الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الطلبة الجزائريون بتونس، ( 1900 - 1962 )

Share

- 5 - ( * ) وبين سنة 1948 وحتى سنة 1955 تردى النضال الطالبى فى حالة من الارتخاء والانكماش , وأصبحت أصداء الجمعية تظهر واهنة فى الصحافة وعلى استحياء . و تأثرت تأثرا واضحا بانكماش حركة الاصلاح ، ودب بين اعضائها الخلاف ، بين المتشبثين بالموالاة للخط الباديسى واتباع النهج الذى ظلت تسير عليه جمعية العلماء , وبين المجموعات الجديدة من الشباب التى تأثرت بآراء جماعة ( حركة الانتصار للحريات والديمقراطية ) . وهو خلاف لم يشكل خطرا جسيما الا منذ الخمسينات حين الانفصال بين كتلة البعثة التى ظلت على مسلك جمعية العلماء , وبين الطلبة الآخرين الموالين لحزب ( حركة الانتصار للحريات الديمقراطية ) .

وخلال هذه الفترة لا نكاد نعرف شيئا يذكر عن الجمعية ولا عن أسماء أعضاء الهيئات الجديدة التى ساهمت فى ادارة نشاطها ، ولم يبق لها من ذلك الاشعاع الذى كانت تحاول الصحافة ابرازه وتأييده الا بصيص ضئيل كان يدلنا من حين لآخر على أسماء بعض قادتها ، مثلما عرفنا على سبيل المثال أن كتابتها العامة آلت فى سنة 1949 الى الطالب الطاهر حميدات الذى نشرت له جريدة ( الاسبوع ) ( 59 ) مقالا يحيى فيه ذكرى الامير عبد القادر ويشير فى آخره إلى أنه الكاتب العام لهذه الجمعية .

وفى سنة 1915 نرى الجمعية تصحو بعض الشئ من غفوتها فتقيم حفلا على شرف الخريجين فى تلك السنة ، تنقل لنا جريدة ( الصباح ) وصفا له ،

واشارة للكلمة التى ألقاها ممثل الجمعية وهو يوصى العائدين الى الوطن بما يجب عليهم القيام به نحو شعبهم من العمل والارشاد . فقد ذكرت الجريدة أن (( جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين )) أقامت حفلة شاى لاعضائها الناجحين فى الامتحانات الاخيرة ، وخصوصا الذين أحرزوا على شهادتى الاهلية والتحصيل ، وكان الاحتفال فى المدرسة السليمانية على الساعة الرابعة مساء يوم 31 اكتوبر 1951 ، وقد حضره جمع غفير من الطلبة ، كما حضرته بعض الشخصيات التونسية والجزائرية الذين لبوا دعوة الجمعية مشكورين .

وقام ممثل الجمعية فألقى كلمة ترحيب بالحاضرين ، وتقدم بتهانى الجمعية الى الذين احرزوا على التحصيل والاهلية ، وشكر لهم تلك المجهودات التى بذلوها ، وتقدم بنصائحه الى الراجعين الى الوطن ، وما يجب عليهم نحو شعبهم , وان يوجهوا عنايتهم الى تحطيم أركان الثالوث : (( الفقر ، الجهل ، المرض )) ( 60 ) .

على ان الجمعية لم تلبث ان استعادت حيويتها فى سنة 1953 ، بعد أن ادرك بعضهم سوء الحالة التى أصبح عليها الطلبة الجزائريون ، وانحلال أوضاعهم النفسية والمعنوية ، وغياب نفوذ الجمعية ، وتقلص نشاطها ، وفتور اهتمامها بتنفيذ الواجبات المناطة بعهدتها ، فعقدت لهذه الغاية اجتماعا يوم 18 ديسمبر 1953 , خصصته للنظر فى تجديد مكتبها الادارى ، وتدارس (( الاحوال الشاذة التى يعيشها الطالب الجزائرى )) ، ووضعت برنامج عمل للخروج من المشاكل المادية والمعنوية (( التى انحدر اليها المستوى غير اللائق بسمعة التلميذ كتلميذ أولا ، وكجزائرى ثانيا )) .

