اتسم التبادل العلمى بين القطرين التونسى والجزائرى فى أواخر القرن التاسع عشر بالركود والانكماش بسبب استيلاء الاستعمار الفرنسى على الجزائر في سنة 1830 م ، ثم استيلاؤه على تونس سنة 1881 م . اذ كان من اهداف هذا الاستيلاء تجريد الشعب الجزائرى من كل المقومات المعنوية التى تمكنه من التعبير عن مناهضة الوضع السائد ، ووعى الحالة التى يعيشها ، وأيضا قطع او اصره الثقافية ، وحرمانه من كل تبادل علمى مع الاقطار المجاورة او الاقطار العربية الاخرى .
وللوصول الى هذه الغاية انتهج الاستعمار منذ البداية سياسة الاجتثاث العرقى والثقافى التى تبرز بجلاء فى محاولته : " القضاء على العروبة كجنس ، وعلى الاسلام كدين وحضارة وثقافة " ( 1 ) . ثم التركيز على ضرب اللغة العربية ومنع انتشارها بالمدارس ، وفرض حصار صارم على عبور الصحف والمجلات وسائر المطبوعات العربية الى المواطن الجزائرى ، وتعزيز الحدود بحواجز عسكرية تحول دون تواصل الهجرة فى اتجاه المعاهد والجامعات العربية المختلفة
ورغم صدمه الاحتلال ، وما اعترى الاوضاع الداخلية من تقلب واضطراب ، وما كان لذلك من الاثر فى صرف انظار الجزائريين الى المشاكل الجديدة الناجمة عن الظروف الاستعمارية . فان هذه الصدمة لم تلبث ان قادت التفكير الى التأمل فى تحليل الاوضاع ، واستقراء الاسباب التى ادت الى هذا الاحتلال .
ولم يكن من العسير التوصل الى ان السبب الرئيسى فى كل ما حدث هو التقهقر الفكرى الذى لا سبيل للخروج منه الا بالتعليم ، ودفع الاجيال الجديدة للمثابرة على طلب المعرفة واتاحة الفرصة لها كى تتلمس طريق الخلاص ، ولو بتحمل شتى الصعاب واضناها .
وهكذا ما ان جنحت الاحوال السياسية الى الاستقرار ، واصاب القبضة الحديدية بعض الارتخاء واستنام قادة الاحتلال الى فكرة " الشعب المهدأ " حتى استؤنف التبادل العلمى بين البلدين على نطاق فردى محدود . فكانت رحلة ابن باديس التاريخية فى اتجاه جامع الزيتونة سنة 1908 طليعة الرحلات فى مطلع هذا القرن ، وكانت الجسر الذى امتد لتعبر عليه كل البعثات التى تتابعت بعد هذا التاريخ بتحريض ودفع منه . وبالتالى كانت فاتحة ما يمكن ان يطلق عليه " طور البعثة " .
كان التبادل العلمى طيلة الفترات التاريخية السابقة يهدف الى اخصاب الحضارة العربية واثرائها ، وتعميق جذورها والسعى لتنويع انماطها . وبسبب ذلك تعددت المراكز ، وتوافد العلماء والطلبة عليها للاستقرار ، أو الاستزادة او المناظرة العلمية ولكنه فى هذه المرحلة الجديدة كان يهدف الى فك الطوق المضروب على العربية المحاصرة من قبل الاستعمار فى هذا البلد ، واستشراف آفاق جديدة تعزز سبل المقاومة فى طورها السلبى العنيد.
ورغم ان هجرة الوطن اتخذت طابعا مأسويا فى حياة الجزائرى عامة تبعا للهجرات الجماعية التى نزحت من الجزائر باعداد هائلة فى مطلع القرن ، واتجهت اتجاهات مختلفة وخلفت مآسى شتى ، فان هذه الهجرة الجديدة كانت تختلف اختلافا كبيرا عن تلك الهجرات السابقة اذ : " اقترن فيها طلب العلم بالفرار من الظلم وتجنب الوقوع تحت سلطة الاستعمار .
