظ القرآن بالنسبة للعالم ، فهو نبراسه المضئ وحجته الدامغة ، ولسانه الذي يدافع به عن الدين ، ويرد به شبهات المشركين والملحدين " .

بهذه الصفات والاخلاق السامية يحقق الطلبة الجزائريين فى رأى الشيخ بن محمود نتائج باهرة فى مضمار التعليم والحرص والكد . وهم بهذا السلوك كما يقول : " جديرون بالتنشيط والتشجيع ، ومستحقون لكل مبرة واكرام " . وكان الشيخ بن محمود لشدة اعجابه بهذا النشا المبارك يتمنى : " ان لو كان حاضرا معنا هنا بعض اصدقائنا من علماء الجزائر حتى يشاهدوا آثار أبنائهم الزيتونيين ، ويروا أن الغرس الذي غرسوه قد نضج ثمره ، وآتي اكله شهيا طيبا " .

من مظاهر البر والعرفان التى عددها الشيخ بن محمود هو التئام الطلبة فى وحدة تجمع شتاتهم ، وتحملهم على تقديم العون والمساعدة الى بعضهم ، وحماية المهاجرين الجدد منهم الذين كانوا يؤمون الجامع سنويا باعداد وافرة دونما زاد او منحة ، مختصون الحدود بوسائلهم الخاصة بسبب الفقر والملاحقة .

كما أن من مظاهر للبر والعرفان ذلك الحب العميق الذي يكنه هؤلاء لوطنهم ، وذلك العمل الدائب من اجل التعريف بالجزائر وقضيتها التى اصبحت بواسطة الجمعية قضية معروفة ، يساهم الطلبة بالكتابة عنها فى مختلف الصحف ، واقامة المهرجانات وجعلها مناسبة لابراز اسم الجزائر واعلانه ، وكذلك لتخليده على صفحات الاسفار المطبوعة كما فعلوا عند اهداء " الثمرة الاولى " الى الجزائر .. " التى لم تر من الابناء الذين يحسبون لحرمة الامومة حسابها ويفقهون للكرامة معناها - الا النادر القليل " ..

إلى الام الحنون والوطن المفدى بالنفس والنفيس : الجزائر العزيزة الناهضة نهدى كعنوان على الطاعة والولاء ، والتضحية والجهاد فى سبيل مرضاتها وهنائها - هاته القطرات المنعشة علها تثلج صدرها المحترق ، وتخفف نوعا ما من كمد كبدها الحسرى الملتهبة فتبتسم للمستقبل الزاهر ، وتنشرح نفسها للامل السعيد " .

وهكذا استطاعن هذه الهيئة الادارية النشيطة فى عهد (43) رئيسها الشاذلى المكى وكاتبها العام أحمد بن ابي زيد الاغواطى أن تقوم بدور بارز فى مجال دفع الجمعية الى العمل الفكرى والسياسي ، وربط الصلة بجمعية العلماء الجزائريين ، والاعلان عن نفسها فى الصحف ، وابراز كيانها الى حيز الوجود ، واظهار قوتها كحركة طالبية تعبر عن ارادة الجيل الجديد من ابناء الجزائر .

اشترك في نشرتنا البريدية