فتكونت لهذه الغاية عدة لجان ، رياضية وأدبية ، وتفقدية . وتركز الاهتمام عل العناية بالمكتبة القيمة التى أهملت لاعادة تصنيفها حسب مستويات الطلبة قصد الانتفاع بما تشتمل عليه من العناوين .

وللرفع من مستوى الطلبة الدارسين نظمت الجمعية دروسا فى مادتى الرياضيات والفرنسية بمعونة بعض الاساتذة . وتقرر فى هذا الاجتماع كذلك عقد حلقات دراسية بغرض توعية الطالب وتوجيهه وتبصيره برسالة الجمعيات عامة ، ورسالة جمعية الطلبة بصورة خاصة ( 61 ) وتعهد بعض المتقدمين من

الطلبة بتقديم دراسات حول هذا الموضوع ، ونشرها بالصحافة ليتسنى لغير الطلبة الجزائرين الاستفادة منها وليطلع عليها الطلبة الجزائريون الذين يواصلون الدروس بالفروع الزيتونية الاخرى خارج العاصمة .

وقد امكن للجمعية الانتعاش من جديد خلال السنوات 1955،1953 ، وذلك بفضل ما قامت به من نشاط مكثف خلال صائفة سنة 1953 حيث طافت أنحاء الجزائر تعرض مسرحية ( الخليفة العادل ) ( 62 ) . التى قام باعدادها وتمثيلها فريق من الطلبة المتطوعين لتمويل صندوق الجمعية ، والتعريف بها فى الاوساط العامة فى الجزائر اسوة بأسلافهم الذين قاموا بنفس العمل فى السنوات الماضية ، ولكن رغم هذا الانتعاش الظاهرى فان الجمعية كانت تشكو من انقسامات واضحة بين صفوفها للاسباب السياسية المذكورة ، وكان بعض الطلبة يتألمون لهذا الانقسام فى وقت هم بحاجة فيه الى توحيد الصفوف ورصها ، مما حمل احدهم على ان يصور هذه الوضعية فى احدى المقالات الصحفية مشيرا الى ظاهرة فى الائتلاف والاختلاف فى الحياة الطالبية , معللا ذلك بتزايد أعداد الطلبة الذين أصبحت كثرتهم مصدر خلاف ، وقلتهم مصدر التضامن . فيقول : (( عاشت جمعية الطلبة الجزائريين 16 سنة موحدة الصفوف ، ولما تركزت وذاع صيتها وكثر التلامذة الجزائريون بتونس انشقت على نفسها .

وعاشت جميعية طلبة شمال افريقيا بباريس وقتا طويلا تضم جميع التلاميذ بالشمال الافريقى العرب بفرنسا ، فاستطاعت بذلك ان تقدم لبلادها خدمات جلى حتى خارج محيطها الثقافى . ولما ازدادت نسبة التلامذة الملحقين بالجامعات الفرنسية هناك انخفض نشاطها نتيجة الانقسام والانكماش فى جمعيات جزائرية وتونسية ومغربية ))  ( 63 ) .

هذه هى الحالة التى كانت عليها الجمعية فى بداية الخمسينات ، يحاول بعضهم النهوض بها ، ولكن سرعان ما كانت تلك الجهود تصطدم بالمثبطات والمعوقات بسبب كثرة الطلبة من جهة ، وبسبب اختلاف الآراء بين المتشيعين لعدد من النزعات السياسية من جهة أخرى .

ولقد تأثرت اللحمة الطلابية الجزائرية بهذا الانقسام الذى ظل ينخر كيان الجمعية حتى سنة 1957 عندما جمدت جبهة التحرير الوطنى فى تلك السنة نشاط جميع الجمعيات والفروع الطالبية ، واعادت بعثها من جديد فى شكل تنظيم يجمع كل الطلبة ، ويرتفع بهم فوق الخلافات والمنازعات .