وقد اتاحت هذه الهجرة للروح الجزائرية اسباب قوة جديدة لتعود بعد فتنفخ فى الجزائر ما يرد اليها حياتها ، ويدفعها فى سبيل استرداد شخصيتها " ( 2).
وهكذا نرى بن باديس ينجح فى خطته الهادفة الى اعادة الجسور الثقافية ، ومغالطة المستعمر الذى لم يتفطن بادىء الامر الى اهمية هذه البعثات على مستقبل الثورة الثقافية فى الجزائر الا عندما فوجئ بطلائع تلك البعثات يساهمون فى الحركة الاصلاحية ويؤلفون اطارها السياسي والصحفى والعلمى ، ويشاركون بفعالية فى البرامج التى اختطها الزعيم الروحى للنهضة الاصلاحية استعدادا لشن " هجومه " العلمى والثقافى على المستعمر من داخل الجزائر نفسها .
انطلقت مرحلة البعثة عقب عودة بن باديس الى مسقط رأسه قسنطينة فى سنة 1912 ، وانتصابه للتدريس في الجامع الاخضر ، وجامع سيدى قموش . فمنذ تلك السنة كان قد تهيأ لاعداد خطة سياسية - علمية تمكن الجزائر من المحافظة على صمودها الثقافى ومقوماتها الحضارية العربية . ولضمان النجاح لمشروعه المرتقب اخذ يصطفى النجباء من التلاميذ ويهيئهم لاول بعثة علمية جماعية اجتازت الحدود فى سنة 1913 ، غير ان اندلاع الحرب العالمية الاولى واغلاق المدارس والمعاهد التونسية جعل هذه البعثة لا تحقق الحلم المرجو الا بعد هذه الفترة .
وبعد الحرب مباشرة توالت البعثات تباعا فى مجموعات قليلة ، ولكنها كانت مجموعات منتقاة من افاضل الدارسين ممن سما بهم الطموح العلمى ، وتميزوا بالحيوية والنجابة . ويمكن ان يعد فى اوائل هذه البعثات البادسية المجندة لتكون القاعدة الاساسية التى تقوم عليها دعوة الاصلاح ومقاومة المستعم وجوه من كبار علماء الجزائر والعروبة امثال : محمد مبارك الميلى ، والعربى التبسى ، والسعيد الزاهرى ، وعبد السلام القسنطينى ، وحميد آل خليفة ، وهم الرعيل الذي درس فى الزيتونة وتخرج منها بين سنتى 1924 و 1925 ، وكانوا من بين أوائل طلبتها ممن عرفوا فى الاوساط الزيتونية من خلال مساهماتهم الادبية والفكرية فى مجال الكتابات الصحفية والتجمعات العلمية .
فهؤلاء مثلوا طليعة المتخرجين احسن تمثيل واصدقه ، وكانوا من خيرة الجنود الذين راهن بن باديس على كسب الرهان بهم . وما ان عادوا الى وطنهم الجزائر حتى تدعم بهم صف العلماء واندفعوا مع المندفعين لتركيز دعائم الاصلاح الى ان تاسس المؤتمر الاول لجمعية العلماء فى سنة 1931 فانتخب بعضهم فى عضويته ، وتوزع نشاط بعضهم الاخر بين العمل السياسى المباشر والعمل العلمي ، والعمل الصحفى . ثم سرعان ما تلت هذه البعثة الاولى ، أفواج من البعثات المتتابعة برز من بينها فى صف جمعية العلماء فى الثلاثينات : محمد مبارك الميلى ، والسعيد الزاهرى ، والعربى التبسى ، ثم حمزة بوكوشة ،
ومحمد خير الدين ، وفرحات بن الدراجى وآخرون ، ممن قاموا بدور بارز فى سبيل نهضة الجمعية ودعم اركانها .