على أن الجمعية لم تقف خلال الفترة المشار اليها قبل التجميد عند حد ترميم الصدوع المختلفة ، ولكنها حاولت فى بعض الاحيان وبحماس مجابهة الوضع بشئ من الجد والحزم ، فاغتنمت المناسبات الوطنية والعلمية ، والدينية لدعوة الطلبة إلى صهر خلافاتهم والمشاركة بروح جماعية ايجابية فى نشاط يوحد وجهات نظرهم ، ويقرب بينها وبين تباين آرائهم ، ومن هذه المناسبات الذكرى الخامسة عشرة لوفاة الشيخ بن باديس ، باعث الحركة الطالبية ورمز وحدتها وانسجامها .

من هذا المنطلق احتفل الطلبة الجزائريون فى هذه السنة ( 64 ) احتفالا غير عادى بهذه الذكرى ، وجمعوا لها وجوه الساسة والمفكرين من تونسيين وجزائريين ، ودعوا الجالية الجزائرية للاشتراك معهم فى اقامة هذا الحفل , وذلك كله للتعبير عن عودة الوحدة الى الصفوف ، والتضامن الى النفوس , ومحاولة تكتيل الخهود ودعمها فى ظرف بدا فيه الكفاح المسلح يتشعب فى الجبال والمدن ، وأعلنت فيه الثورة الجزائرية المباركة .

ورغم ان هذه النشرية تضمنت القليل من الكلمات والدراسات ، وقعد اضعف النشريات الطالبية التى اصدرتها الجمعية بالقياس الى الثمرتين السابقتين فان ابرز ما يميزها هو مشاركة عدد من وجوه الزعامه فى تونس , ومن كبار رحال الادب والفكر فيها امثال على البلهوان ، وأحمد بن صالح , والطاهر قيقه ، والبشير العريبى ، وناجية ثامر ، وعدد قليل جدا من الجزائريين كعبد الله شريط بالإضافة الى كلمة رئيس الجمعية الجنيدى خليفة ، وكاتبها العام على جغاب . وبديهى ان يتعدد الحديث فى مثل هذه المناسبة عن الجزائر وعروبتها واسلامها ، وان تكون هذه المعانى السامية هى المحور الاساسى لكل ذكرى تعقد لتعداد خصال بن باديس ، وتاثيل فضائله العديدة . فلا بد من تامل هذه الحماة الكبيرة العظيمة من حين لآخر لاستخلاص العبرة منها : (( رحم الله ابن باديس فقد كان لنا اسوة حسنة نقتدى به ، وكان لنا من المعلمين الاولين ، ومن المصلحين الاولين ، ومن الموجهين الاولين .

وبما كان فى الجزائر ما هو أغزر منه علما ، ولكن الشيخ يمتاز بقوة الايمان والشكيمة ، فقد تمكن من تنفيذ ما علمه صالحا ، وآمن به ايمانا راسخا ، وكتب فى سجل العلماء العاملين .

ولم يقتصر بن باديس على النضال على الجزائر فقط ، بل دافع بقلمه على تونس الشقيقة وفلسطين الشهيدة ، وعلى سائر الاقطار العربية والاسلامية وعلى الانسانية المعذبة ، فقد كان انسانيا لوطنه وانسانيا لجميع الشعوب )) .

اما الغاية من اقامة هذا الاحتفال ، فهى استخلاص ما يجب استخلاصه من العبر والدروسن من هذه الحياة لمواصلة الطريق نحو الهدف الذى رسمه بن باديس فى حياته : (( واننا اليوم اذ نحتفل بذكراه لسنا فى حاجة الى ذكر مناقبه كى نعددها وندعو له بالرحمة فقط بل نحن فى حاجة الى ان نعى حياته المليئة بالاعمال الصالحة ، فنستخلص منها دروسا تبعثنا الى السير نحو الطريق الذى عبده حتى نبلغ الهدف الذى كان يرمى اليه )) ( 65 ) .

واول هذه الدروس المستفادة هو ان ابن باديس كان قد عمل ما فى وسعه على تعميق الصلات القومية العربية ، وبث الفكر الاصلاحى والدينى ، وقدر على انتشال شعب باكمله من وهدة البؤس الروحى ، وانقاذه من التنصر والتجنيس (( وخلف بإصلاحه فى كل جزائرى شعاعا من روحه ، وقبسا من فكره ، وجذوة من عزمه ، وبقية من دؤوبه .

وترك فى كل مدينة وقرية من قرى الجزائر مسجدا يذكر فيه اسم الله ، أو مدرسة تلقن ناشئة البلاد دينها الاسلامى الحنيف ، ولغتها العربية القحة , و قوميتها الجزائرية الخالصة ، أو ناديا يضم شتات الامة ، ويلم شعث الشعب الذى كادت تصدعه الاحداث ، وتذهب به الاوضاع كل مذهب وتجعل منه السياسة شعبا لا يؤبه له ولا يرجى له التئام . فاذا هو يلتئم على يد ابن باديس فيؤلف شعب (( الجزائر العربية المسلمة )) ويمثل قوة فعالة يقرأ لها ألف حساب ( 66 ) .

ومن رأى الوطنى التونسى على البلهوان أن هذا الحفل الذى يأتى بعيد اندلاع الثورة الجزائرية المسلحة ببضعة شهور فقط انما هو احتفال بعودة

الجزائر إلى أصالتها العربية الاسلامية التى ساهم بن باديس في اذكائها عن طريق المساهمة فى بعث اللغة والدين ، ونشر التعليم بكل الوسائل ، واحتفال بالفجر الجديد وشيك الانبلاج عقب هذا الغسق الضارب الذى عاشته الجزائر صامدة صامتة .

لذا كانت كلمته قد ارتكزت حول المنظور العربى الوحدوى للعمل الاجتماعى والوطنى الذى قام به بن باديس في سبيل تعريب الجزائر ، وتقريب يوم التحام المشرق العربى بالمغرب العربى ، قائلا بهذا الخصوص : (( فعندما نحتفل اليوم فانما نحتفل فى الحقيقة بالجزائر العربية الاسلامية الخالدة . هذا الذى يعبر عنه وحودكم كعرب ومسلمين ، ولا أقول كجزائريين لاننى - بصفقتى عربيا - أؤمن ايمانا قاطعا أن الامة العربية (( كل لا يتجزأ )) .  وكما يقول المثل : ( ان الطائر لا يستطيع أن يطير بجناح واحد ) ، فكذلك عالمنا العربى الاسلامى . فاذا كان الجناح الايمن قد فك عنه سلاسل العبودية والرق ، فمازال الجناح الايسر ، مازال هذا الجناح مكبلا بسلاسل وقيود .

ان حركة بن باديس الرامية الى احياء اللغة العربية والدين الحنيف ليست الا بعثا جديدا لمقومات وطنيتنا ، واضافة الى عالمنا العربى من جديد )) .

وبكل ما فى النفس من التفاؤل والايمان بالفجر المطل من خلف الغياهب كان على البلهوان يخاطب المحتشدين من الطلبة والجالية الجزائرية باذرا فى جمعهم روح الثقة والايمان بالنصر ، قائلا لهم : (( إننا لعلى يقين من أن الجزائر على أبواب فجر جديد ، وبفضل رجالها العظماء الذين من بينهم هذا الرجل العظيم الذى نحتفل به الآن سينجلى عن ليلها الاليل الفجر الجديد مشرقا وضاحا حيث تكون من جديد مجدا شامخا وطريفا على المجد التليد ، ونرفع صوتنا فى العالم مصداحا رفيعا كما رفعه اجدادنا الافذاذ )) ( 67 ) .