ولم يقتصر نشاط بن باديس فى حقيقة الامر على تعبئة الشرق الجزائرى المحيط بمدينته قسنطينة فحسب ، ولكن نشاطه الهادف تركز فى اتجاه الجنوب حيث ما تزال المعاقل والاسر والمدن المحافظة على خصائصها العربية قوية الاندفاع فى حماسة لما يعزز الاسلام وروح العروبة . وكان تحركه فى هذا الحيز الجغرافى المتغلغل عموديا بالنسبة لنقطة ارتكازه فى قسنطينة محكوما بعدة عوامل اهمها السعى الى فتح جبهات جديدة متاخمة للحدود التونسية بامكانها الانفلات عبر المسارب الصحراوية والالتحاق بالزوايا ، والمعاهد العلمية بتونس . وكذلك اعادة تلك الجسور العلمية التى انقطعت بين جنوبى نونس والجزائر منذ العهود الفاطمية ، وبعث ما يتسنى بعثه من النشاط الفكرى والثقافي الذي سوف يؤدى مباشرة الى توعية الشعب بالظروف اللانسانية الذى يعيشها فى ظل استعمار يهدف الى اجتثاث أواصره .
وقد ساعد على هذا الاحياء ما كانت تتمتع به بعض مناطق الجنوب الجزائرى من الامتياز السياسى ، كمنطقة ( وادي ميزاب) التى اعتبرت منذ دخول الاستعمار الفرنسى اليها منطقة حماية تخضع لبعض المعاهدات المشابهة لما ابرم من معاهدات بين باى تونس وبين السلطة الاستعمارية الفرنسية . وتبعا لهذه الوضعية الخاصة تمكن سكان المناطق الجنوبية عامة ومنطقة وادي ميزاب بصفة خاصة من المحافظة على تعليم ابنائهم العربية ، وانشاء المدارس القرآنية بجهود المخلصين والمتطوعين من ابناء البلاد ، على ان طموحهم الى الهجرة العلمية لم يتبلور الا منذ رحلات بن باديس ، واطلاق دعوته ، والقيام بحملاته وزياراته الى الانحاء الجنوبية مثيرا فى الاوساط التعليمية فكرة البعثات الى الخارج ، والى جامع الزيتونة بالذات .
وهكذا انطلقت من (بنى ميزاب) أول بعثة علمية فى اتجاه جامع الزيتونة فى سنة 1917(3 ) بقيادة الشيخ ابراهيم طفيش ، وهى البعثة التى ضمت
عددا من الشعراء والكتاب والسياسيين امثال ابراهيم بن الحاج عيسى المكنى بأبي اليقظان ، والشيخ صالح بن يحيى ، ثم الشاعران مفدى زكرياء وحمود بن سليمان رمضان ، والكاتبان عبد العزيز الثمينى ، ومحمد علي دبوز .. وآخرون .
فبهذا الامتزاج العلمى والجلوس للدراسة فى معهد واحد ، والتكشف على حقيقة ما يجرى فى الجزائر من احداث ، تتبلور الوحدة الوطنية التى كانت هدفا من اهداف بن باديس.
فاذا كان الاستعمار قد استهدف تمزيق الجزائر الى مقاطعات ، واراد تشعيب الوضع الطائفى ، وايقاد نار الفتنة بين النحل المختلفة فان غرض بن باديس كان رأب الاصداع ولم الشتات ، وتوجيه الانظار الى العدو المشترك ، مستخدما فى هذا السبيل اخطر الاسلحة وامضاها واشدها فتكا وهى سلاح الثقافة والتنبيه والبعث الفكرى .
وبالاضافة الى هذين المسارين اللذين اتبعتهما البعثة وهما مسارا الشمال الشرقى والجنوب الصحراوى ، اللذان كانا يقودان الى جامع الزيتونة بصفة مباشرة فان ثمة مسارا ثالثا كان يقتصر على ارتياد الزوايا والكتاتيب والمدارس الواقعة على مقربة من الحدود الجزائرية التونسية وهو مسار الوسط الذى تمثله مدينة تبسة بموقعها الجغرافى المتألق بين قسنطينة فى الشمال ،
ومجموع مدن الجنوب ، بسكرة ، ووادى ميزاب ، ووادى سوف . كان هذا المسار يتخذ من مدينة تبسة منفذا للعبور الى المدن التونسية القريبة ، ويغري أبناء هذه المنطقة على الهجرة العلمية بصورة مستمرة ، كما كان يستقطب فى نفس الوقت نماذج من المتعلمين الذين ينزحون اليها من القرى والمدن التونسية المتاخمة وينتصبون للتعليم او الارشاد .
يصف مالك بن نبى طبيعة هذا التبادل الثقافى فى المسار الوسطى ، ونوع البعثات التى كانت ترحل من مدينة تبسة فى اتجاه مراكز التعليم بنفطة (4) ، او التى كانت تاتى من مدينة ( نفطة ) لتباشر لونا من التثقيف والارشاد الجماهيرى فى العشرينات من هذا القرن فيقول : " كان فى تبسة فوران من
الافكار حقا ، يحفظه ويرعاه ويصونه العلماء الذين اخذوا يعودون من الشرق ( 5 ) ولا يفوتنا ان نذكر انهم كانوا يحفظون سنة من تبسة سنها شيخ من نفطة التى كانت حينذاك فى الحدود الجزائرية التونسية المركز الثقافى الذي يؤمه طلاب العلم الذين كانوا قد حفظوا القرآن على ظهر قلب فى زاوية سيدي ابى سعيد ، او فى زاوية سيدى عبد الرحمان والذين لم يكونوا قادرين على القيام بدراساتهم العليا فى الزيتونة فى تونس .
وبذلك المركز انما كانت الثقافة الاسلامية تشع خلال الجنوب القسنطينى كله . وفي بداية هذا القرن كان المركز يديره شيخ جليل يسمى الشيخ سيدى محمد بن ابراهيم كان يأتى بصورة منتظمة ليقضى فصل الصيف ، اى فترة العطلة فى تبسة لدى صديقه القائد الصديق ، فى الفترة التى كان القائد فيها يمكنه ان يكون صديقا للادب والعلم ايضا . فلم يكن النظام الاستعمارى قد احدث بعد كل المسخ الاجتماعى والاخلاقى الذى كان يحمله فى طياته .
كان صديق القائد الصديق يأتى اذن فى كل عطلة يلقى البذور الطيبة فى الروح التبسية ، منشئا على هذا النحو تلك السنة التى وجدت من يعمل على استمرارها فى الشيخ الصادق بن خليل والشيخ عسول ، ومن بعد فى الشيخ العربى التبسى التى سلكت به فى سلك التيار الاصلاحى ( 6 ) .
ولئن بدا الاقبال على العلوم العربية يشكل ظاهرة فطرية فى المناطق الشرقية والجنوبية من الجزائر فان بن باديس بعمله الرائد استطاع ان يساعد على تنمية هذا الاقبال التلقائى ويجعله احدى الخصائص المميزة لهذه المناطق ، ويحوله من طابع الهجرة الفردية العشوائية الى البعثة المنظمة الواعية . فكان كلما زار جهة من هذه الجهات اطنب في حث الطلبة على السفر الى الزيتونة للاستزادة من العلم ، وعدم الاكتفاء بالمبادئ التعليمية الاولية التى يجرى تلقينها فى الكتاتيب والمدارس ، وحمل الآباء على توجيه ابنائهم للدراسة فى المعاهد التونسية حرصا منه على ابقاء جذوة الطموح متوارثة موصولة من جيل الى آخر ، والزيادة فى اعداد المتخرجين ، وزرعهم بعد تخرجهم فى كل الافاق الجزائرية التى حرمت من أبسط وسائل التعليم والتثقيف .