ولئن كانت الذكرى الخامسة عشرة لوفاة بن باديس قد خففت من حدة الصراعات والخلافات بن الطلبة الذين كان عددهم الوافر من بين أهم هذه الاسباب ، فان التأييد الذى أخذت تحظى به الثورة المسلحة كان العامل الحاسم فى جعل هؤلاء يلتحمون بهذه الثورة منذ اندلاعها ، ويتحمسون لها ، ويلتحق بعضهم بصفوفها ، ويجند الآخرون طاقاتهم ومواهبهم الفكرية والادبية لتمجيدها والاشادة بها .

على أن الثورة نفسها عجلت منذ بدايتها على اجتذاب العديد من الطلبة للعمل فى صفوفها كمجندين ، أو مكلفين بالقيام باعمال الدعاية والتموين , وتعليم اللاجئين ، والاشراف على مرافق حيوية متعددة .

وبذلك استطاعت استقطاب الجميع ، وشحن نفوسهم بالحماس ، وطى كل الخلافات والحساسيات ، خصوصا بعد المواقف السلبية التى وقفها الزعماء التاريخيون من هذه الثورة ، سواء منهم زعماء ( حركة الانتصار للحريات الديمقراطية ) او زعماء حركة ( جمعية العلماء ) ( 68 ) .

ورغم النشوة العارمة التى هزت الطلبة وشحذت عزائمهم ، واستنفرت قواهم فى اتجاه الالتحام بالثورة فان اوضاع الجمعية كانت قد تبعثرت ، ولم تعد لها تلك الاهمية التى كان يعلقها الطلبة عليها باعتبارها بؤرة ثورية وخلية وطنية تتيح لهم العمل من حين لآخر للتعريف بقضية الجزائر فى حدود الامكانيات المتاحة .

كانت الثورة هى التعبير الامثل والاقدر على استيعاب الغضب المختزن فى الصدور ، وكانت الانطلاقة التى املها الجميع ، وكانت الهدف الذى سعوا اليه .

وهكذا لم تعد الجمعية تغرى الطلبة بالعمل فى اطرها ، بعد ان انفتحت ابواب العمل الثورى المباشر على مصارعها .

ومع ذلك لم يكن من السهل التخلى عن الجمعية ومكاسبها منذ الوهلة الاولى لقيام الثورة ، فجحافل الطلبة الذين ما زالوا يقبلون فى كل سنة على الدراسة فى الزيتونة كان عددهم يتضخم بمرور السنوات ، ومع تضخم عددهم كانت مشاكلهم واحتياجاتهم اليومية تتفاقم ، ولم يكن هناك من سبيل لحل هذه المشاكل سوى الابقاء على الجمعية ، والحفاظ على كيانها الى حين العثور عن البديل .

وتبعا للاسباب المذكورة حاول جمع من الطلبة اعادة الروح الى الجمعية ، وترتيب اوضاعها من جديد ، فالتاموا فى جلسات مختلفة ، وقرروا القيام بحملات تعريفية وتربوية واعلامية شبيهة بالحملات التى قامت بها بعض الهيئات

فى الخمسينات ، وذلك قصد تعريف الطالب الجزائرى الذى كان يفد من الجزائر خالى الذهن من كل معرفة بالعمل الجماعى ، وعمل جمعية الطلبة على وجه الخصوص هو تعريفه بجدوى هذا العمل ، وما يجب ان يتحلى به من الخصال والشمائل ليكون أهلا للحصول على عضوية الجمعية .

ولتحقيق هذا الغرض قام الطالب يحيى بوعزيز بتحرير سلسلة من المقالات حول موضوع ( رسالة الجمعيات ) ( 69 ) على غرار ما كتبه الطالب عبد الحميد بن هدوقة فى سنة 1954 ، حاول من خلالها شرح مفهوم العمل الجماعى وجدواه واثره على خدمة الصالح العام . ثم حدد العضوية والانتماء للعمل ضمن الجمعية بعدة شروط منها : (( ان يتجرد الاعضاء من الاهواء والتحيزات المزيفة ، وان لا يتشبثوا بحب الظهور والتكبر والاستعلاء ، وان يذوبوا فى المصلحة العامة ، ويعملوا لخدمة المبدأ الصحيح .