دأب بن باديس على التنقل عبر الشريط الشرقى الجنوبى المتاخم للحدود الجزائرية التونسية مؤزرا من طرف عارفى فضله ومقدرى جهده ، مسموع الكلمة ، نافذ التوجيه . ويذكر أهل ( قمار ) ان زيارة الشيخ عبد الحميد بن باديس لهم فى الثلاثينات من هذا القرن قد أذكت روح النهضة فى القرية . ونتيجة لذلك ولانتشار الحركة السياسية الوطنية ولتأثير الحرب الكونية الثانية سافر عدد من شبان " قمار " الى تونس للدراسة فى جامع الزيتونة . وكان هؤلاء الشبان يعودون فى صيف كل عام فيتصلون بشبان جدد ينشرون بينهم أفكارا جديدة ، فكان عدد الذاهبين يزداد فى خريف كل سنة ( 7 ) .
ومن ( قمار ) كان بن باديس ينتقل الى نواحى بسكرة داعيا الى نفس الفكرة حاثا على التمادى فى الهجرة العلمية ، منظما صفوف البعثات التى ثبت أنها نشربت دعوته وتاثرت بها وتحمست لها ، فلعبت دورا مهما فى الاخلاص للمبادئ التى تأسست عليها الدعوة ، والهدف الذى تمحضت لخدمته ، فكان العائدون من تونس ينقلون فى كل صائفة الى ذويهم واهل بلدتهم ما يزيل وساوسهم ، ويشجعهم على ضم ابنائهم الى هذه البعثات .
ولم يكن دور هؤلاء الطلبة ليقف عند حدود التحريض على الالتحاق بالزيتونة ومساعدة من هم بحاجة الى مساعدة من الطلبة المستجدين . وانما كانوا يستغلون عطلهم الصيفية لالقاء دروس عامة فى المساجد والكتاتيب والبيوت الخاصة . وكثيرا ما كانوا يختارون عن طواعية الانتشار فى الافاق البعيدة ( 8 ) بعد تخرجهم لاداء الرسالة على الوجه الاكمل ، والمساهمة فى احياء المناطق التى لا يرغب فى الالتحاق بها معلمو المدارس الرسمية . واندفع بعضهم احيانا الى تاسيس المدارس العربية والقرآنية متجشما اعباء التاسيس مكرسا جهده لنشر العربية التى كان حظها منقوصا فى المدارس الرسمية ، مفضلا المغامرة وبذل الجهد فى المدارس الوطنية القرآنية لما توفر لهم من الفرص والجهد .
وقد شاهد سائح تونسى زار جنوب الجزائر سنة 1952 ضربا من ضروب هذا النشاط التعليمي المتحمس للتعريب ، يقوم به احد متساكنى ( واد سوف ) من خريجى الزيتونة ، فضل تأسيس مدرسة لتعليم العربية وتحمل تبعات ما يكلفه هذا المشروع من العمل المضنى على اعطاء دروس بالعربية فى المدارس النظامية : " ففى الواحة المحاطة بالنخيل الباسق فى الماء ارتفعت مئذنة الجامع الذى بناه ( القماريون ) من حر مالهم ، وهو حديث البناء جميل الهندسة واسع الارجاء ، ثم زرنا المدرسة القرآنية ، ومن بعدها المدرسة العربية التى يديرها المثقف الشيخ الطاهر التليلى المحرز على العالمية من الكلية الزيتونية العامرة ، وهو روح المدرسة وعمودها الفقرى . جمع الى ادارتها التدريس بها ، وتخريج المثقفين والمثقفات .
وطالما راودته المدرسة الحكومية على اعطاء ساعة بالعربية ، ففضل مدرسته على مدرستهم (9) . وفى اكثر الاحيان كان الناس يقبلون من تلقاء انفسهم على العائدين من الدراسة اثناء العطلة يرغبون اعطاءهم دروسا فى اللغة العربية وشؤون الدين . ويقطعون لذلك المسافات الشاسعة بين القرى والمدن بدافع الرغبة الجامحة فى التعلم . ومن " قرية ليشانه " (10 ) كان مثلا " كل من المرحوم فرحات بن الدراجى والاستاذ احمد سحنون يذهبان الى الاستاذ محمد خير الدين حين يعود من الزيتونة ليتلقيا عليه دروسا فى اللغة كانت تعد جديدة .
ومن نتيجتها أن بادر الاستاذ فرحات بن الدراجى بالسفر الى تونس فى خريف 1924 حيث واصل الجد وسهر الليالى ، وهو يتلقى المعرفة ، ويقتنى من الكتب ما اتسعت له ماليته التى يبعث بها والده . وكان كلما عاد الى مسقط راسه " ليشانة " يعمد كسلفه فى الاستاذية خير الدين فيعطى دروسا للعامة فى التفسير والحديث ، واخرى للخاصة فى الفنون التى يقترحون ، او يراها نافعة لهم " ( 11 ) .
وهكذا لم تكد الحرب العالمية تضطرم ، ويتوقف بسببها كل نشاط للهجرة العلمية حتى كانت الجزائر ، وبالخصوص المنطقة المحاذية منها للحدود التونسية تزخر بعشرات الخريجين الذين تمركزوا للدراسة بالمعاهد ، او انتصبوا فى المساجد يتطوعون لاعطاء الدروس المجانية التى كانت تشفع فى غالب الاحايين بالتوجيهات الوطنية طبقا للاسلوب الباديسى الذي كان لا يرى ثمة فواصل بين الارشاد الدينى والارشاد الوطني والقومى .
وقد تعززت هذه الحركة العلمية الدافقة بتاسيس معهد بن باديس بقسنطينة فى سنة 1947 ، الذى انشىء بجهود الاهالى ليكون بمثابة الفرع الزيتونى ، يعزز البعثات العلمية ، ويجرى التدريس فيه وفقا للبرامج الموضوعة من قبل نظارة الجامع الاعظم . وقد جاء انشاء هذا المعهد الثانوى بمثاية التتويج لتلك الحركة الخصيبة التى ارسى قواعدها بن باديس ، وكنتيجة لانتشار المدارس الابتدائية العربية بكامل انحاء القطر الجزائرى .
ولضمان قوة استمرار هذه الحركة العلمية الناشئة ، وخشية أن تستفزجنون المستعمر فيعمد الى الفتك بها ووأدها فى المهد ، فكرت هيئة المعهد فى ربط هذه الحركة الجديدة بجامع الزيتونة ، ودعوة نظارة الجامع الى الاعتراف بها وشد أزرها حتى تضمن لها بعض الحماية ، وتعزز جانبها بالانتساب الى الزيتونة التى كان المستعمر الفرنسى يقدر تعاظم دورها ، ويخشاها لما لها من التغلغل فى الاوساط الدينية والاجتماعية ، ولما لها من البسط على نفوس الناس .
ولتحقيق هذا الهدف على الوجه الاكمل " وجه رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ محمد البشير الابراهيمى فى شهر جوان 1947 رسالة الى جمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين ، يعلمها فيها بان جميع التحضيرات قد تمت ليفتح معهد بن باديس بمدينة قسنطينة ابوابه فى شهر اكتوبر من السنة نفسها . وطلب من الجمعية ان تطلب من مدير الجامعة الزيتونية فضيلة العلامة الطاهر بن عاشور الاعتراف بالمعهد كفرع من فروع الزيتونة المباركة .
ولتنفيذ هذه المهمة الدقيقة العظيمة اقامت الجمعية بناديها الكائن بنهج عبد الوهاب بتونس .. حفلة تكريم للامام محمد الطاهر بن عاشور بصفته رئيسا شرفيا لها ، حضرها بالاضافة الى الشيخ الشاذلى ابن القاضى مدير
المدارس بعض اعضائه الشيخ على النيفر ، والشيخ محمد المختار بن محمود والشيخ الفاضل بن عاشور .