ومعنى هذ ان يتمذهبوا ان لزم الامر بدستور الجمعية الصحيح فى سبيل ان يسيروا سيرا منهجيا يسمح لهم ان ينفذوا الى مشاريعهم الحيوية الثقافية التى تؤتى أكلها فيما بعد للشباب والمجتمع بصفة عامة ، وان يعتمدوا فى تنفيذ مشاريعهم على التضحية الفردية والجماعية ، وان يسود اعضاء الجمعية الوفاق التام ، والاخلاص الصادق والاخوة الكاملة . . )) ( 70 ) .

هذه التوجيهات العامة التى حاول يحيى بوعزيز صوغها فى قالب الشروط الواجب توفرها فى من يريد الانتساب الى جمعية الطلبة هى ما كانت الجمعية تفتقر اليه فى هذه الآونة بعد انفرط عقدها ، وتنازعتها الاتجاهات .

ورغم الجهود المتحمسة التى بذلت منذ الخمسينات من اجل بعث فروع للجمعية فى بعض فروع جامع الزيتونة التى توجد بها نسبة وافرة من الطلبة الجزائريين كالفرع الزيتونى بالكاف ، وفريانة ، وتوزر ( 71 ) وهى فروع متأخمة

للحدود الحزائرية التونسية ، فان حالة الجمعية ظلت طيلة هذه المرحلة فى وضع مضطرب ، نتيجة ما سادها من التيارات والاختلافات ، وأيضا بسبب ما اعترى الاوضاع الداخلية التونسية من التوتر بسبب الحرب التحريرية التونسية التى اندلعت فى 18 جانفى من سنة 1952 .

ولعل هذه الحالة هى التى حملت جبهة التحرير الوطنى الجزائرى لان تضع حدا لذلك النشاط المتعثر وتفرض على الطلبة نهجا وحدويا تنصهر فيه الخلافات ، وتذوب الحزازات ، وتطمس الحساسيات ، ويكون عنوانا على جمع الشمل فى اطار اتحاد عام يضم جميع الطلبة الجزائريين ، على غرار الاتحادات الطالبية الاخرى .

دعت الحبهة الى اجتماع حضره اعضاء المكتب الادارى لجمعية الطلبة الجزائريين مساء يوم 8 ماى 1957 بقاعة الجامعة العامة للمتوظفين التونسيين وخلاله تقرر حل الجمعية المذكورة ، وترتيب الوضع الطالبى بما يتوافق ومنطق الثورة في التنظيم .

وبهذا (( الانحلال انتهت مهمة الجمعية ، ومع ذلك التاريخ تكونت لجنة تحت اشراف جبهة التحرير الوطنى لتحضير (( القانون الاساسى للاتحاد العام للطلبة الجزائريين بتونس )) ( 72 ) .

وقد حث نص البيان الذى اصدرته الجبهة للطلبة على الاسراع بتسجيل أسمائهم ، والاشتراك فى الانتخابات التى حدد لها يوم الاحد 12 ماى 1957 ( أى بعد يوم واحد من نشر البلاغ ) على الساعة الثانية بعد الزوال ، تحت اشراف ممثل جيش جبهة التحرير بقاعة الجامعة العامة للمتوظفين التونسيين بنهج سوق اهراس وذلك لقراءة خطوط القانون الاساسى للاتحاد العام للطلبة الجزائريين ، واجراء الانتخابات .

وقد وقع البيان عن (( اللجنة الوقتية ) الصاغ الاول مراد عن الصاغ الثانى أو عمران .

وهكذا منذ صدور هذا البيان سدل الستار عن الدور التاريخى العام الذى قامت به (( جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين )) ، ثم (( جمعية الطلبة

الجزائريين )) وهو دور سجلت خلاله الجمعية بجميع هيئاتها صفحات ناصعة من العمل الدؤوب المتمثل فى مد يد المساعدة للطلبة ، وفتح آفاق الامل والعمل أمامهم طوال ربع قرن من الزمان .

واضافة الى نشاطها العلمى والثقافى والاجتماعى سعت الجمعية طوال وجودها الى التعريف بالشعب الجزائرى وقضيته ، وعقد اللقاءات والتجمعات والمساهمة في مختلف التظاهرات الحاثة على نصرة الجزائر وشعبها ، وتخليد ذكريات اعلامها ورحالها . وقد تمثلت أهم آثارها المكتوبة فى النشريات الثلاث التى أصدرتها وأجمعت فيها على الغايات المثلى ، والأهداف المشروعة ، أقلام التونسيين والجزائريين على السواء . وكانت الباب المفتوح الذى أهل التلاميذ الجزائريين لان يستشرفوا من خلاله عالم الكتابة والابداع ، ويخطوا صفحات فى تاريخ بلادهم ، كما أن من آثار هذه الجمعية مساهمتها فى تكوين ثلة من الشعراء والكتاب ممن لم تقتصر مساهمتهم على الكتابة فى هذه النشريات وحدها ، بل تعدتها الى الكتابة فى مختلف الصحف والمجلات التونسية والعربية ، ثم كان لهم نشاط ملحوظ فى الجمعيات الثقافية والفكرية فى هذه المرحلة .

وإجمالا فان جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين نشأت نشأة أدبية صرفة لتساعد على تكوين خطباء يرفدون حركة جمعية العلماء ، ويكونون أصواتها فى المحافل الاسلامية ، وفى الجوامع والمساجد الا انها لم تلبث أن وسعت نشاطها ليمتد الى مؤازرة الحركة الوطنية الجزائرية ، وأولت التعريف بالجزائر وقضية الوطن المحتل اهتماما خاصا .

وعقدت لهذا الغرض المنابر والاجتماعات والمناسبات كمناسبة الهجرة النبوية التى كانت بمثابة الاعلان الرسمى عن خروج الجمعية من حيز التجمعات الطالبية الى واقع العمل الوطنى المباشر .

وقد كانت الجمعية مدعومة خلال هذه الفترة ، وفى معظم الفترات الاخرى من طرف جمعية العلماء ، حيث تتلقى منها بعض المساعدات المادية لتغطية نفقاتها ، كما تغطى بعض نفقاتها الاخرى من الاعمال التى تقوم بها كالتمثيل وجمع التبرعات .

ولقد كان للجمعية كذلك الفضل فى اجتذاب اعداد وافرة من الطلبة ، بلغ عددهم فى سنة 1952 نحو الالف وخمسمائة طالب ، وتوفير أسباب السكن ,

وتأمين العيش لهم ، وتكوين الاندية والمكتبات والانشطة الرياضية ، وتنظيم دروس التدارك فى مادتى الفرنسية والرياضيات ، كما كان لها الفضل فى اصدار ثلاث نشريات احتفظت لنا بتاريخ الجمعية ونشاطها ، ودلت على ضروب العرفان التى تمثلت فى الذكريات العديدة التى اقامتها لابن باديس وفى مقالات اعضائها المتعددة للتعريف برجال الجزائر وزعمائها أمثال الامير عبد القادر الجزائرى .

وقد توج هذا الكفاح الممتد طيلة نصف قرن بظهور الاتحاد العام للطلبة الجزائريين الذى جمع شمل كل الطلبة وجمع خلافاتهم المذهبية والفكرية , وجعل منهم قوة تساند الثورة المسلحة .

وهكذا كان النضال الطالبى الجزائرى فى تونس نضالا مشرفا تجاوز مجرد الدفاع عن المطالب النقابية الى النضال الوطنى ، وتجاوز مجرد التجمع الادبى والعلمى الى تكوين الخطباء والموجهين السياسيين والمرشدين الاصلاحيين .

اشترك في نشرتنا البريدية