وفى هذه الحفلة عرضنا على مدير الزيتونة رغبة جمعية العلماء ، فاكبر هذه المبادرة العلمية ، واعرب عن اغتباطه الشديد بان يعترف بمعهد حمل اسم احد تلاميذه الاصفياء الامام عبد الحميد بن باديس كفرع للجامعة الزيتونية (12)
ويبدو ان السبب الذى حدا بالشيخ الابراهيمى الى مراسلة جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين فى الموضوع ، وعدم مكاتبة الشيخ بن عاشور فى موضوع يمكن فضه بطريقة مباشرة مرده الى الخلاف الذي نشب فى احدى المناسبات بين جمعية العلماء وبين الشيخ بن عاشور ، وتصدى فيه بن باديس للرد على استاذه الشيخ باسلوب لا يخلو من القسوة . وقد اشترك في تلك الحملة الشيخ الابراهيمى نفسه مؤيدا وجهة نظر بن باديس ، متحاملا على الشيخ بن عاشور فى عتاب جارح ، لا يخلو من التهكم مخاطبا اياه بقوله ليعلم الشيخ اننا والحمد لله نعرف عن بلدان العالم الاسلامى ما يعرفه هو عن (المرسى) و ( الديوان ) ، وان الدار ليست داره وحده ، وان اخوة الاسلام توجب علينا ان نمد اعيننا إلى ما وراء الرسميات والجغرافيا ، فنحاسب امثاله ان وجب الحساب ، ونعاتبهم اذا لزم العتاب ".
فهذه الخصومة القديمة هي التى حملت كما أتصور الشيخ الابراهيمى بان يطلب الى مدير الجامعة الزيتونية اعتراف الجامعة بمعهد بن باديس من خلال الطلبة الجزائريين . فربما خشى ان تكون نفس الشيخ لم تبرأ بعد من آثار ذلك الخلاف العلنى ، فتكون النتيجة خيبة يمنى بها المعهد والمتحمسون له من المدرسين الذين كان جلهم من خريجى الزيتونة ، ومن وجوه ابنائها امثال : العربى التبسى ، وعبد المجيد حيرش ، ومحمد النجار ، ونعيم النعيمى ، ومحمد خير الدين وغيرهم ، فى ظروف كان المعهد محتاجا فيها الى رعاية الزيتونة لاكتسابه مجد الزيتونة وحرمتها وحصانتها فى نظر الاستعمار ، وفي نظر المواطنين الجزائريين الذين دأبوا على النظر الى خريجى الجامع نظرة اكبا وتعلق .
ولا مراء فى ان الابراهيمى عرف كيف يجنى بأسلوبه البارع الفطن هذا الاعتراف ، وبدهائه السياسى استطاع ان يطوى صفحة من الحسابات السابقة ، ويجعل من مناسبة افتتاح اول معهد زيتونى بالجزائر خير فرصة تعيد ذكريات بن عاشور مع واحد من انبغ تلامذته بمناسبة مرور سبع سنوات على رحيله . وهكذا كان ترحيب شيخ الجامع بهذا المشروع مفعما بالعرفان لتلاميذه البررة ، مقدرا بادرتهم العلمية والوطنية ، مباركا هذه الجسور الجديدة من الامتزاج الثقافى التى تهدف الى اعلاء شان الزيتونة ورجالها ، ونشر المعرفة والعلم وخدمة الدين والحضارة العربية .
ورغم ان الشيخ الابراهيمى كان درس بالحجاز والمشرق العربى ، وكان ممن يمكن ان تطغى عليه نزعة التعاطف مع المعاهد التى تعلم بها فان إيمانه بالدور الذى لعبته الزيتونة فى الحياة الفكرية بالجزائر ، والدعم المعنوى الذى رفدت به حركة جمعية العلماء ، والمناصرة المتتابعة التى انجرت للجزائر من الزيتونة ومشائخها هو الذي حمله وهو رئيس جمعية العلماء آنذاك الى أن يقر هذه العلاقة العضوية بين الزيتونة وبين معهد بن باديس ، ويعمق ابعادها للاسباب المذكورة .
على ان الابراهيمى نفسه كان فى كثير من الاحيان يفخر هو الاخر بانتسابه للجامعة الزيتونية ، من خلال تتلمذه الى بعض المشائخ الذين تخرجوا منها واستقروا بالحجاز ، اذ كان لا ينفك يردد مباهيا فى بعض المناسبات قائلا : " فأنا لم أتخرج من الزيتونة ، ولم أقرأ فى الجامع حرفا ، ولكننى تخرجت بالمدينة المنورة هى اضواء كواكب الزيتونة فى وقته ولا أحابى ، الشيخ محمد العزيز الوزير التونسى رحمه الله ، فكانت لى بسببه صلة بالزيتونة مرعية المتات ، آمنة الانبتات ( 13 ) .
ولم يكد معهد بن باديس بقسنطينة يفتح أبوابه حتى تدعم بمعهد آخر هو الكلية الكتانية ، وبذلك اصبح للزيتونة معهدان يتبعان نظامها بصورة رسمية وقد بلغ بذلك عدد تلاميذ المعهد الباديسى فى سنة 1952 نحو 980 طالبا ( 14 ) وتلاميذ الكلية الكتانية 575 طالبا دون مدرستيهما . وكان هؤلاء التلاميذ يتدرجون فى الدراسة من سنة الى اخرى ، وعندما يتهيؤون للحصول على شهادات انتهاء الدروس المعروفة بالجامع وهى : الأهلية ، التحصيل ،
العالمية ينتقلون الى تونس لاجراء الامتحانات ، وذلك قصد تسوية اوضاعهم العلمية والادارية ، اذ ان الشهادات المعطاة من طرف ادارة جامع الزيتونة كان معترفا بها من قبل السلطات الفرنسية ، بينما لم تكن هذه السلطات تمنح اعترافها للشهادات التى يحملها التلاميذ من المعهد الباديسى او الكلية الكتانية وكمثال على هذا التكامل فى العلاقة بين معهد بن باديس وبين الزيتونه فقد نشرت الصحافة التونسية الصادرة فى تلك الفترة احصاء يفيد بان عدد الممتحنين الوافدين على الزيتونة من الجزائر فى نهاية السنة الدراسية 1951 - 1952 ) بلغ 90 طالبا .
وفي المناسبات المختلفة كان المعهد الباديسى يعبر عن هذه الوشيجة الراسخة بايفاد وفود طلابية سنوية للمشاركة فى النشاطات الاجتماعية والعلمية المختلفة التى تنظمها الزيتونة ، وفى سنة 1952 أوفد المعهد 45 طالبا للمشاركة فى المهرحان السنوى للجامعة الزيتونية ( 15 ) وبالاضافة إلى ذلك فان عدد التلاميذ الجزائريين الذين كانوا يتابعون دروسهم بالمعاهد الزيتونية بتونس العاصمة او بعض الفروع الاخرى بالجهات المختلفة بلغ فى تلك السنة نحو 1500 طالب بينما لم يكن هذا العدد قد تجاوز المائتين من الطلبة قبل اربع سنوات فقط اى فى سنة 1948(16)
وقد ظل هذا العدد فى تزايد مطرد الى سنة 1962 حيث استقلت الجزائر ، وامكن للحميع العودة الى الوطن والمساهمة فى النهضة الجزائرية والعلمية والادارية . وبهذه الخاتمة السعيدة انطوت مرحلة البعثة التى كان لها دور خطير فى الحياة الفكرية والأدبية بالجزائر .
وهذا قدمت الزيتونة افواجا من العلماء والمفكرين والادباء لم يقتصر دورهم على تعبئة المشاعر الوطنية والعمل من اجل بعث الجزائر ، وتحقيق الرغبات الوطنية ، وانما كانت لهم مساهمات نشيطة فى مجالات الفكر والصحافة بتونس تجاوزت خدمة المطامح الوطنية الى خدمة التراث العربى والاسلامى ، والمساهمة فى اثرائه وتعميق نزعته الانسانية .
